في الآثار من ان ارواح المؤمنين تجعل في حواصل طير تأكل من شجر (^١) الجنة لسلموا، لكنهم أضافوا ذلك إلى الجسد.
قال ابن عقيل: ولهذا المذهب مرض يضاهي الاستشعار الواقع للجاهلية وما كانوا يقولونه في الهام (^٢) والصدى (^٣) والمالكة لهؤلاء ينبغي أن تكون على سبيل المداراة لاستشعارهم لا على وجه المناظرة فإن المقاومة تفسدهم. وإنما لبس إبليس على هؤلاء لتركهم البحث عن التأويل المطابق لأدلة الشرع والعقل فإنه لما ورد النعيم والعذاب للميت علم أن الإضافة حصلت إلى الأجساد والقبور تعريفا كأنأه يقول صاحب هذا القبر الروح التي كانت في هذا الجسد منعمة بنعيم الجنة معذبة بعذاب النار.
فصل
قال المصنف: فان قال قائل: قد عبت طريق المقلدين في الأصول وطريق المتكلمين فما الطريق السليم من تلبيس إبليس؟ فالجواب أنه ما كان عليه رسول الله ﵌ وأصحابه وتابعوهم بإحسان من إثبات الخالق سبحانه وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات والأخبار من غير تفسير ولا بحث عما ليس في قوة البشر إدراكه، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق. قال علي كرم الله وجهه: والله ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن وانه المسموع نقوله ﷿: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ (التوبة: ٦) وأنه في المصاحف لقوله ﷿: «في رق منشور» (الطور: ٣) ولا نتعدى مضمون الآيات ولا نتكلم في ذلك برأينا وقد كان أحمد بن حنبل ينهي أن يقول الرجل: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق لئلا يخرج عن الاتباع للسلف إلى حدث.
والعجب ممن يدعي اتباع هذا الإمام ثم يتكلم في المسائل المحدثة.
_________________
(١) رواه الترمذي والطبراني عن كعب بن مالك ولفظه: «ان ارواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمر الجنة» .. أي تأكل. قال الهيثمي وفيه محمد بن اسحق وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) جمع هامة وهي الجثة.
(٣) الصدى: جسد الانسان بعد موته.
[ ٩٧ ]
أخبرنا سعد الله بن علي البزار، نا أبو بكر الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسن الطبري، نا أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه، نا عمر بن أحمد الواعظ، ثنا محمد بن هارون الحضرمي، ثنا القاسم بن العباس الشيباني، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من قال القرآن مخلوق فهو كافر. وقال مالك بن أنس: من قال القرآن مخلوق فيستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
أخبرنا أبو البركات بن علي البزار، نا أحمد بن علي الريثيثي، نا هبة الله الطبري، ثنا محمد بن أحمد بن القاسم، ثنا أحمد بن عثمان، ثنا محمد بن ماهان، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن جعفر بن برقان أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل: وسأله عن الأهواء فقال: عليك بدين الصبي في الكتاب والإعرابي (^١) وإله عما سواهما. قال ابن مهدي: وثنا عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي، قال: قال: عمر بن عبد العزيز: إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة.
أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمد بن أحمد ابن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا خلاد بن يحيى، عن سفيان الثوري، قال: بلغني عن عمر أنه كتب إلى بعض عماله أوصيك بتقوى الله ﷿، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون بعده بما قد كفوا مؤنته. واعلم أن من سن السنن قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والتعمق فإن السابقين الماضين عن علم توقفوا وتبصر ناقد كفوا. وفي رواية أخرى عن عمر: وأنهم كانوا على كشف الأمور أقوى وما أحدث إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم، لقد قصر دونهم أقوام فخفوه (^٢) وطمح عنهم آخرون فعلوه (^٣).
أخبرنا محمد بن أبي القاسم، نا أحمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا بشر بن موسى، ثنا عبد الصمد بن حسان، قال: سمعت سفيان الثوري يقول: عليكم بما عليه الحمالون والنساء في البيوت والصبيان في الكتاب من الإقراء والعمل.
_________________
(١) لها عن الشيء: ترك ذكره وسلا عنه.
(٢) خفى الشيء: ستره وأظهره وهو من الاضهراد.
(٣) من علا يعلو إذا ارتفع. وعلت العين عن فلان: نبت.
[ ٩٨ ]
قال المصنف: فإن قال قائل هذا مقام عجز لا مقام الرجال فقد أسلفنا جواب هذا. وقلنا: إن الوقوف على العمل ضرورة لأن بلوغ ما يشفي العقل من التعليل لم يدركه من غاص من المتكلمين في البحار، فلذلك أمروا بالوقوف على الساحل كما ذكرنا عنهم.