قال الشيخ أبو الفرج ﵀ عليه: اعلم أن الآدمي لما خلق ركب فيه الهوى والشهوة ليجتلب بذلك ما ينفعه. ووضع الغضب ليدفع به ما يؤذيه وأعطى العقل كالمؤدب يأمره بالعدل فيما يجتلب ويجتنب وخلق الشيطان محرضا له على الإسراف في اجتلابه واجتنابه. فالواجب على العاقل أن بأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان (١) عداوته من زمن آدم ﵊، وقد بذل عمره ونفسه في فساد أحوال بني آدم. وقد أمر الله تعالى بالحذر منه فقال ﷾: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ (البقرة: ١٦٩ - ١٢٨) وقال تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ (البقرة: ٢٦٨) وقال تعالى: ﴿ويريد الشيطان أن يضلكم ضلالا بعيدا﴾ (النساء: ٦٠) وقال: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ (المائدة: ٩١) وقال تعالى: ﴿أنه عدو مضل مبين﴾ (القصص: ١٥) وقال: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ (فاطر: ٦) وقال تعالى: ﴿ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ (لقمان: ٣٣) وقال تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ (يس: ٦٠) وفي القرآن من هذا كثير.
(فصل)
قال الشيخ أبو الفرج ﵀: وينبغي أن تعلم أن ابليس الذي شغله التلبيس أول ما التبس عليه الأمر فأعرض عن النص الصريح على السجود، فأخذ يفاضل بين الأصول فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين. ثم أردف ذلك بالاعتراض على الملك الحكيم، فقال: ﴿أرأيتك هذا الذي كرمت علي﴾ (الاسراء: ٦٢). والمعنى أخبرني لم كرمته علي؟ غرر ذلك الاعتراض أن الذي فعلته ليس بحكمة. ثم أتبع ذلك بالكبر فقال: ﴿أنا خير منه﴾، ثم امتنع عن السجود فأهان نفسه التي أراد تعظيمها باللعنة والعقاب.
فمتى سول للإنسان أمرا فينبغي أن يحذر منه أشد الحذر، وليقل له حين أمره إياه بالسوء: إنما تريد بما تأمر به نصحي ببلوغي شهوتي. وكيف
_________________
(١) ١) أبان: (١)
[ ٣٥ ]
يتضح صواب النصح للغير لمن لا ينصح نفسه. ثم كيف أثق بنصيحة عدو فانصرف فما في لقولك منفذ، فلا يبقى إلا أنه يستعين بالنفس لأنه يحث على هواها، فليستحضر العقل إلى بيت الفكر في عواقب الذنب لعل مدد توفيق يبعث جند عزيمته فيهزم عسكر الهوى والنفس.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، نا عاصم بن الحسن، نا أبو عمر بن مهدي ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا زكريا بن يحي، ثنا شامة بن سوار، ثني المغيرة، عن مطرف بن الشخير، عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس إن الله تعالى أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، إن كل مال نحلته عبدي فهو له حلال. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم. وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. وإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب».
أخبرنا ابن الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا يحي بن سعيد، ثنا هشام، ثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار، أن النبي ﷺ خطب ذات يوم فقال في خطبته: «إن ربي …» إلى آخر الحديث المتقدم (^١).
أخبرنا ابن الحصين، نا ابن الذهب، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد انك بن أحمد، ثني أبي، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن ابر ابن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: إن ابليس يضع عرشه على الماء ثم بعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه - أو قال: فيلتزمه - ويقول: نعم أنت» (^١). وبه قال أحمد.
وحدثنا أبو نعيم، ثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر ﵁ يرفعه، قال: «إن إبليس قد يئس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش (^٢)
_________________
(١) رواه مسلم في «صحيحه».
(٢) أي يسعى بينهم بالخصومات والشحناء والفتن.
[ ٣٦ ]
بينهم:. قال: المصنف: انفرد به البخاري، والذي قبله مسلم وفي لفظ حديثه (^١)،: «قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب».
