أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا أحمد بن محمد بن مقسم ثني أبو بدر الخياط الصوفي قال سمعت أبا حمزة يقول سافرت سفرة على التوكل فبينما أنا أسير ذات ليلة والنوم في عيني إذ وقعت في بئر فرأيتني قد حصلت فيها فلم أقدر على الخروج لبعد مرتقاها فجلست فيها فبينما أنا جالس إذ وقف على رأس البئر رجلان فقال أحدهما لصاحبه نجوز ونترك هذه البئر في طريق المسلمين السابلة والمارة فقال الآخر فما نصنع قال فبدرت نفسي أن أناديهما فنوديت تتوكل علينا وتشكو بلاءنا إلى سوانا فسكت فمضيا ثم رجعا ومعهما شيء فجعلاه على رأسها غطوها به فقالت لي نفسي أمنت طمها ولكن حصلت فيها مسجونا فمكثت يومي وليلتي فلما كان الغد ناداني شيء يهتف بي ولا أراه تمسك بي شديدا فمددت يدي فوقعت على شيء خشن فتمسكت به فعلاها وطرحني فوق الأرض فإذا هو سبع فلما رأيته لحق نفسي من ذلك ما يلحق من مثله فهتف بي هاتف وهو يقول يا أبا حمزة استنقذناك من البلاء بالبلاء وكفيناك ما تخاف بما تخاف أخبرنا محمد بن ناصر محمد بن أبي نصر الحميدي نا أبو بكر محمد ابن أحمد الأردستاني ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت محمد بن حسن المحرمي سمعت ابن المالكي يقول قال أبو حمزة الخراساني حججت سنة من السنين فبينا أنا أمشي في الطريق وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث فقلت لا والله لا أستغيث فما أتممت هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان فقال أحدهما للآخر تعال نسد رأس هذا البئر في هذا الطريق فأتوا بقصب وبارية فهمهمت فقلت إلى من هو أقرب إليك منهما وسكت حتى طموا رأس البئر فإذا بشيء قد جاء فكشف عن رأس البئر ودلي رجليه وكان يقول
[ ٢٦٩ ]
في همهمة له تعلق بي فتعلقت به فأخرجني فنظرت فإذا هو سبع فهتف بي هاتف وهو يقول يا أبا حمزة أليس ذا حسن نجيناك من التلف بالتلف أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو القاسم رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله النيسابوري
يقول سمعت أبا عبد الله محمد بن نعيم يحكي عن أبي حمزة الصوفي الدمشقي أنه لما خرج من البئر أنشد يقول:
نهائي حيائي منك أن أكشف الهوى … فأغنيتني بالقرب منك عن الكشف
ترأيت لي بالغيب حتى كأنني … تبشرني بالغيب إنك في الكف
أراك وبي من هيبتي لك وحشة … وتؤنسني بالعطف منك وباللطف
وتحيئ محبا أنت في الحب حتفه … وذا عجب كون الحياة مع الحتف
قال المصنف ﵀ قلت اختلفوا في أبي حمزة هذا الواقع في البئر فقال أبو عبد الرحمن السلمي هو أبو حمزة هذا الواقع في البئر فقال أبو عبد الرحمن السلمي هو أبو حمزة الخراساني وكان من أقران الجنيد وقد ذكرنا في رواية أخرى أنه دمشقي وقال أبو نعيم الحافظ هو أبو حمزة البغدادي واسمه محمد بن إبراهيم وذكره الخطيب في تاريخه وذكر له هذه الحكاية وأيهم كان فهو مخطئ في فعله مخالف للشرع بسكوته معين بصمته على نفسه وقد كان يجب عليه أن يصيح ويمنع من طم البئر كما يجب عليه أن يدفع عن نفسه من يقصد قتله وقوله لا أستغيث كقول القائل لا آكل الطعام ولا أشرب الماء وهذا جهل من فاعله ومخالفة الحكمة في وضع الدنيا فإن الله تعالى وضع الأشياء على حكمة فوضع للآدمي يدا يدافع بها ولسانا ينطق به وعقلا يهديه إلى دفع المضار واجتلاب المصالح وجعل الأغذية والأدوية لمصلحة الآدميين فمن أعرض عن استعمال ما خلق له وأرشد إليه فقد رفض أمر الشرع وعطل حكمة الصانع فإن قال جاهل فكيف أحترز مع أمر القدر قلنا وكيف لا يحترز مع أمر المقدر وقد قال الله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وقد اختفى النبي ﷺ في الغار وقال لسراقة: "اخف عنا" واستأجر دليلا إلى المدينة ولم يقل اخرج على التوكل وما زال ببدنه مع الأسباب وبقلبه مع المسبب وقد أحكمنا هذا الأصل فيما تقدم وقول أبي حمزة فنوديت من باطني هذا من حديث النفس الجاهلة التي قد استقر عندها بالجهل أن التوكل ترك التمسك بالأسباب لأن الشرع لا يطلب من الإنسان ما نهاه عنه وهلا نافره باطنه في مديده وتعليقه بذلك المتدلي إليه وتمسكه به فإن ذلك أيضا نقض لما ادعاه من ترك الأسباب الذي يسميه التوكل لأنه أي فرق بين قوله أنا في البئر وبين تمسكه بما تدلى عليه لا بل هذا آكد لأن الفعل آكد من القول فهلا سكت حتى يحمل بلا سبب فإن قال هذا
