قال المصنف ﵀: قد كان جماعة منهم تشاغلوا بكتابة العلم ثم لبس عليهم إبليس وقال ما المقصود إلا العمل ودفنوا كتبهم فقد روى أن أحمد بن أبي الحواري رمى كتبه في البحر وقال نعم الدليل كنت والاشتغال بالدليل بعد الوصول محال ولقد طلب أحمد بن أبي الحواري الحديث ثلاثين سنة فلما بلغ منه الغاية حمل كتبه إلى البحر فغرقها وقال يا علم لم أفعل بك هذا تهاونا ولا استخفافا بحقك ولكني كنت أطلبك لأهتدي بك إلى ربي فلما أهتديت بك أستغنيت عنك أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أبا الحسن غلام شعوانه بالبصرة يقول سمعت أبا الحسن بن سالم عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال أحمد بن محمد بن إسماعيل أبو الحسين بن الخلال كان حسن الفهم له صبر على الحديث وانه كان يتصوف ويرمي بالحديث مدة ثم يرجع ويكتب ولقد أخبرت انه رمى بجملة من سماعاته القديمة في دجلة فأول ما سمع على أبي العباس الأصم وطبقته وكتب الكثير أنبأنا زاهر بن طاهر نا أحمد بن الحسين البيهقي قال سمعت أبا عمرو بن أبي جعفر يقول سمعت أبا طاهر الجنايدي يقول لقد كان موسى بن هرون يقرأ علينا فإذا فرغ من الجزء رمى بأصله في دجلة ويقول لقد أديته.
أخبرنا محمد بن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا نصر الطوسي يقول سمعت جماعة من مشايخ الري يقولون ورث أبو عبد الله المقري عن أبيه خمسين ألف دينار سوى الضياع والعقار فخرج عن جميع ذلك وأنفقها على الفقراء قال فسألت أبا عبد الله عن ذلك فقال أحرمت وأنا غلام حدث وخرجت إلى مكة على الوحدة حين لم يبق لي شيء أرجع أليه وكان اجتهادي أن أزهد في الكتب وما جمعت من العلم والحديث أشد علي من الخروج إلى مكة والتقطع في الأسفار والخروج عن ملكي أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا إسماعيل الحيري ثنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت أبا العباس بن الحسين البغدادي يقول سمعت الشبلي يقول أعرف من لم يدخل في هذا الشأن حتى أنفق
[ ٢٨٨ ]
جميع ملكه وغرق في هذه الدجلة سبعين قمطرا مكتوبا بخطه وحفظ وقرأ بكذا وكذا رواية يعني بذلك نفسه.
قال المصنف ﵀: قد سبق القول بأن العلم نور وأن إبليس يحسن للإنسان إطفاء النور ليتمكن منه في الظلمة ولا ظلمة كظلمة الجهل ولما خاف إبليس أن يعاود هؤلاء مطالعة الكتب فربما استدلوا بذلك على مكايده حسن له دفن الكتب وإتلافها وهذا فعل قبيح محظور وجهل بالمقصود بالكتب وبيان هذا أن أصل العلوم القرآن والسنة فلما علم الشرع أن حفظهما يصعب أمر بكتابة المصحف وكتابة الحديث فأما القرآن فإن رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه آية دعى بالكاتب فأثبتها وكانوا يكتبونها فيء العسب والحجارة وعظام الكتف ثم جمع القرآن بعده في المصحف أبو بكر صوتا عليه ثم نسخ من ذلك عثمان بن عفان ﵁ وبقية الصحابة وكل ذلك لحفظ القرآن لئلا يشذ منه شيء وأما السنة فإن النبي ﷺ قصر الناس في بداية الإسلام على القرآن وقال: "لا تكتبوا عني سوى القرآن" فلما كثرت الأحاديث ورأى قلة ضبطهم أذن لهم في الكتابة فروي عن أبي هريرة ﵁ أنه شكى إلى رسول الله ﷺ قلة الحفظ فقال: "ابسط دراءك" فبسط رداءه وحدثه النبي ﵊ وقال: "ضمه إليك" فقال أبو هريرة فلم أنس بعد ذلك شيئا بما حدثنيه رسول الله ﷺ وفي رواية أنه قال: "استعن على حفظك بيمينك" يعني بالكتابة وروى عنه ﷺ عبد الله بن عمرو أنه قال: "قيدوا العلم" فقلت يا رسول الله وما تقييده قال: "الكتابة" وروى عنه أيضا رافع بن خديج قال قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها قال: "اكتبوا ولا حرج".