أنبأنا إسماعيل السمرقندي، نا عاصم بن الحسن، نا ابن بشران، نا ابن صفوان، نا أبو بكر العرشي، ثني الحسين بن السكن، ثنا المعلى بن أسد، ثنى عدي بن أبي عمارة، ثنا زياد النميري، عن أنس بن مالك ﵁ يرفعه. قال: «إن الشيطان واضع خطمه (^٢) على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي الله التقم قلبه» (^٣).
أخبرنا محمد بن أبي منصور، نا عبد القادر، نا الحسن بن علي التميمي، نا أبو بكر ابن ملك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا عبد الرحمن، عن حماد ابن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود ﵁. قال: «إن الشيطان طاف بأهل مجلس الذكر ليفتنهم فلم يستطع أن يفرق بينهم، فأتى حلقة يذكرون الدنيا فأغرى بينهم حتى اقتتلوا، فقام أهل الذكر فحجزوا بينهم فتفرقوا» قال عبد الله: وحدثني علي بن مسلم، ثنا سيار، ثنا حبان الحريري، ثنا سويد القناوي، عن قتادة ﵁. قال: «ان لابليس شيطانا يقال له قبقب يجمه (^٤) أربعين سنة فإذا دخل الغلام في هذا الطريق قال له: دونك إنما كنت أجمك لمثل هذا أجلب عليه وأفتنه».
قال سيار: وحدثنا جعفر، ثنا ثابت البناني ﵁. قال: بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا ﵉ فرأى عليه معاليق (^٥) من كل شيء. فقال يحيى: يا إبليس ما هذه المعاليق التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهوات التي أصيد بهن ابن آدم، قال: فهل لي فيها من شيء؟: قال: ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وثقلناك عن الذكر. قال: فهل غير لك؟ قال: لا والله. قال لله علي أن لا أملأ بطني من طعام أبدا. قال ابليس: ولله على أن .. أنصح مسلما أبدا. قال عبد الله بن أحمد: ثنا
_________________
(١) أي حديث مسلم ولم يخرجه البخاري.
(٢) الخطم من كل طائر منقاره ومن كل دابة مقدم الانف والفم.
(٣) وعدي بن أبي عمارة ضعيف كما قال الهيثمي.
(٤) أي يتركه حتى يستريح ويقوى.
(٥) المعلاق: كل ما يعلق به.
[ ٣٧ ]
أبي، ثنا وكيع، ثنا الاعمش، عن خيثمة، عن الحارث بن قيس ﵁ قال: «إذا أتاك الشيطان وأنت تصلي فقال انك ترائي فزدها طولا».
أنبأنا إسماعيل السمرقندي، نا عاصم بن الحسن، نا علي بن محمد، نا أبو علي بن صفوان، نا أبو بكر بن عبيد، نا عبد الرحمن بن يونس، نا سفيان بن عيينة. قال: سمع عمرو بن دينار عروة بن عامر، سمع عبيد ابن رفاعة يبلغ به النبي ﷺ يقول «كان راهب في بني إسرائيل، فأخذ الشيطان جارية فخنقها، وألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب. فأتى بها الراهب فأبى أن يقبلها، فما زانوا به حتى قبلها فكانت عنده، فأتاه الشيطان فسول له إيقاع الفعل بها فأحبلها - ثم أتاه فقال له: الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها، فإن أتوك فقل: ماتت فقتلها ودفنها فأتى الشيطان أهلها فوسوس لهم وألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها ودفنها فأتاه أهلها يسألونه عنها. فقال: ماتت فأخذوه فأتاه الشيطان. فقال: أنا الذي ضربتها وخنقتها، وأنا الذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الذي أوقعتك في هذا فأطعني تنج، اسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فهو الذي قال ﷿: ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال انى برئ منك اني اخاف الله رب العالمين﴾» (الحشر: ١٦) (^١).