[ ٢٧٠ ]
بعثه الله لي قلنا والذي جاز على البئر من بعثه واللسان المستغيث من خلقه فإنه لو استغاث كان مستعملا للأسباب التي خلقها الله تعالى لينتفع بها للدفع عنه فلم يستعملها وإنما بسكوته عطل الأسباب التي خلقها الله تعالى له ودفع الحكمة فصح لومه على ترك السبب وأما تخليصه بالأسد فإن صح هذا فقد يتفق مثله ثم لا ينكر أن الله تعالى يلطف بعبده وإنما ينكر فعله المخالف للشرع.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ثنا عبد العزيز ابن أبي الحسن قال سمعت علي بن عبد الله بن جهضم المكي يقول ثنا الخلدي قال قال الجنيد قال لي محمد السمين كنت في طريق الكوفة بقرب الصحراء التي بين قباء والصخرة التي تفريقنا منها والطريق منقطع فرأيت علي الطريق جملا قد سقط ومات وعليه سبعة أو ثمانية من السباع تتناهش لحمه يحمل بعضها على بعض فلما أن رأيتهم كأن نفسي اضطربت وكانوا على قارعة الطريق فقالت لي نفسي تميل يمينا أو شمالا فأبيت عليها إلا أن آخذ على قارعة الطريق فحملتها على أن مشيت حتى وقفت عليهم بالقرب منهم كأحدهم ثم رجعت إلى نفسي لأنظر كيف فإذا هي الروع معي قائم فأبيت أن أبرح وهذه صفتي فقعدت بينهم ثم نظرت بعد قعودي فإذا الروع معي فأبيت أن أبرح وهذه صفتي فوضعت جنبي فنمت مضطجعا فتغاشاني النوم فنمت وأنا على تلك الهيئة والسباع في المكان الذي كانوا عليه فمضى بي وقت وأنا نائم فاستيقظت فإذا السباع قد تفرقت ولم يبق منها شيء واذا الذي كنت أجده قد زال فقمت وأنا على تلك الهيئة فانصرفت.
قال المصنف ﵀: قلت فهذا الرجل قد خالف الشرع في تعرضه للسباع ولا يحل لأحد أن يتعرض لسبع أو لحية بل يجب عليه أن يفر مما يؤذيه أو يهلكه وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال إذا وقع الطاعون وأنتم بأرض فلا تقدموا عليه وقال ﷺ: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" ومر ﵊ بحائط مائل فأسرع وهذا الرجل قد أراد من طبعه أن لا ينزعج وهذا شيء ما سلم منه موسى ﵇ فإنه لما رأى الحية خاف وولى مدبرا فإن صح ما ذكره وهو بعيد الصحة لأن طباع الآدمين تتساوى فمن قال لا أخاف السبع بطبعي كذبناه كما لو قال أنا لا أشتهي النظر إلى المستحسن وكأنه قهر نفسه حتى نام بينهم استسلاما للهلاك لظنه أن هذا هو التوكل وهذا خطأ لأنه لو كان هذا هو التوكل ما نهى عن مقاربة ما يخاف شره ولعل السباع اشتغلت عنه وشبعت من الجمل والسبع إذا شبع لا يفترس ولقد كان أبو تراب النخشبي من كبار القوم فلقيته السباع البرية فنهشته فمات ثم لا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به ونجاه
[ ٢٧١ ]
بحسن ظنه فيه غير أنا نبين خطأ فعله للعامي الذي إذا سمع هذه الحكاية ظن أنها عزيمة عظيمة ويقين قوي وربما فضل حالته على حالة موسى ﵇ إذ هرب من الحية وعلى حالة نبينا ﷺ إذ مر بجدار مائل فهرول وعلى لبسه ﷺ الدرع في غزواته كلها وقت الحرب حتى قال ﵊ في غزوة الخندق ليس لنبي أن يلبس لأمة حربة ثم ينزعها من غير قتال وعلى حالة أبي بكر ﵁ إذ سد خروق الغار اتقاء ذي الحيات وهيهات أن تعلو مرتبة هذا المخالف للشرع على مرتبة النبيين والصديقين بما يخايل له ظنه الفاسد من أن هذا الفعل هو التوكل.
