فالباري جلّ وعلا لم يترك خلقه سُدًى، بل ربّاهم ورعاهم من أضعف مخلوق إلى أعظم، إمّا بالتنشئة والخلق، وإمَّا بالرزق والهداية.
وللتنبيه على هذا الدليل قال ابن الجوزي: "من تأمّل تحديد الأسنان لتقطع، وتعريض الأضراس لتطحن، واللسان يقلّب الممضوغ، وتسليط الكبد على الطعام ينضجه ثم يُنفذ إلى كل جارحة قدر ما تحتاج إليه من الغذاء … والعقل الذي يرشد إلى المصالح، وكل شيء من هذه الأشياء ينادي: أفي الله شك؟! " (^٢).
وقال أيضًا: "لما تلمّحت تدبير الصانع في سَوْق رزقي بتسخير السحاب وإنزال المطر برفق، والبذر دفين تحت الأرض كالموتى قد عفن ينتظر نفخة من صور الحياة، فإذا أصابته اهتز خضرًا، وإذا انقطع عنه الماء مديد الطلب يستعطي، وأمال رأسه خاضعًا ولبس حلل التغير، فهو محتاج إلى ما أنا محتاج إليه، من حرارة الشمس، وبرودة الماء، ولطف النسيم" (^٣).