وقد روي هذا الحديث على صفة أخر عن وهب بن منبه ﵁ «ان عابدا كان في بني اس ايل وكان من أعبد أهل زمانه وكان في مانه ثلاثة أخوة لهم أخت وكانت بكرا ليس لهم أخت غيرها. فخرج البعث على در أنتهم فلم يدروا عند من يخلفون أختهم ولا من يأمنون عليها ولا عند من يضعونها. قال: فأجمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني إسرائيل، وكان ثقة في أنفسهم، فأتوه فسألوه أن يخلفوها عنده فتكون في كنفه وجواره إلى أن يرجعوا من غزاتهم. فأبى ذلك عليهم وتعوذ بالله ﷿ منهم ومن أحتهم، قال: فلم يزالوا به حتى أطاعهم فقال: أنزلوها في بيت حذاء صومعتي قال: فأنزلوها في ذلك البيت، ثم انطلقوا وتركوها، فمكثت في جوار ذلك العابد زمانا ينزل إليها بالطعام من صومعته فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد إلى صومعته، ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام، قال: فتلطف له الشيطان فلم يزل يرغبه في
_________________
(١) والحديث مرسل لابن عبيد تابعي.
[ ٣٨ ]
الخير ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهارا، ويخوفه أن يراها أحد فيعلقها فلو مشيت بطعامها حتى تضعه على باب بيتها كان أعظم أجرا قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها ووضعه على باب بيتها ولم يكلمها، قال: فلبث على هذه الحالة زمانا ثم جاءه ابليس فرغبه في النير والأجر وحضه عليه، وقال: لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم لا جرك. قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بالطعام ثم وضعه في بيتها، فلبث على ذلك زمانا. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضه عليه، فقال: لو كنت تكلمها وتحدثها فتأنس بحديثك، فإنها قد استوحشت وحشة شديدة. قال: فلم يزل به حتى حدثها زمانها يطلع إليها من فوق صومعته، قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك، فقال: لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدثها وتقعد هي على باب بيتها فتحدثك كان آنس لها. فلم يزل به حتى أنزله وأجلسه على باب صومعته يحدثها وتحدثه وتخرج الجارية من بيتها حتى تقعد على باب بيتها. قال: فلبثا زمانا يتحدثان. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والثواب فيما يصنع بها، وقال: لو خرجت من باب صومعتك ثم جلست قريبا من باب بيتها فحدثتها كان آنس لها. فلم يزل به حتى فعل، قال: فلبثا زمانا. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وفيما له عند الله ﷾ من حسن الثواب فيما يصنع بها. وقال له: نو دنوت منها وجلست عند باب بيتها فحدثتها ولم تخرج من بيتها ففعل، فكان ينزل من صومعته فيقف على باب بيتها فيحدثها فلبثا على ذلك حينا. ثم جاءه إبليس فقال: لو دخلت البيت معها فحدثتها ولم تتركها تبرز وجهها لأحد كان أحسن بك. فلم يزل به حتى دخل البيت فجعل يحدانها نهارها كله فإذا مضى النهار صعد إلى صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد على فخذها وقبلها. فلم يزل به إبليس يحسنها في عينه ويسول له حتى وقع عليها فأحبلها فوالدته غلاما، فجاء إبليس فقال: أرأيت إن جاء اخوة الجارية وقد ولدت منك كي تصنع؟ لا آمن عليك أن تفتضح أو يفضحوا، فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه فإنها ستكتم ذلك عليك مخافة إخوتها أن يطلعوا على ما صنعت بها. ففعل فقال له: أتراها تكتم إخوتها ما صنعت بها وقتلت ابنها. قال: خذها واذبحها وادفنها مع ابنها، فلم يزل به حتى ذبحها وألقاها في الحفرة مع ابنها، وأطبق عليهما صخرة عظيمة وسوى عليهما وصعد إلى صومعته يتعبد فيها، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث حتى أقبل اخوتها من الغزو، فجاؤوا فسألوه عنها فنعاها لهم وترحم عليها وبكاها. وقال: كانت
[ ٣٩ ]