وقد أخبرنا عنه أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا إسماعيل بن أحمد الجبري ثنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت محمد بن الحسين البغدادي يقول سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني قال سمعت مؤملا المغابي يقول كنت أصحب محمد بن السمين فسافرت معه ما بين تكريت والموصل فبينا نحن في برية نسير إذ زأر السبع من قريب منا فجزعت وتغيرت وظهر ذلك على وجهي وهممت أن أبادر فأفر فضبطني وقال يا مؤمل التوكل ههنا ليس في المسجد الجامع.
قال المصنف ﵀: قلت لا أشك في أن التوكل يظهر أثره في المتوكل عند الشدائد ولكن ليس من شروطه الاستسلام للسبع فإنه لا يجوز.
أخبرنا عمر بن ظفر نا ابن السراج نا عبد العزيز بن علي الأزجي نا ابن جهضم ثنا إبراهيم بن أحمد بن علي العطار قال له الخواص حدثني بعض المشايخ أنه قيل لعلي الرازي ما لنا لا نراك مع أبي طالب الجرجاني قال خرجنا في سياحة فنمنا في موضع فيه سباع فلما نظر إلي رآني لم أنم طردني وقال لا تصحبني بعد هذا اليوم.
قال المصنف ﵀: لقد تعدى هذا الرجل إذ أراد من صاحبه أن يغير ما طبع عليه وليس ذلك في قدرته ولا في وسعه ولا يطالبه بمثله الشرع وما قدر على هذه الحالة موسى ﵇ حين هرب من الحية فهذا كله مبناه على الجهل.
أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا الأزجي ثنا بن جهضم قال سمعت الخلدي يقول سمعت إبراهيم الخواص يقول سمعت حسنا أخا سنان يقول كنت أسلك طريق مكة فتدخل
[ ٢٧٢ ]
في رجلي الشوكة فيمنعني ما أعتقده من التوكل أن أخرجها من رجلي فأدلك رجلي على الأرض وامشي.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني نا سهل بن على الحساب نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أحمد بن علي الوجدي يقول حج الدينوري اثنتي عشرة حجة حافيا مكشوف الرأس وكان إذا دخل في رجله شوك يمسح رجله في الأرض ويمشي ولا يتطاطئ إلى الأرض من صحة توكله.
قال المصنف ﵀ قلت انظروا إلى ما يصنع الجهل بأهله وليس من طاعة الله تعالى أن يقطع الإنسان تلك البادية حافيا لأنه يؤذي نفسه غاية الأذى ولا مكشوف الرأس وأي قربة تحصل بهذا ولولا وجوب كشف الرأس في مدة الإحرام لم يكن لكشفه معنى فمن ذا الذي أمره ألا يخرج الشوك من رجله وأي طاعة تقع بهذا ولو أن رجله انتفخت بما يبقى فيها من الشوك وهلك كان قد أعان على نفسه وهل ذلك الرجل بالأرض إلا دفع بعض شر الشوك فهلا دفع الباقي بالإخراج وأين التوكل من هذه الأفعال المخالفة للعقل والشرع لأنهما يقضيان بجلب المنافع للنفس ودفع المضار عنها ولذلك أجاز الشرع لمن أدركه ضرر في إحرامه أن يخرق حرمة الإحرام ويلبس ويغطي رأسه ويفدي ولقد سمعت أبا عبيد يقول إني لأتبين عقل الرجل بأن يدع الشمس ويمشي في الظل.
أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب ثنا عبد العزيز بن أبي الحسن القرميسيني قال سمعت علي بن عبد الله بن جهضم قال سمعت أبا بكر الرقي يقول حدثني أبو بكر الدقاق قال خرجت في وسط السنة إلى مكة وأنا حدث السن في وسطي نصف جل وعلى كتفي نصف جل فرمدت عيني في الطريق وكنت أمسح دموعي بالجل فأقرح الجل الموضع فكان يخرج الدم مع الدموع فمن شدة الإرادة وقوة سروري بحالي لم أفرق بين الدموع والدم وذهبت عيني في تلك الحجة وكانت الشمس إذا أثرت في بدني قبلت يدي ووضعتها على عيني سرورا مني بالبلاء أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا أحمد بن أحمد الحداد نا أبو نعيم الحافظ قال سمعت أبا الفضل أحمد بن أبي عمران يقول سمعت محمد بن داود الرقي يقول سمعت أبا بكر الدقاق يقول كان سبب ذهاب بصري أني خرجت في وسط السنة أريد مكة وفي وسطي نصف جل وعلى وسطي نصف جل فرمدت إحدى عيني فمسحت الدموع بالجل فقرح المكان وكانت الدموع والدم
[ ٢٧٣ ]
تسيلان من عيني أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنا أبو محمد التميمي أنا عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر الرازي يقول قلت لأبي بكر الدقاق وكان بفرد عين ما سبب ذهاب عينك قال كنت أدخل البادية على التوكل فجعلت على نفسي أن لا آكل لأهل المنازل شيئا تورعا فسالت إحدى عيني على خدي من الجوع.
