١ - ناقش ابن الجوزي ﵀ وردّ على من فسَّر الاستواء بأنه الاستيلاء، فقال: "وبعضهم يقول: استوى بمعنى استولى، ويحتج بقول الشاعر:
حتى استوى بشرٌ على العراق … من غير سيف ودمٍ مُهراق (^٣)
وبقول الشاعر:
هما استويا بفضلهما جميعا … في على عرش الملوك بغير زور
وهذا مُنكر عند اللغويين، قال ابن الأعرابي: العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى، ومن قال ذلك فقد أعظم. قالوا: وإنما يقال: استولى فلان على كذا، إذا كان بعيدًا منه غير متمكّن منه ثمَّ تمكَّن منه؛ والله ﷿ لم يزل مُستوليًا على الأشياء، والبيتان لا يُعرف قائلهما، كذا قال ابن فارس اللغوي. ولو صحَّا فلا حجة فيهما لما بيّنا من استيلاء من لم يكن مستوليًا، نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة! " (^٤).
_________________
(١) الدالية في السنة لابن الجوزي (مخطوط) (ق ١/ أ، ب، ق ٢/ أ).
(٢) زاد المسير (١/ ٥٤).
(٣) انظر: لسان العرب (سوى) (١٤/ ٤١٤)، والصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٨٥)، وهذا البيت لم ينسب لقائل معين، بل قال فيه شيخ الإسلام: "لم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة". مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٦). وانظر: مختصر الصواعق المرسلة (ص ٣٨٨).
(٤) زاد المسير (٣/ ٢١٣). وانظر: مختصر الصواعق (ص ٣٨٨).
[ ٢٨ ]
٢ - كما أجاد ﵀ في تحرير مسألة رؤية الله ﷿ يوم القيامة بالأبصار، ومما قاله بهذا الخصوص:
- "رؤية الله ﷿ حقٌّ لا شكَّ فيه. والأحاديث فيها صحاح" (^١).
- وفي تفسير قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: "تعلّق بها نفاة الرؤية وقالوا: ﴿لَنْ﴾ لنفي الأبد، وذلك غلط؛ لأنها قد وردت وليس المراد بها الأبد في قوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] ثم أخبر عنهم بتمنّيه في النار بقوله: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. وفي هذه الآية دلالة على جواز الرؤية؛ لأن موسى مع علمه بالله تعالى سألها، ولو كانت مما يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها، ولا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك؛ لأن معرفة الأنبياء بالله ليس فيها نقص، ولأن الله تعالى لم ينكر عليه المسألة، وإنما منعه من الرؤية، ولو استحالت عليه لقال: (لا أُرى)، ألا ترى أن نوحًا لما قال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] أنكر عليه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]. ومما يدلّ على جواز الرؤية أنه علّقها باستقرار الجبل، وذلك جائز غير مستحيل، فدلّ على أنها جائزة، ألا ترى أن دخول الكفار الجنة لما استحال علّقه بمستحيل، فقال: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] " (^٢).
٣ - وفي مناقشته للمعتزلة في تفسيرهم لصفة "اليد" في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] بأنها القدرة، قال: "وقول المعتزلة: إن المرد باليد القدرة، باطل؛ لأنّه يؤدي إلى أن تكون للحق سبحانه قدرتان، فإنه قال بيديه.
_________________
(١) المصدر السابق (٨/ ٤٢٢ - ٤٢٣). وانظر: (٣/ ٩٨ - ٩٩) من المصدر نفسه.
(٢) زاد المسير (٣/ ٢٥٦).
[ ٢٩ ]
وأجمع المسلمون قاطبة أنه لا يجوز أن تكون لله قدرتان … وكذلك لا يجوز أن يُقال: إن الحق تعالى خلقه بنعمتين؛ لأن النعمة مخلوقة … " (^١).
ولعلّ في هذا القدر كفاية للدلالة على المقصود من هذا المبحث.