قال المصنف: قد لبس إبليس على خلق كثير فخرجوا إلى الجهاد ونيتهم المباهاة والرياء ليقال فلان غاز وربما كان المقصود أن يقال شجاع أو كان طلب الغنيمة وإنما الأعمال بالنيات وعن أبي موسى قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أرأيت الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" أخرجاه في الصحيحين وعن ابن مسعود ﵁ قال إياكم أن تقولوا مات فلان شهيدا أو قتل فلان شهيدا فإنالرجل ليقاتل ليغنم ويقاتل ليذكر ويقاتل ليرى مكانه وبالإسناد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى قتلت قال كذبت ولكنك قاتلت ليقال هو جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها قال تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت القرآن فقال كذبت ولكنك تعلمت ليقال هو عالم فقد قيل وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه فأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها فقال ما تركت من سبيل أنت تحبه أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" انفرد بإخراجه مسلم وبإسناد مرفوع عن أبي حاتم الرازي قال سمعت عبدة بن سليمان يقول كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ثم آخر فقتله ثم آخر فطعنه فقتله ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه الرجل فقتله فازدحم الناس عليه فكنت فيمن ازدحم عليه فإذا هو ملثم وجهه بكمه فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا قلت فانظروا رحمكم الله إلى هذا السيد المخلص كيف خاف على إخلاصه برؤية الناس له ومدحهم إياه فستر نفسه وقد كان إبراهيم بن أدهم يقاتل فإذا غنموا لم يأخذ شيئا من الغنيمة ليوفر له الأجر.
[ ١٣١ ]
فصل وقد لبس إبليس على المجاهد إذا غنم فربما أخذ من الغنيمة ما ليس له أخذه فأما أن يكون قليل العلم فيرى أن أموال الكفار مباحة لمن أخذها ولا يدري أن الغلول من الغنائم معصية وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبا ولا ورقا غنمنا المتاع والطعام والثياب ثم انطلقنا إلى الوادي ومع رسول الله ﷺ عبد له فلما نزلنا قام عبد رسول الله ﷺ يحل رحله فرمى بسهم فكان فيه حتفه فلما قلنا له هنيئا له الشهادة يا رسول الله فقال: "كلا والذي نفس محمد بيده أن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم" قال ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال أصبته يوم خيبر فقال رسول الله ﷺ: "شراك من نار أو شرا كان من نار".
فصل: وقد يكون الغازي عالما بالتحريم إلا أنه يرى الشيء الكثير فلا يصبر عنه وربما ظن أن جهاده يدفع عنه ما فعل وها هنا يتبين أثر الإيمان والعلم روينا بإسناد عن هبيرة بن الأشعث عن أبي عبيدة العنبري قال لما هبط المسلمون المداين وجمعوا الأقباض أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال الذين معه ما رأينا مثل هذا قط ما يعدله ما عندنا ولا ما يقاربه فقال له هل أخذت منه شيئا فقال أما والله لولا الله ما أتيتكم به فعرفوا أن للرجل شأنا فقالوا من أنت فقال والله لا أخبركم لتحمدوني ولا أغريكم لتقرظوني ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه فاتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس.
[ ١٣٢ ]