قال المصنف ﵀: إذا سمع مبتدئ حالة هذا الرجل ظن أن هذه مجاهدات وقد جمعت هذه السفرة التي أفتخر فيها فنونا من المعاصي والمخالفات منها خروجه في تنصيف السنة على الوحدة ومشيه بلا زاد ولا راحلة ولباسه الجل ومسح عينيه به وظنه أن ذلك يقربه إلى الله تعالى وإنما يتقرب إلى الله تعالى بما أمره به وشرعه لا بما نهى وكف عنه فلو أن إنسانا قال أريد أن أضرب نفسي بعصا لأنها عصت أتقرب بذلك إلى الله كان عاصيا وسرور هذا الرجل بهذا خطأ قبيح لأنه إنما يفرح بالبلاء إذا كان بغير تسبب منه لنفسه فلو أن إنسانا كسر رجل نفسه ثم فرح بهذه المصيبة كان نهاية في الحماقة ثم تركه السؤال وقت الاضطرار وحمله على النفس في شدة المجاعه حتى سالت عينه ثم يسمي هذا تورعا حماقات زهاد أكبرها الجهل والبعد عن العلم وقد أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا حمد بن أحمد نا أبو نعيم الحافظ ثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن العباس بن أيوب الأصفهاني ثنا عبد الرحمن بن يوسف الرقي ثنا مطرف بن مازن عن سفيان الثوري قال من جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار.
قال المصنف ﵀ فانظر إلى كلام الفقهاء ما أحسنه ووجهه أن الله تعالى قد جعل للجائع مكنة التسبب فإذا عدم الأسباب الظاهرة فله قدرة السؤال التي هي كسب مثله في تلك الحال فإذا تركه فقد فرط في حق نفسه التي هي وديعة عنده فاستحق العقاب وقد روي لنا في ذهاب عين هذا الرجل ما هو أظرف مما ذكرنا فأخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد ثنا حمد بن أحمد الحداد ثنا أبو نعيم قال سمعت أبا أحمد القلانسي يقول قال أبو علي الروزباري يحكى عن أبي بكر الدقاق قال استضفت حيا من العرب فرأيت جارية حسناء فنظرت إليها فقلعت عيني التي نظرت بها إليها وقلت مثلك من نظر لله.
قال المصنف ﵀: قلت فانظروا إلى جهل هذا المسكين بالشريعة والبعد عنها لأنه إن كان نظر إليها عن غير تعمد فلا إثم عليه وأن تعمد فقد أتى صغيرة قد كان يكفيه منها الندم فضم إليها كبيرة وهي قلع عينه ولم يتب عنها لأنه اعتقد قلعها قربة إلى الله سبحانه ومن اعتقد
[ ٢٧٤ ]
المحظور قربة فقد انتهى خطؤه إلى الغاية ولعله سمع تلك الحكاية عن بعض بني إسرائيل أنه نظر إلى امرأة فقلع عينه وتلك مع بعد صحتها ربما جازت في شريعتهم فأما شريعتنا فقد حرمت هذا وكأن هؤلاء القوم ابتكروا شريعة سموها بالتصوف وتركوا شريعة نبيهم محمد ﷺ نعوذ بالله من تلبيس إبليس وقد روي عن بعض عابدات الصوفية مثل هذا أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال أخبرني أبو الحسن علي بن أحمد البصري غلام شعوانة قال أخبرتني شعوانة أنه كان في جيرانها امرأة صالحة فخرجت ذات يوم إلى السوق فرآها بعض الناس فافتتن بها وتبعها إلى باب دارها فقالت له المرأة أي شيء تريد مني قال فتنت بك فقالت ما الذي استحسنت مني قالعيناك فدخلت إلى دارها فقلعت عينيها وخرجت إلى خلف الباب ورمت بها إليه وقالت له خذهما فلا بارك الله فيك.