خير امرأة وهذا قبرها فانظروا إليه. فأتى إخوتها القبر فبكوا أختهم وترحموا عليها فأقاموا على قبرها أياما ثم انصرفوا إلى أهاليهم. فلما جن عليهم الليل وأخذوا مضاجعهم جاءهم الشيطان في النوم على صورة رجل مسافر، فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم فأخبره بقول العابد وموتها وترحمه عليها وكيف أراهم موضع قبرها فكذبه الشيطان. وقال: لم يصدقكم أمر أختكم إنه قد أحبل أختكم وولدت منه غلاما فذبحه وذبحها معه فزعا منكم وألقاهما في حفيرة احتفرها خلف باب البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله، فانطلقوا فادخلوا البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله فإنكم ستجدونهما كما أخبرتكم هناك جميعا. وأتى الأوسط في منامه فقال له مثل ذلك. ثم أتى أصغرهم، فقال له مثل ذلك. فلما استيقظ القوم أصبحوا متعجبين مما رأى كل واحد منهم. فأقبل بعضهم على بعض يقول كل واحد منهم: لقد رأيت الليلة عجبا فأخبر بعضهم بعضا بما رأى. فقال كبيرهم: هذا حلم ليس بشيء فامضوا بنا ودعوا هذا عنكم، قال أصغرهم: والله لا أمضي حتى آتي إلى هذا المكان فأنظر فيه. قال: فانطلقوا جميعا حتى أتوا البيت الذي كانت فيه أختهم، ففتحوا الباب وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين في الحفيرة، كما قيل لهم، فسألوا عنها العابد فصدق قول إبليس فيما صنع بهما. فاستعدوا عليه ملكهم فأنزل من صومعته وقدم ليصلب، فلما أوثقوه على الخشبة أتاه الشيطان، فقال له: قد علمت أني أنا صاحبك الذي فتنتك بالمرأة حتى أحبلتها وذبحتها وابنها، فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت بالله الذي خلقك وصورك خلصتك مما أنت فيه قال: فكفر العابد، فلما كفر بالله تعالى خلى الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه، قال: ففيه نزلت هذه الآية ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك … إني أخاف الله رب العالمين﴾ وقد تقدم ذكرها.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم، نا أبو بكر الآجري، ثنا عبد الله بن محمد العطيني، ثنا إبراهيم بن الجنيد، ثنى محمد بن الحسين، ثنا بشر بن محمد بن أبان، ثنى الحسن بن عبد الله بن مسلم القرشي عن وهب بن منبه ﵁. قال: كان راهب في صومعته في زمن المسيح ﵇ فأراده إبليس فلم يقدر عليه فأتاه بكل رائدة (^١) فلم يقدر عليه فأتاه متشبها بالمسيح فناداه: أيها الراهب اشرف .. علي أكلمك.
_________________
(١) أي نوع له الأساليب.
[ ٤٠ ]
قال: انطلق لشأنك فلست أرد ما مضى من عمري فقال: أشرف علي فأنا المسيح فقال: إن كنت المسيح فما لي إليك حاجة أنست قد أمرتنا بالعبادة ووعدتنا القيامة انطلق نشأنك فلا حاجة لي فيك فانطلق اللعين عنه وتركه.
أنبأنا إسماعيل بن أحمد، نا عاصم بن الحسن، نا علي بن محمد بن بشران نا أبو علي البردعي، ثنا أبو بكر القرشي، ثنا أبو عبد الله محمد بن موسى الحرشي، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا عمرو بن دينار، ثنا سالم بن عبد الله ﵁، عن أبيه، قال: لما ركب نوح ﵇ في السفينة رأى فيها شيخا لم يعرفه، فقال له نوح: ما أدخلك؟ قال: دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك، فقال له نوح ﵇: اخرج يا عدو الله، فقال إبليس: خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهن بثلاث ولا أحدثك بالاثنتين، فأوحى الله ﵎ إلى نوح ﵊ أنه لا حاجة لك إلى الثلاث مره يحدثك بالاثنتين، فقال: بهما أهلك الناس وهما لا يكذبان الحسد (^١) والحرص (^٢) فبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما، وبالحرص أبيح لآدم الجنة كلها فأصبت حاجتي منه فأخرج من الجنة. قال: ولقى إبليس موسى ﵇، فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلمك تكليما، وأنا من خلق الله تعالى أذنبت وأريد أن أنوب فاشفع لي إلى ربي ﷿ أن يتوب علي فدعا موسى ربه، فقيل: يا موسى قد قضيت حاجتك، فلقي موسى إبليس، فقال له: قد أمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك فاستكبر وغضب، وقال: لم أسجد له حيا أأسجد نه ميتا ثم قال إبليس: يا موسى إن لك علي حقا بما شفعت إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلك فيهن، اذكرني حين تغضب فأنا وحي في قلبك وعيني في عينك، وأجري منك مجرى الدم. واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف فأذكره وله وزوجته وأهله حتى يولي. وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها.
