واعلم أن الأنبياء جاؤوا بالبيان الكافي، وقابلوا الأمراض بالدواء الشافي، وتوافقوا على منهاج لم يختلف، فأقبل الشيطان إبليس يخلط بالبيان شبهًا، وبالدواء
_________________
(١) صدق الأنبياء لا يتوقف على المعجزة وحدها، بل إن إثبات صدق الأنبياء في دعوى النبوة بالمعجزة وحدها هو مسلك أهل الكلام. والذي عليه أهل السنة أن المعجزة دليل صحيح على النبوة، كما أن مما يثبت به صدق النبي في دعواه: نوع ما يأتي به من الخبر والأمر مما تحار فيه العقول ولا تحيله، وصفاته وأحواله التي اشتهر بها قبل ادعاء النبوة، كالصدق والأمانة، ومنها عاقبة النبي وأتباعه ومكذبيه، من نصر النبي وأتباعه، وإهلاك المكذبين. انظر ما ذكره شيخ الإسلام في شرح العقيدة الأصفهانية (٤٧١ - ٥٠٢)، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٥/ ٣١٩) وما بعدها، والنبوات.
(٢) هذه التسمية المقصود بها ابن آدم الأول، وإنما هي من نقل العلماء عن أهل الكتاب، لم يرد بها نص في القرآن، ولا جاءت في سنة ثابتة فيما نعلم، فلا علينا ألا نجزم بها ولا نرجحها، وإنما هي قول قيل. قاله الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀. انظر: عمدة التفسير (٤/ ١٢٣) بتصرف يسير.
[ ٨٠ ]
سمًّا وبالسبيل الواضح جردًا (^١) مضلة.
وما زال يلعب بالعقول إلى أن فرق الجاهلية في مذاهب سخيفة، وبدع قبيحة، فأصبحوا يعبدون الأصنام في البيت الحرام، ويحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ويرون وأْد البنات ويمنعونهن الميراث، إلى غير ذلك من الضلال الذي سوَّله لهم إبليس، فبعث الله -سبحان الله وتعالى- محمدًا ﷺ، فرفع المقابح، وشرع المصالح، فسار أصحابه معه وبعده في ضوء نوره سالمين من العدو وغروره.
فلما انسلخ نهار وجودهم أقبلت أغباش الظلمات، فعادت الأهواء تنشئ بدعًا، وتضيِّق سبيلًا ما زال متسعًا، ففرَّق الأكثرون دينهم وكانوا شيعًا، ونهض إبليس يلبس ويزخرف ويفرق ويؤلف، وإنما يصح له التلصص في ليل الجهل، فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح.
فرأيت أن أحذِّر من مكايده، وأدل على مصايده، فإن في تعريف الشر تحذيرًا من الوقوع فيه، ففي الصحيحين من حديث حذيفة قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني" (^٢).
وقد أخبرنا أبو البركات سعد الله بن عليّ البزاز، قال: أنا أحمد بن عليّ الطُرَيْثيثي، قال: أخبرنا هبة الله بن الحسن الطبري، قال أخبرنا محمد بن أحمد بن سهل قال: نا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: نا بشر بن موسى، قال: حدثنا عبيد بن يعيش، قال: نا يونس بن بكير، قال: نا محمد بن إسحاق، عن الحسن أو الحسين بن
_________________
(١) جردًا: أي فضاء لا نبت فيه. انظر: القاموس المحيط (جرد)، واللسان (جرد).
(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٦١٥، ٦١٦، رقم: ٣٦٠٦، ٣٦٠٧)، و(١٣/ ٣٥، رقم: ٧٠٨٤)، ومسلم (٣/ ١٤٧٥ رقم: ١٨٤٧)، وأبو داود (٤/ ٤٤٤، ٤٤٦، ٤٤٧ رقم: ٤٢٤٤، ٤٢٤٥، ٤٢٤٦)، وأحمد في مسنده (٥/ ٤٠٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١١٣).
[ ٨١ ]
عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدًا أحب إلى الشيطان هلاكًا مني". فقيل: وكيف؟ فقال: "والله إنه ليُحْدِث البدعة في مشرقٍ أو مغربٍ، فيحملها الرجل إليَّ، فإذا انتهت إليَّ قمعتها بالسنة، فترد عليه كما أخرجها (^١) ".