قال المصنف ﵀: فانظروا إخواني كيف يتلاعب إبليس بالجهلة فإن ذلك الرجل أتى صغيرة بالنظر وأتت هي بكبيرة ثم ظنت أنها فعلت طاعة وكان ينبغي أنها لا تكلم رجلا أجنبيا وقد وجد من القوم ضد هذا كما يروى عن ذي النون المصري وغيره أنه قال لقيت امرأة في البرية فقلت لها وقالت لي وهذا لا يحل له وقد أنكرت عليه امرأة متيقظة فأخبرنا عبد الملك بن عبد الله الطروحي نا محمد بن علي بن عمر نا أبو الفضل محمد بن محمد العامي نا أبو سعيد محمد بن أحمد بن يوسف ثني سكر ثني محمد بن يعقوب العرجي قال سمعت ذي النون يقول رأيت امرأة بنحو أرض البجة فناديتها فقالت وما للرجال أن يكلموا النساء لولا نقص عقلك لرميتك بشيء أخبرنا عبد الرحمن بن محمد نا أحمد بن علي بن ثابت ثنا عبد العزيز الأزجي ثنا علي بن عبد الله الهمداني ثني علي بن اسماعيل الطلاثني محمد بن الهيثم قال قال لي أبو جعفر الحداد دخلت البادية بعض السنين على التوكل فبقيت سبعة عشر يوما لا آكل فيها شيئا وضعفت عن المشي فبقيت أياما أخر لم أذق فيها شيئا فسقطت على وجهي وغشي علي وغلب علي من القمل شيء ما رأيت مثله ولا سمعت به فبينا أنا كذلك إذ مر بي ركب فرأوني على تلك الحالة فنزل أحدهم عن راحلته فحلق رأسي ولحيتي وشق ثوبي وتركني في الرمضاء وسار فمر بي ركب آخر فحملوني إلى حيهم وأنا مغلوب فطرحوني ناحية فجاءتني امرأة فجلست على رأسي وصبت اللبن في حلقي ففتحت عيني قليلا وقلت لهم أقرب المواضع منكم أين قالوا جبل الشراة فحملوني إلى الشراة.
قال المصنف ﵀: قلت لو يحكى أن رجلا من المجانين أنحل من السلسة فأخذ
[ ٢٧٥ ]
سكينا وجعل يشرح لحم نفسه ويقول أنا ما رأيت مثل هذا الجنون لصدق على هذا وإلا فانظروا إلى حال هذا المسكين وبما فعل بنفسه ثم يعتقد أن هذا قربة نسأل الله العافية أخبرنا أحمد بن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر الداري يقول سمعت أبا الحسين الريحاني يقول سمعت إبراهيم الخواص يقول رأيت شيخا من أهل المعرفة عرج بعد سبعة عشر يوما على سبب في البرية فنهاه شيخ كان معه فأبى أن يقبل فسقط ولم يرتفع عن حدود الأسباب قلت هذا قد أراد أن يصبر عن القوت أكثر من هذا وليس الصبر إلى هذا الحد وأن أطيق بفضيلة أخبرنا محمد بن أبي القاسم نا رزق الله بن عبد الوهاب نا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين قال سمعت جدي إسماعيل بن نجيد يقول دخل إبراهيم الهروي مع شبة البرية فقال يا شبه اطرح ما معك من العلائق قال فطرحتها كلها وأبقيت دينارا فخطا خطوات ثم قال اطرح كل ما معك لا تشغل سري قال فأخرجت الدينار ودفعته إليه فطرحه ثم خطا خطوات وقال تطرح ما معك قلت ليس معي شيء قال بعد سري مشتغل ثم ذكرت أن معي دستجة شسوع فقلت ليس معي إلا هذه قال فأخذها فطرحها ثم قال امشي فمشينا فما احتجت إلى شبع في البادية إلا وجدته مطروحا بين يدي فقال لي كذا من عامل الله بالصدق.
قال المصنف ﵀: قلت كل هذه الأفعال خطأ ورمي المال حرام والعجب ممن يرمي ما يملكه ويأخذ مالا يدري من أين هو وهل يحل له أخذه أم لا.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت نصر بن أبي نصر العطار يقول سمعت علي بن محمد المصري قال سمعت أبا سعيد الخراز يقول دخلت البادية مرة بغير زاد فأصابتني فاقة فرأيت المرحلة من بعد فسررت بوصولي ثم فكرت في نفسي أني شكيت وأني توكلت على غيره فآليت أن لا أدخل المرحلة إلا أن حملت إليها فحفرت لنفسي في الرمل حفرة وواريت جسدي فيها إلى صدري فسمعت صوتا في نصف الليل عاليا يا أهل المرحلة إن لله وليا حبس نفسه في هذا الرمل فالحقوه فجاء جماعة فأخرجوني وحملوني إلى المرحلة.
