قال المصنّف: قد لبّس إبليس على خلق كثير، فخرجوا إلى الجهاد ونيّتهم المباهاة والرّياء، ليقال: فلان غاز، وربّما كان المقصود أن يقال: شجاع، أو كان طلب الغنيمة، وإنّما الأعمال بالنّيّات.
وعن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، أرأيت الرّجل
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦٢١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٠٣) من حديث ابن عبّاس ﵄.
[ ٢١٢ ]
يقاتل شجاعة، ويقاتل حميّة، ويقاتل رياء، فأيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ:
«من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله» (^١)، أخرجاه في «الصّحيحين».
وعن ابن مسعود ﵁ قال: «إيّاكم أن تقولوا: مات فلان شهيدا، أو قتل فلان شهيدا، فإنّ الرّجل ليقاتل ليغنم، ويقاتل ليذكر، ويقاتل ليرى مكانه» (^٢).
وبالإسناد عن أبي هريرة ﵁، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «أوّل النّاس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة، رجل استشهد فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال:
قاتلت فيك حتّى قتلت. قال: كذبت؛ ولكنّك قاتلت ليقال: هو جريء، فقد قيل، ثمّ أمر، فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار، ورجل تعلّم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلّمت فيك العلم وعلّمته، وقرأت القرآن، فقال: كذبت، ولكنّك تعلّمت ليقال: هو عالم، فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثمّ أمر به، فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار، ورجل وسّع الله عليه، فأعطاه من أصناف المال كلّه، فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ فقال:
ما تركت من سبيل أنت تحبّه أن ينفق فيها إلّا أنفقت فيها لك. قال: كذبت؛ ولكنّك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثمّ أمر به، فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار» (^٣)، انفرد بإخراجه مسلم.
وبإسناد مرفوع عن أبي حاتم الرّازي قال: سمعت عبدة بن سليمان يقول: كنّا في سريّة مع عبد الله بن المبارك في بلاد الرّوم، فصادفنا العدوّ، فلمّا التقى الصّفّان، خرج رجل من العدوّ، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فطارده ساعة، فطعنه فقتله، ثمّ آخر فقتله، ثمّ آخر
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤) من حديث أبي موسى ﵁.
(٢) أخرجه أحمد (٣٩٤٢) عن ابن مسعود ﵁ موقوفا.
(٣) أخرجه مسلم (١٩٠٥).
[ ٢١٣ ]
فطعنه فقتله، ثمّ دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل، فطارده ساعة، فطعنه الرّجل، فقتله، فازدحم النّاس عليه، فكنت فيمن ازدحم عليه، فإذا هو ملثّم وجهه بكمّه، فأخذت بطرف كمّه فمددته، فإذا هو عبد الله بن المبارك، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممّن يشنّع علينا. قلت:
فانظروا - رحمكم الله - إلى هذا السّيّد المخلص، كيف خاف على إخلاصه برؤية النّاس له، ومدحهم إيّاه فستر نفسه.
وقد كان إبراهيم بن أدهم يقاتل، فإذا غنموا، لم يأخذ شيئا من الغنيمة ليوفّر له الأجر.