ففتنة القبور من أعظم ما كاد به إبليسُ بني آدم؛ إذ سوّل لهم الغلوّ في القبور بدعاء الموتى، والطواف حول قبورهم، فهوَوْا في دركات الشرك؛ ولهذا لَعن رسول الله ﷺ وهو في نزعات الموت -بأبي هو وأمِّي! - اليهود والنصارى (^٣)؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، والغاية من ذلك هي: التحذير من صنيعهم.
_________________
(١) زاد المسير (٦/ ٤٥٤).
(٢) زاد المسير (٥/ ٣٤٦).
(٣) أخرجه البخاري في الصلاة (١/ ٥٣٢) برقم (٤٣٥ - ٤٣٦)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٧٧) برقم (٥٣١) من حديث عائشة وابن عباس.
[ ١٨ ]
قال ابن الجوزي ﵀: "وأمّا نهيُه عن اتخاذ القبور مساجد فلئلا تُعظَّم؛ لأن الصلاة عند الشيء تعظيم له، وقد أغرب أهل زماننا بالصلوات عند قبر معروف (^١) وغيره؛ وذلك لغلبة الجهل وملكة العادات" (^٢).
وقال ﵀: "أصل عبادة الأوثان والأصنام من تعظيم قبور الأولياء والصالحين؛ ولهذا نهى الشارع ﷺ عن تعظيم القبور والصلاة عندها والعكوف عليها؛ فإن ذلك هو الذي أوقع الأمم الماضية في الشرك الأكبر.
ولهذا نجد أيضًا في هذا الزمان أقوامًا من الضُّلال الذين استحوذ عليهم الشيطان يتضرعون عند القبور، وعند سماع ذكر مشايخهم ويخشعون عندها، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد ولا في السَّحَر، ومنهم من يسجد للقبر، فهذا هو الشرك بالله نعوذ بالله! " (^٣).