قال المصنف ﵀: قلت لقد تنطع هذا الرجل على طبعه فأراد منه ما لم يوضع عليه لأن طبع ابن آدم أن يهش إلى ما يحب ولا لوم على العطشان إذا هش إلى الماء ولا على الجائع إذا
[ ٢٧٦ ]
هش إلى الطعام فكذلك كل من هش إلى محبوب له وقد كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر فلاحت له المدينة أسرع السير حبا للوطن ولما خرج من مكة تلفت إليها شوقا وكان بلال يقول لعن الله عتبة وشيبة إذا أخرجونا من مكة ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بواد وحولي إذخر وجليل
فنعوذ بالله من الإقبال على العمل بغير مقتضى العلم والعقل ثم حبسه نفسه عن صلاة الجماعة قبيح وأي شيء في هذا من التقرب إلى الله سبحانه إنما هو محض جهل أنبأنا ابن ناصر نا جعفر بن أحمد السراج نا عبد العزيز بن علي بن أحمد ثنا أبو الحسن علي بن جهضم ثنا بكر بن محمد قال كنت عند أبي الخير النيسابوري فبسطني بمحادثته لي بذكر باديته إلى أن سألته عن سبب قطع يده فقال يد جنت فقطعت ثم اجتمعت به مع جماعة فسألوه عن ذلك فقال سافرت حتى بلغت اسندرية فأقمت بها اثنتي عشرة سنة وكنت قد بنيت بها كوخا فكنت أجئ إليه من ليل إلى ليل وأفطر على ما ينفضه المرابطون وإذا حم الكلام على قمامة السفر وآكل من البردي في الشتاء فنوديت في سري يا أبا الخير تزعم أنك لا تشارك الخلق في أقواتهم وتشير إلى التوكل وأنت في وسط القوم جالس فقلت إلهي وسيدي وعزتك لا مددت يدي إلى شيء مما تنبته الأرض حتى تكون الموصل إلى رزقي من حيث لا أكون فيه فأقمت اثنى عشر يوما أصلي الفرض وأتنفل ثم عجزت عن النافلة فأقمت اثنى عشر يوما أصلي الفرض والسنة ثم عجزت عن السنة فأقمت اثني عشر يوما أصلي الفرض لا غير ثم عجزت عن القيام فأقمت اثني عشر يوما أصلي جالسا لا غير ثم عجزت عن الجلوس فرأيت أن طرحت نفسي ذهب فرضي فلجأت إلى الله بسري وقلت إلهي وسيدي افترضت علي فرضا تسألني عنه وقسمت لي رزقا وضمنته لي فتفضل علي برزقي ولا تؤاخذني بما عقدته معك فوعزتك لأجتهدن أن لا حللت عقدا عقدته معك فإذا بين يدي قرصان بينهما شيء فكنت أجده على الدوام من الليل إلى الليل ثم طولبت بالمسير إلى الثغر فسرت حتى دخلت الفرما فوجدت في الجامع قاصا يذكر قصة زكريا والمنشار وأن الله تعالى أوحى إليه حين نشر فقال إن صعدت إلى منك أنة لأمحونك من ديوان النبوة فصبر حتى قطع شطرين فقلت لقد كان زكريا صبارا إلهي وسيدي لئن ابتليتني لاصبرن وسرت حتى دخلت أنطاكية فرآني بعض إخواني وعلم أني أريد الثغر فدفع إلي سيفا وترسا وحربة فدخلت الثغر وكنت حينئذ أحتشم من الله تعالى أن أتوارى وراء السور خيفة من العدو فجعلت مقامي في غابة
[ ٢٧٧ ]
أكون فيها بالنهار وأخرج بالليل إلى شاطئ البحر فأغرز الحربة على الساحل وأسند الترس إليها محرابا وأتقلد سيفي وأصلي إلى الغداة فإذا صليت الصبح غدوت إلى الغابة فكنت فيها نهاري اجمع فبدوت في بعض الأيام فعثرت بشجرة فاستحسنت ثمرها ونسيت عقدي مع الله وقسمي به إني لا أمد يدي إلى شيء مما تنبت الأرض فمددت يدي فأخذت بعض الثمرة فبينا أنا أمضغها ذكرت العقد فرميت بها من في وجلست ويدي على رأسي فدار بي فرسان وقالوا لي قم فأخرجوني إلى الساحل فإذا أمير وحوله خيل ورجالة وبين يدية جماعة سودان كانوا يقطعون الخيل في طلب من هرب منهم فوجدوني أسود معي سيف وترس وحربة فلما قدمت إلى الأمير قال أيش أنت قلت عبد من عبيد الله فقال للسودان تعرفونه قالوا لا قال بل هو رئيسكم وإنما تفدونه بأنفسكم لأقطعن أيديكم وأرجلكم فقدموهم ولم يزل يقدم رجلا رجلا ويقطع يده ورجله حتى انتهى إلي فقال تقدم مد يدك فمددتها فقطعت ثم قال مد رجلك فمددتها ورفعت رأسي إلى السماء وقلت إلهي وسيدي يدي جنت ورجلي أيش عملت فإذا بفارس قد وقف على الحلقة ورمى بنفسه إلى الأرض وصاح أيش تعملون تريدون أن تنطبق الخضراء على الغبراء هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير فرمى الأمير نفسه وأخذ يدي المقطوعة من الأرض وقبلها وتعلق بي يقبل صدري ويبكي ويقول سألتك بالله أن تجعلني في حل فقلت قد جعلتك في حل من أول ما قطعتها هذه يد قد جنت فقطعت.
