دماغه، ثم يذكر له حينئذ ما تم على أهل بيت المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعليهم من الظلم والعدوان حتى يستقر ذلك في نفسه، ثم يقول: إذا كانت الأزارقة والخوارج سمحوا بنفوسهم في قتال بني أمية فما سبب بخلك بنفسك في نصرة إمامك فيتركه بهذه المقالة طعمة للسيف وكان ملك شاه قد أرسل الى ابن الصباح هذا يدعوه إلى الطاعة ويتهدده أن خالفه، ويأمره بالكف عن بث أصحابه لقتل العلماء والأمراء، فقال في جواب الرسالة والرسول حاضر: الجواب ما تراه، ثم قال لجماعة وقوف بين يديه: أريد أن أنفذكم إلى مولاكم في حاجة، فمن ينهض لها فاشرأب كل منهم لذلك، فظن رسول السلطان أنها رسالة يحملها إياهم، فأومأ إلى شاب منهم فقال له: اقتل نفسك فجذب سكينا وضرب بها غلصمته (^١) فخر ميتا. وقال لآخر: إرم نفسك من القلعة فألقى نفسه فتمزق، ثم التفت إلى رسول السلطان، فقال: أخبره أن عندي من هؤلاء عشرين ألفا، هذا حد طاعتهم لي وهذا هو الجواب، فعاد الرسول الى السلطان ملك شاه فأخبره بما رأى، فعجب من ذلك وترك كلامهم وصارت بأيديهم قلاع كثيرة ثم قتلوا جماعة من الأمراء والوزراء.
قال المصنف: وقد ذكرنا من صفة القوم في التاريخ أحوالا عجيبة فلم نر التطويل بها هنا.
فصل
وكم من زنديق في قلبه حقد على الإسلام خرج فبالغ واجتهد فزخرف دعاوي يلقي بها من يصحبه، وكان غور مقصده في الاعتقاد الانسلال من ربقة الدين. وفي العمل نيل الملذات واستباحة المحظورات، فمنهم بابك الخرمي حصل له مقصوده من اللذات، ولكن بعد أن قتل الناس وبالغ في الأذى ثم القرامطة وصاحب الزنج الذي خرج فاستغوى المماليك السودان ووعدهم الملك، فنهب وفتك وقتل وبالغ وكانت عواقبهم في الدنيا أقبح العواقب، فما وفي ما نالوا بما نيل منهم (^٢). ومنهم من لم يبرح على تعثيره (^٣) ففاتته الدنيا والآخرة مثل ابن الراوندي والمعري.
أنبأنا محمد بن أبي طاهر عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي.
_________________
(١) الغلصمة رأس الحلقوم وهو الموضع الناتئ في الحلق، والجمع غلاصم.
(٢) أي خسروا أكثر مما ربحوا.
(٣) من العثار وهو السقوط.
[ ١٢٠ ]
عن أبيه، قال: كان ابن الراوندي ملازم الرافضة وأهل الإلحاد فإذا عوتب قال: إنما أريد أن أعرف مذاهبهم، ثم كاشف وناظر.
قال المصنف: من تأمل حال (^١) ابن الراوندي وجده من كبار الملاحدة، وصنف كتابا سماه «الدامغ» زعم أنه يدمغ به هذه الشريعة، فسبحان من دمغه فأخذه وهو في شرخ الشباب، وكان يعترض على القرآن ويدعي عليه التناقض وعدم الفصاحة، وهو يعلم أن فصحاء العرب تحيرت عند سماعه فكيف بالألكن (^٢). وأما أبو العلاء المعري فأشعاره ظاهرة الإلحاد، وكان يبالغ في عداوة الأنبياء ولم يزل متخبطا في تعثيره خائفا من القتل إلى أن مات بخسرانه. وما خلا زمان من خلف للفريقين إلا أن جمرة المنبسطين قد خبت بحمد الله. فليس إلا باطني مستتر ومتفلسف متكاتم هو أعثر الناس وأخسأهم قدرا. وأردأهم عيشا. وقد شرحنا أحوال جماعة من الفريقين في التاريخ فلم نر التطويل بذلك، والله الموفق.
_________________
(١) ومن تتبع شعر أبي العلاء المعري وسيرة ابن الراوندي علم أنهما على جانب عظيم من الإلحاد والزندقة إلا أن المعري يتستر كثيرا بخلاف ابن الرواندي.
(٢) العيي، الثقيل اللسان.
[ ١٢١ ]