منهم من يلبس عليه في النية فتراه يقول: أرفع الحدث. ثم يقول:
_________________
(١) سارق النظر اليه: ترقب غفلة منه لينظر اليه.
[ ١٤٩ ]
أستبيح الصلاة ثم يعيد فيقول: أرفع الحدث. وسبب هذا التلبيس الجهل بالشرع لأن النية بالقلب لا باللفظ، فتكلف اللفظ امر لا يحتاج إليه ثم لا معنى لتكرار اللفظ. ومنهم من يلبس عليه بالنظر في الماء المتوضأ به فيقول: من أين لك أنه طاهر ويقدر له فيه كل احتمال بعيد. وفتوى الشرع يكفيه بأن أصل الماء الطهارة فلا يترك الأصل بالاحتمال. ومنهم من يلبس عليه بكثرة استعمال الماء وذلك يجمع أربعة أشياء مكروهة: الإسراف في الماء، وتضييع العمر القيم فيما ليس بواجب ولا مندوب، والتعاطي (^١) على الشريعة إذا لم يقنع بما قنعت به من استعمال الماء القليل. والدخول فيما نهت عنه من الزيادة على الثلاث، وربما أطال الوضوء ففات وقت الصلاة أو فات أوله وهو الفضيلة أو فاتته الجماعة.
وتلبس إبليس على هذا: بأنك في عبادة ما لم تصح لا تصح الصلاة، ولو تدبر أمره لعلم أنه في مخالفة وتفريط، وقد رأينا من ينظر في هذه الوساوس ولا يبالي بمطعمه ومشربه ولا يحفظ لسانه من غيبة فليته قلب الأمر، وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أفي الوضوء سرف، قال: نعم وإن كنت على نهر جار (^٢)» وفي الحديث عن أبي عن النبي ﷺ، قال: «للوضوء شيطان يقال له: الولهان، فاتقوه، أو قال: فاحذروه (^٣)». وعن الحسن ﵁ قال: شيطان الوضوء يدعى الولهان يضحك بالناس في الوضوء. وبإسناد مرفوع إلى أبي نعامة إن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك الفردوس وأسألك، فقال عبد الله: سل الجنة وتعوذ به من النار، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور (^٤)»، وعن ابن شوذب، قال: كان الحسن يعرض بابن سيرين يقول: يتوضأ أحدهم بقربة ويغتسل بمزادة صباصبا، ودلكا دلكا، تعذيبا لأنفسهم، وخلافا لسنة نبيهم ﷺ. وكان أبو الوفاء بن عقيل يقول: أجل محصول عند العقلاء الوقت، وأقل متعبد به الماء. وقد قال
_________________
(١) تعاطى الامر: خاض فيه. وتعاطينا فعطوته: تغالبنا في العطاء فغلبته.
(٢) رواه احمد وابن ماجه وفي سنده ضعف.
(٣) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم، وفيه خارجة بن صعب.
(٤) رواه احمد وابو داود وابن ماجه. قال الحافظ ابن حجر: وهو صحيح.
[ ١٥٠ ]
ﷺ: «صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء (^١)» وقال في المني: «أمطه عنك بأذخرة (^٢)» قال: وفي الحذاء طهوره بأن يدلك بالأرض (^٣)، وفي ذيل المرأة يطهره ما بعده (^٤)، وقال: يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام (^٥). وكان يحمل بنت أبي العاص بن الربيع في الصلاة (^٦) ونهى الراعي عن إعلام السائل له عن الماء وما يرده (^٧). وقال: «ما ابقت لنا طهور». وقال: يا صاحب الماء لا تخبره. وقد صالح رسول الله ﷺ الأعراب. وركب الحمار معروريا (^٨). وما عرف من خلقه التعبد بكثر الماء. وتوضأ من سقاية (^٩) المسجد. ومعلوم حال
_________________
(١) رواه الجماعة الا مسلما عن أبي هريرة قال: قام اعرابي قبال في المسجد، فقام اليه الناس ليقعوا به، فقال النبي (ص): «دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء، فانما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». والذنوب: الدلو لها ذنب.
(٢) رواه الدارقطني والبيهقي والطحاوي عن ابن عباس. وقد اختلف في رفعه ووقفه. والاذخر نبات طيب الرائحة.
(٣) يشير الى ما رواه احمد وأبو داود عن ابي سعيد مرفوعا: اذا جاء احدكم المسجد فليقلب نعليه فلينظر فيهما، فإن رأى خبثا فليمسحه بالارض ثم ليصل فيهما، ورواه ايضا الحاكم وابن ماجه وابن خزيمة وصححه.
(٤) رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة ومالك والدارمي عن ام سلمة ان امرأة سألتها فقالت: اني أمة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر فقالت أم سلمة: قال رسول الله (ص): «يطهره ما بعده».
(٥) وضعف الحديث بسبب جهالة المرأة وهي أم ولد لابرهيم بن عبد الرحمن بن عوف. رواه احمد واصحاب السنن الا النسائي قال الحافظ في «الفتح» اسناده صحيح. ولفظه عند احمد: «بول الغلام ينضح عليه وبول الجارية يغسل».
(٦) متفق عليه من حديث ابي قتاده أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل امامة بنت زينب بنب رسول الله ﷺ فاذا سجد وضعها، واذا قام حملها. وأخرجه ابو داود والنسائي.
(٧) يشير الى ما رواه الدارقطني عن ابن عمر قال: خرج رسول الله (ص) في بعض أسفاره ليلا فمروا على رجل جالس عند مقراة له فقال عمر: أولغت السباع عليك الليلة في مقراتك؟ فقال النبي ﷺ: «يا صاحب المقراة لا تخبره هذا متكلف، لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور». والمقراة: الحوض الذي يجتمع فيه الماء. وفي الباب ما يقوي الحديث.
(٨) اعرورى الفرس: ركبه عريانا اي دون سرج.
(٩) السقاية: الاناء يسقى به امر مائيين لجمع الماء.
[ ١٥١ ]
الأعراب الذين يأتي أحدهم من البادية كأنه بهيمة، أو ما سمعت أن أحدهم أقدم على البول في المسجد كل ذلك لتعليمنا وإعلامنا أن الماء على أصل الطهارة، وتوضأ من غدير كأن ماءه نقاعة الحناء (^١)، فأما قوله: استنزهوا من البول (^٢)، فان للتنزه حدا معلوما وهو أن لا يغفل عن محل قد أصابه حتى يتبعه الماء، فاما الاستئثار فانه إذا علق (^٣) نما وانقطع الوقت بما لا يقضي بمثله الشرع.
قال المصنف: وكان أسود بن سالم وهو من كبار الصالحين يستعمل ماءا كثيرا في وضوئه ثم ترك ذلك، فسأله رجل عن سبب تركه، فقال: نمت ليلة فإذا بهاتف يهتف بي يا أسود ما هذا. يحيى بن سعيد الأنصاري حدثني عن سعيد بن المسيب. قال: إذا جاوز الوضوء ثلاثا لم يرفع إلى السماء، قال: إذا جاوز الوضوء ثلاثا لم يرفع إلى السماء، قال: قلت: لا أعود لا أعود، فأنا اليوم يكفيني كف من ماء.