قال المصنف ﵀: فانظروا رحمكم الله إلى عدم العلم كيف صنع بهذا الرجل وقد كان من أهل الخير ولو كان عنده علم لعلم أن ما فعله حرام عليه وليس لإبليس عون على العباد والزهاد أكثر من الجهل أخبرنا أبو بكر ابن حبيب نا أبو سعيد بن أبي صادق نا أبي باكويه قال سمعت الحسين بن أحمد الفارسي قال سمعت محمد بن داود الدينوري يقول سمعت ابن حديق يقول دخلنا المصيصة مع حاتم الأصم فعقد أنه لا يأكل فيها شيئا إلا حتى يفتح فمه ويوضع في فيه وإلا ما يأكل فقال لأصحابه تفرقوا وجلس فأقام تسعة أيام لا يأكل فيها شيئا فلما كان في اليوم العاشر جاء إليه إنسان فوضع بين يديه شيئا يؤكل فقال كل فلم يجبه فقال له ثلاثا فلم يجبه فقال هذا مجنون فأصلح لقمة وأشار بها إلى فمه فلم يفتح فمه ولم يتكلم فأخرج مفتاحا كان معه فقال كل وفتح فمه بالمفتاح ودس اللقمة في فمه فأكل ثم قال له إن أحببت أن ينفعك الله به فأطعم أولئك وأشار إلى أصحابه أنبأنا محمد بن أبي طاهر نا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه ثني محمد بن هلال بن عبد الله ثني القاضي أحمد بن سيار قال حدثني رجل من الصوفية قال
[ ٢٧٨ ]
صحبت شيخا من الصوفية أنا وجماعة في سفر فجرى حديث التوكل والأرزاق وضعف اليقين فيها وقوته فقال الشيخ وحلف على إيمانا عظيمة لا ذقت مأكولا أو يبعث لي بجام فالوذج حالا لا آكله إلا بعد أن يحلف علي قال وكنا نمشي في الصحراء فقالت له الجماعة إلا إنك غير جاهد ومشى ومشينا فانتهينا إلى قرية وقد مضى يوم وليلتان لم يطعم فيها شيء ففارقته الجماعة غيري فطرح نفسه في مسجد القرية مستسلما للموت ضعفا فأقمت عليه فلما كان في ليلة اليوم الرابع وقد انتصف الليل وكاد الشيخ يتلف إذا بباب المسجد قد فتح وإذا بجارية سوداء معها طبق مغطى فلما رأتنا قالت أنتم غرباء أو من أهل القرية فقلت غرباء فكشفت الطبق وإذا بحمام فالوذج يفور لحرارته فقدمت لنا الطبق وقالت كلوا فقلت له كل فقال لا أفعل فرفعت الجارية يدها فصفعته صفعة عظيمة وقالت والله لئن لم تأكل لأصفعنك هكذا إلى أن تأكل فقال كل معي فأكلنا حتى فرغ الجام وهمت الجارية بالانصراف فقلت للجارية ما خبرك وخبر هذا الجام فقالت أنا جارية لرئيس هذه القرية وهو رجل حاد طلب منا منذ ساعة فالوذج فقمنا نصلحه له فطال الأمر عليه فاستعجلنا فقلنا نعم فعاد فاستعجل فقلنا نعم فحلف بالطلاق لا أكله هو ولا أحد ممن هو داره ولا أحد من أهل القرية ولا يأكله إلا رجل غريب فخرجنا نطلب في المساجد رجلا غريبا فلم نجد إلى أن انتهينا إليكم ولو لم يأكل هذا الشيخ لقتلته ضربا إلى أن يأكل لئلا تطلق سيدتي من زوجها قال فقال الشيخ كيف تراه إذا أراد أن يرزق.
قال المصنف ﵀: ربما سمع هذا جاهل فاعتقده كرامة وما فعله الرجل من أقبح القبيح فإنه يجرب على الله ويتألى عليه ويحمل على نفسه من الجوع ما لا يجوز له وهذا لا يجوز له ولا ينكر أن يكون لطف به إلا أنه فعل ضد الصواب وربما كان إنفاذ ذلك رديئا لأنه يعتقد أنه قد أكرم وإن ذلك
منزلة وكذلك حكاية حاتم التي قبلها فإنها إن صحت دلت على جهل بالعلم وفعل لما لا يجوز لأنه ظن أن التوكل إنما هو ترك التسبب فلو عمل بمقتضى واقعته لم يمضغ الطعام ولم يبلعه فإنه تسبب وهل هذا إلا من تلاعب إبليس بالجهال لقلة علمهم بالشرع ثم أي قربة في هذا الفعل البارد وما أظن غالبه إلا من الماليخوليا أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن المحسن قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري قال قال لي جعفر الخلدي وقفت بعرفة ستا وخمسين وقفة منها إحدى وعشرون على المذهب فقلت لأبي إسحق وأي شيء أراد بقوله على المذهب فقال يصعد إلى قنطرة الناشرية فينفض كمية حتى يعلم أنه ليس معه زاد ولا ماء ويلبى ويسير.