قال القرشي: وحدثنا أبو حفص الصفار، ثنا جعفر ابن سليمان، ثنا شعبة عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب ﵁، قال «ما بعث الله نبيا إلا لم يأمن ابليس أن هلكه بالنساء». قال القرشي: وثنى القاسم بن هاشم عن ابراهيم بن الاشعث، عن فضيل بن عياض، قال: حدثني بعض
_________________
(١) الحسد أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه.
(٢) الحرص شدة الارادة والشره الى المطلوب
[ ٤١ ]
أشياخنا أن إبليس لعنه الله جاء إلى موسى ﵊ وهو يناجي ربه تعالى، فقال له الملك: ويلك ما ترجو منه وهو على هذه الحالة يناجي ربه. قال: أرجو منه ما رجوت من أبيه آدم وهو في الجنة. قال القرشي: وثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، ثنا فرج ابن فضالة، عن عبد الرحمن بن زياد ﵁ قال: بينما موسى ﵇ جانس في بعض مجالسه اذا أقبل إبليس وعليه برنس (^١) له يتلون فيه ألوانا فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه ثم أتاه وقال له: السلام عليك يا موسى. فقال له موسى ﵇ من أنت؟ قال: أنا إبليس. قال: فلا حياك الله، ما جاء بك؟ قال: جئت لأسلم عليك لمنزلتك عند الله تعالى ومكانك منه، قال: فما الذي رأيته عليك؟ قال: به أختطف قلوب بني آدم. قال: فما الذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه، قال: إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأحذرك ثلاثا:
لا تخلون بامرأة لا تحل لك قط، فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها.
ولا تعاهد الله عهدا إلا وفيت به، فإنه ما عاهد الله أحد إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء به. ولا تخرجن صدقة إلا أمضيتها، فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين إخراجها. ثم ولى وهو يقول: يا ويله ثلاثا علم موسى ما يحذر به بني آدم.
قال القرشي: وحدثني محمد بن إدريس، ثنا أحمد بن يونس، ثنا حسن ابن صالح، قال: سمعت أن الشيطان قال للمرأة: أنت نصف جندي وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ، وأنت موضع سري، وأنت رسولي في حاجتي.
قال القرشي: وحدثنا اسحاق ابن إبراهيم، ثني هشام بن يوسف بن عقيل بن معقل ابن أخي وهب بن منبه قال: سمعت وهبا يقول: قال راهب للشيطان وقد بدا له: أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم؟ قال الحدة (^٢) إن العبد إذا كان حديدا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة.
_________________
(١) البرنس: هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو غيرهما.
(٢) الحدة ما يعتري الانسان من الغضب.
[ ٤٢ ]
قال القرشي: وحدثنا سعيد بن سليمان الواسطي عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت ﵁، قال: لما بعث النبي ﷺ جعل إبليس لعنه الله يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي ﷺ فيجيئون إليه بصحفهم ليس فيها شيء فيقول لهم: مالكم لا تصيبون منهم شيئا فقالوا: ما صحبنا صبحنا قوما مثل هؤلاء، فقال: رويدا بهم فعسى أن تفتح لهم الدنيا هنالك تصيبون حاجتكم منهم.
