لا شكَّ أن ابن الجوزي ﵀ يُعدّ من أقدم وأشهر نُقّاد مذهب التصوف، وكتابه "تلبيس إبليس" خير شاهد على ذلك؛ إذ خصّص أكثر من نصف الكتاب لنقد هذا المذهب المبتدع، كما لم تخل بعض كتبه الأخرى من ذكر لذلك المذهب.
وقد سار فإنقد هذه الطائفة على النحو التالي:
- ذكر نسبة الصوفية.
- التركيز على الفرق بين الزهد الشرعي وبين التصوف وغلوه.
- ذكر ما آل إليه التصوف من العقائد المنحرفة الإلحادية، كالقول بالحلول والاتحاد.
- نقد مسالك الصوفية في ترك كثير من الواجبات والمباحات تزهّدًا، فتركوا العلم ونفّروا عنه، وتركوا الجماعات في المساجد، إذ استبدلوا المساجد بالأربطة التي كانت مرتعًا للبطالة والكسل، كما تركوا النكاح، ولبسوا المرقعات …
- نقد انحرافهم في عقيدة التوكل؛ إذ فهموها على أنها ترك الأسباب بالكلية.
_________________
(١) درء اللوم والضيم في صوم يوم الغيم (ص ٤٥ - ٤٦). وانظر: صيد الخاطر (ص ٣٠٢).
(٢) المنتظم (١٦/ ١٤٨).
(٣) المنتظم (١٥/ ٣٣٨).
[ ٤٣ ]
وغير هذا كثير، ويكفي في معرفة موقف ابن الجوزي ﵀ من التصوف: أنه تصدى لهذا المذهب وهو في أوج قوّته وانتشاره في بغداد خاصة.
كما انتقد أشهر المؤلفين المتصوفة وأهم مؤلفاتهم (^١)؛ ومنها: اللمع للطوسي، والرسالة للقشيري، وقوت القلوب للمكي، وإحياء علوم الدين للغزالي، والحلية لأبي نُعيم، والصفوة للمقدسي.
وختامًا لعلّي أكون بهذا العرض قد قدّمت سورة واضحة لمعتقد الإمام ابن الجوزي ﵀ الذي حرص فيه على الالتزام بنصوص الكتاب والسنة، وما وقع فيه من خطأكما في باب صفات الله تعالى ومسألة التبرك بالقبور، فقد بينتُ خطأه والأسباب التي أوقعته في ذلك، كما نقلت بعض أقوال أهل العلم في الردّ عليه.
وفي أمثال ابن الجوزي ﵀ يقول الإمام ابن القيم ﵀: "من يعلم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلّة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتّبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين" (^٢).
ويقول الإمام الذهبي ﵀: "إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعُلم تحرّيه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه؛ يغفر زلله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه. نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك" (^٣).
_________________
(١) انظر: (ص ٤١٦).
(٢) إعلام الموقعين (٣/ ٢٨٣).
(٣) سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٧٩).
[ ٤٤ ]