[ ٢٧٩ ]
قال المصنف ﵀: وهذا مخالف للشرع فإن الله تعالى يقول وتزودوا ورسول الله ﷺ قد تزود ولا يمكن أن يقال إن هذا الآدمي لا يحتاج إلى شيء في مدة أشهر فإن احتاج ولم يتزود فعطب أثم وإن سأل الناس أو تعرض لهم لم يف ذلك بدعوى التوكل وإن أدعى أنه يكرم ويرزق بلا سبب فنظره إلى أنه مستحق لذلك محنة ولو تبع أمر الشرع وحمل الزاد كان أصلح له على كل حال وأنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر قال أخبرني أبي عن بعض الصوفية أنه قدم عليه من مكة جماعة من المتصوفة فقال لهم من صحبتم فقالوا حاج اليمن فقال أوه التصوف قد صار إلى هذا أو التوكل قد ذهب أنتم ما جئتم على الطريقة والتصوف وإنما جئتم من مائدة اليمن إلى مائدة الحرم ثم قال وحق الأحباب والفتيان لقد كنا أربعة نفر مصطحبين في هذا الطريق نخرج إلى زيارة قبر النبي ﷺ على التجريد ونتعاهد بيننا أن لا نلتفت إلى مخلوق ولا نستند إلى معلوم فجئنا إلى النبي ﷺ ومكثنا ثلاثة أيام لم يفتح لنا بشيء فخرجنا حتى بلغنا الجحفة ونزلنا وبحذائنا نفر من الأعراب فبعثوا إلينا بسويق فأخذ بعضنا ينظر إلى بعض ويقول لو كنا من أهل هذا الشأن لم يفتح لنا بشيء حتى ندخل الحرم فشربناه على الماء وكان طعامنا حتى دخلنا مكة.
قلت اسمعوا إخواني إلي توكل هؤلاء كيف منعهم من التزود المأمور به فأحوجهم إلى أخذ صدقات الناس ثم ظنهم أن ما فعلوه مرتبة جهل بمعرفة المراتب ومن عجب ما بلغني عنهم في أسفارهم ما أخبرنا به محمد بن أبي القاسم البغدادي نا أبو محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال بلغني أن أبا شعيب المقفع وكان قد حج سبعين حجة راجلا أحرم في كل حجة بعمرة وحجة من عند صخرة بيت المقدس ودخل بادية تبوك على التوكل فلما كان في حجته الأخيرة رأى كلبا في البادية يلهث عطشا فقال من يشتري حجة بشربة ماء قال فدفع إليه إنسان شربة ماء فسقى الكلب ثم قال هذا خير لي من حجي لأن النبي ﷺ قال: "في كل ذات كبد حراء أجر" أخبرنا عبد الأول بن عيسى نا ابن أبي الكوفاني ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن موري الحبوساني نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بابن السراج قال سمعت الوجهي يقول سمعت أبا علي الروزباري يقول كان في البادية جماعة ومعنا أبو الحسين العطوفي فربما كانت تلحقنا القافلة ويظلم علينا الطريق وكان أبو الحسين يصعد تلا فيصبح صياح الذئب حتى تسمع كلاب الحي فينبحون فيمر على بيوتهم ويحمل إلينا من عندهم معونة قلت وإنما ذكرت مثل هذه الأشياء ليتنزه العاقل في مبلغ علم هؤلاء وفهمهم للتوكل وغيره
[ ٢٨٠ ]
ويرى مخالفتهم لأوامر الشرع وليت شعري كيف يصنع من يخرج منهم ولا شيء معه بالوضوء والصلاة وإن تخرق ثوبه ولا إبرة معه فكيف يفعل وقد كان بعض مشايخهم يأمر المسافر بأخذ العدة قبل السفر فأخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري قال سمعنا أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا العباس البغدادي يقول سمعت الفرغاني يقول كان إبراهيم الخواص مجردا في التوكل يدقق فيه وكان لا تفارقه إبرة وخيوط وركوة ومقراض فقيل له يا أبا إسحاق لم تجمع هذا وأنت من كل شيء فقال مثل هذا لا ينقض التوكل لأن الله تعالى فرض علينا فرائض والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد فربما يتخرق ثوبه وإن لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلواته وإن لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته.
[ ٢٨١ ]