قال القرشي: وأخبرنا أحمد بن جميل المروزي، نا ابن المبارك، نا سفيان عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى قال: إذا أصبح إبليس بث جنوده في الأرض، فيقول: من أضل مسلما ألبسته التاج. فيقول له القائل: لم أزل بفلان حتى طلق امرأته، قال: يوشك أن يتزوج. ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى عق قال: يوشك أن يبر. ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى زنى. قال: أنت. ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى شرب الخمر، قال: أنت. قال: ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى قتل فيقول: أنت أنت.
قال القرشي: وسمعت سعيد بن سليمان يحدث عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: كانت شجرة تعبد من دون الله فجاء اليها رجل، فقال: لا قطعن هذه الشجرة فجاء ليقطعها غضبا لله، فلقيه إبليس في صورة إنسان، فقال: ما تريد؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله، قال: إذا أنت لم تعبدها فما يضرك من عبدها؟ قال: لا قطعنها. فقال له الشيطان: هل لك فيما هو خير لك لا تقطعها ولك ديناران كل يوم إذا أصبحت عند وسادتك. قال: فمن أين لي ذلك؟ قال: أنا لك. فرجع فأصبح فوجد دينارين عند وسادته ثم أصبح بعد ذلك فلم يجد شيئا، فقام غضبا ليقطعها فتمثل له الشيطان في صورته، وقال: ما تريد؟ قال: أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دور الله تعالى قال: كذبت مالك إلى ذلك من سبيل، فذهب ليقطعها فضرب به الأرض وخنقه حتى كاد يقتله، قال: أتدري من أنا؟ أنا الشيطان جئت أول مرة غضاب لله فلم يكن لي عليك سبيل، فخدعتك بالدينارين فتركتها، فلما جئت غضبا للدينارين سلطت عليك
قال القرشي: وحدثنا بشر بن الوليد الكندي، ثنا محمد بن طلحة، عن زيد بن مجاهد، قال: لإبليس خمسة من ولده قد جعل كل واحد منهم على شيء من أمره. ثم سماهم: فذكر ثبر، والأعور، ومسوط، وداسم، وزكنبورة
[ ٤٣ ]
فأما ثبر فهو صاحب المصيبات الذي يأمر بالثبورة وشق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية. وأما الأعور فهو صاحب الزنا الذي يأمر به ويزينه. وأما مسوط فهو صاحب الكذب الذي يسمع فيلقى الرجل فيخبره بالخبر فيذهب الرجل إلى القوم، فيقول لهم: قد رأيت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما أسمه حدثني بكذا وكذا. وأما داسم فهو الذي يدخل مع الرجل إلى أهله يريه العيب فيهم ويغضبه عليهم. وأما زكنبور فهو صاحب السوق الذي يركز رايته في السوق.
أخبرنا محمد بن القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا سنيد عن مخلد بن الحسين، قال: ما ندب الله العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر إما غلو فيه وإما تقصير عنه. وبالاسناد قال محمد بن إسحاق: وثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل سمعت حياة بن شراحيل يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: ان ابليس موثق في الأرض السفلى فإذا هو تحرك كان كل شر في الأرض بين اثنين فصاعدا من تحركه.
قال الشيخ أبو الفرج ﵀: قلت: وفتن الشيطان ومكايده كثيرة وسيأتي في غضون هذا الكتاب، منها ما يليق بكل موضع منه إن شاء الله تعالى، ولكثرة فتن الشيطان وتشبثها بالقلوب عزت السلامة. فإن من يدع إلى ما يحث عليه الطبع كمداد سفينة منحدرة فيا سرعة انحدارها، ولما ركب الهوى في هاروت وماروت لم يستمسكا فإذا رأت الملائكة مؤمنا قد مات على الإيمان تعجبت من سلامته.
وأخبرنا محمد بن أبي منصور، نا جعفر بن أحمد نا الحسن بن علي التميمي، ثنا أبو بكر بن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد، ثن ابن سريج قال: ثنا عتبة بن عبد الواحد، عن مالك بن مغول عن عبد العزيز بن رفيع، قال: إذا عرج بروح المؤمن الى السماء، قالت الملائكة: سبحان الله الذي نجى هذا العبد من الشيطان يا ويحه كيف نجا.