قال المصنف: وقد لبّس عليهم فأراهم أنّهم من أهل الأدب، وأنّهم قد خصّوا بفطنة تميّزوا بها عن غيرهم، ومن خصّكم بهذه الفطنة ربّما عفا عن زللكم، فتراهم يهيمون في كلّ واد من الكذب، والقذف، والهجاء، وهتك الأعراض، والإقرار بالفواحش، وأقلّ أحوالهم أنّ الشّاعر يمدح الإنسان، فيخاف أن يهجوه فيعطيه اتّقاء شرّه، أو يمدحه بين جماعة، فيعطيه حياء من الحاضرين، وجميع ذلك من جنس المصادرة.
وترى خلقا من الشّعراء وأهل الأدب لا يتحاشون من لبس الحرير، والكذب في المدح خارجا عن الحدّ، ويحكون اجتماعهم على الفسق، وشرب الخمر، وغير ذلك، ويقول أحدهم: اجتمعت أنا وجماعة من الأدباء، ففعلنا كذا وكذا، هيهات هيهات، ليس الأدب إلّا مع الله ﷿ باستعمال التّقوى له، ولا قدر للفطن في أمور الدّنيا، ولا تحسن العبارة عند الله إذا لم يتّقه، وجمهور الأدباء إذا ضاق بهم رزق، تسخّطوا فكفروا، وأخذوا في لوم الأقدار كقول بعضهم:
لئن سمت همّتي في الفضل عالية … فإنّ حظّي ببطن الأرض ملتصق
كم يفعل الدّهر بي ما لا أسرّ به … وكم يسيء زمان جائر حنق
وقد نسي هؤلاء أنّ معاصيهم تضيّق أرزاقهم، فقد رأوا أنفسهم مستحقّين للنّعم،
[ ١٨٥ ]
مستوجبين للسّلامة من البلاء، ولم يتلمّحوا ما يجب عليهم من امتثال أوامر الشّرع، فقد ضلّت فطنتهم في هذه الغفلة.