قال المصنف: إنّ أقواما علت هممهم، فحصّلوا علوم الشّرع من القرآن، والحديث، والفقه، والأدب، وغير ذلك، فأتاهم إبليس بخفيّ التّلبيس، فأراهم أنفسهم بعين عظيمة لمّا نالوا، وأفادوا غيرهم.
فمنهم: من يستفزّه لطول عنائه في الطّلب، فحسّن له اللّذّات، وقال له: إلى متى هذا التّعب، فأرح جوارحك من كلف التّكاليف، وافسح لنفسك في مشتهاها.
فإن وقعت في زلّة، فالعلم يدفع عنك العقوبة، وأورد عليه فضل العلماء، فإن خذل هذا العبد، وقبل هذا التّلبيس، يهلك، وإن وفّق فينبغي له أن يقول: جوابك من ثلاثة أوجه:
أحدها: إنّه إنّما فضّل العلماء بالعلم، ولولا العمل به ما كان له معنى، وإذا لم أعمل به كنت كمن لم يفهم المقصود به، ويصير مثلي كمثل رجل جمع الطّعام، وأطعم الجياع، ولم يأكل، فلم ينفعه ذلك من جوعه.
والثاني: أن يعارضه بما ورد في ذمّ من لم يعمل بالعلم، لقوله ﷺ: «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة: عالم لم ينفعه الله بعلمه» (^١).
وحكايته ﷺ عن رجل يلقى في النّار، فتندلق أقتابه، فيقول: «كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (١٧٧٨) من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الألبانيّ في «ضعيف الجامع» (٨٦٨): ضعيف جدّا.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩) من حديث أسامة بن زيد ﵁.
[ ١٨٦ ]
وقول أبي الدّرداء ﵁: «ويل لمن لا يعلم مرّة، وويل لمن علم ولم يعمل سبع مرّات».
والثالث: أن يذكر له عقاب من هلك من العلماء التّاركين للعمل بالعلم؛ كإبليس وبلعام، ويكفي في ذمّ العالم إذا لم يعمل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥].
وقد لبّس إبليس على أقوام من المحكمين في العلم والعمل من جهة أخرى، فحسّن لهم الكبر بالعلم، والحسد للنّظير، والرّياء لطالب الرّياسة، فتارة يريهم أنّ هذا كالحقّ الواجب لهم، وتارة يقوّي حبّ ذلك عندهم، فلا يتركونه مع علمهم بأنّه خطأ، وعلاج هذا لمن وفّق: إدمان النّظر في إثم الكبر، والحسد، والرّياء، وإعلام النّفس أنّ العلم لا يدفع شرّ هذه المكتسبات، بل يضاعف عذابها لتضاعف الحجّة بها، ومن نظر في سير السّلف من العلماء العاملين استحقر نفسه، فلم يتكبّر، ومن عرف الله، لم يراء، ومن لاحظ جريان أقداره على مقتضى إرادته، لم يحسد.
وقد يدخل إبليس على هؤلاء بشبهة ظريفة، فيقول: طلبكم للرّفعة ليس بتكبّر؛ لأنّكم نوّاب الشّرع، فإنّكم تطلبون إعزاز الدّين، ودحض أهل البدع، وإطلاقكم اللّسان في الحسّاد غضب للشّرع، إذ الحسّاد قد ذمّوا من قام به، وما تظنّونه رياء فليس برياء؛ لأنّ من تخاشع منكم وتباكى، اقتدى به النّاس كما يقتدون بالطّبيب إذا احتمى أكثر من اقتدائهم بقوله إذا وصف.
وكشف هذا التّلبيس: أنّه لو تكبّر متكبّر على غيرهم من جنسهم، وصعد في المجلس فوقه، أو قال حاسد عنه شيئا، لم يغضب هذا العالم لذلك كغضبه لنفسه، وإن كان المذكور من نوّاب الشّرع، فعلم أنّه إنّما لم يغضب لنفسه، بل للعلم.
[ ١٨٧ ]
وأمّا الرّياء، فلا عذر فيه لأحد، ولا يصلح أن يجعل طريقا لدعاية النّاس، وقد كان أيّوب السختيانيّ إذا حدّث بحديث، فرق ومسح وجهه، وقال: ما أشدّ الزّكام! وبعد هذا، فالأعمال بالنّيّات، والنّاقد بصير، وكم من ساكت عن غيبة المسلمين إذا اغتيبوا عنده، فرح قلبه، وهو آثم بذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: الفرح، فإنّه حصل بوجود هذه المعصية من المغتاب.
والثاني: لسروره بثلب المسلمين.
والثالث: أنّه لا ينكر.