قال المصنف ﵀: واعلم أن الصحابة ضبطت ألفاظ رسول الله ﷺ وحركاته وأفعاله واجتمعت الشريعة من رواية هذا ورواية هذا وقد قال رسول الله ﷺ: "بلغو عني" وقال: "نضر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها" وتأدية الحديث كما يسمع لا يكاد يحصل إلا من الكتابة لأن الحفظ خوان وقد كان أحمد بن حنبل ﵁ يحدث بالحديث فيقال له أمله علينا فيقول لا بل من الكتاب وقد قال علي بن المديني أمرني سيدي أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من الكتاب فإذا كانت الصحابة قد روت السنة وتلقتها التابعون وسافر المحدثون وقطعوا شرق الأرض وغربها لتحصيل كلمة من ههنا وكلمة من هنا وصححوا ما صح وزيفوا ما لم يصح وجرحوا الرواة وعدلوا وهذبوا السنن وصنفوا ثم من يغسل ذلك فيضيع التعب ولا يعرف
[ ٢٨٩ ]
حكم الله في حادثة فما عوندت الشريعة بمثل هذا فهل لشريعة من الشرائع قبلنا إسناد إلى نبيهم وإنما هذه خصيصة لهذه الأمة وقد روينا عن الإمام أحمد بن حنبل مع كونه طاف الشرق والغرب في طلب الحديث أنه قال لأبنه ما كتبت عن فلان فذكر له أن النبي ﵊ كان يخرج يوم العيد من طريق ويرجع من أخرى فقال الأمام أحمد بن حنبل إنا لله سنة من سنن رسول الله ﷺ لم تبلغني وهذا قوله مع إكثاره وجمعه فكيف بمن لم يكتب واذا كتب غسل أفترى إذا غسلت الكتب ودفنت على ما يعتمد في الفتاوى والحوادث على فلان الزاهد أو فلان الصوفي أو على الخواطر فيما يقع لها نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى.
فصل: قال المصنف ﵀: ولا تخلو هذه الكتب التي دفنوها أن يكون فيها حق أو باطل أو قد اختلط الحق بالباطل فإن كان فيها باطل فلا لوم على من دفنها وإن كان قد اختلط الحق بالباطل ولم يمكن تمييزه كان عذرا في إتلافها فإن أقواما كتبوا عن ثقات وعن كذابين واختلط الأمر عليهم فدفنوا كتبهم وعلى هذا يحمل ما يروى عن دفن الكتب عن سفيان الثوري وإن كان فيها الحق والشرع فلا يحل إتلافها بوجه لكونها ضابطة العلم وأموالا وليسأل من يقصد إتلافها عن مقصوده فإن قال تشغلني عن العبادة قيل له جوابك من ثلاثة أوجه أحدها أنك لو فهمت لعلمت أن التشاغل بالعلم أو في العبادات والثاني أن اليقظة التي وقعت لك لا تدوم فكأني بك وقد ندمت على ما فعلت بعد الفوات واعلم أن القلوب لا تبقى على صفائها بل تصدأ فتحتاج إلى جلاء وجلاءها النظر في كتب العلم وقد كان يوسف بن أسباط دفن كتبه ثم لم يصبر على التحديث فحدث من حفظه فخلط والثالث أننا نقدر تمام يقظتك ودوامها والغنى عن هذه الكتب فهلا وهبتها لمبتدئ من الطلاب ممن لم يصل إلى مقامك أو وقفتها على المنتفعين بها أو بعتها وتصدقت بثمنها أما أتلافها فلا يحل بحال وقد روى المرزوي عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن رجل أوصى أن تدفن كتبه فقال ما يعجبني أن يدفن العلم وأنبأنا محمد بن عبد الملك ويحيى بن علي قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت نا عبيد الله بن عبد العزيز البرداعي نا محمد بن عبد الله السحير ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن النحاس قال سمعت المروزي يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول لا أعرف لدفن الكتب معنى.
[ ٢٩٠ ]