قال المصنّف: قد لبّس عليهم في أشياء كثيرة، نذكر منها نبذة، ليستدلّ بها على تلك.
فمن ذلك: تشبيههم الخالق بالخلق، ولو كان تشبّههم حقّا، لجاز عليه ما يجوز عليهم.
وحكى أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا، أنّ اليهود تزعم أنّ الإله المعبود رجل من نور، على كرسيّ من نور، على رأسه تاج من نور، وله أعضاء كما للآدميّين.
ومن ذلك قولهم: عزير ابن الله، ولو فهموا أنّ حقيقة البنوّة لا تكون إلّا بالتّبعيض، والخالق ليس بذي أبعاض؛ لأنّه ليس بمؤلّف (^١) لم يثبتوا بنوّة، ثمّ إنّ الولد في معنى الوالد، وقد كان عزير لا يقوم إلّا بالطّعام، والإله من قامت به الأشياء، لا من قام بها، والّذي دعاهم إلى هذا مع جهلهم بالحقائق: أنّهم رأوه قد عاد بعد الموت، وقرأ التّوراة من حفظه، فتكلّموا بذلك من ظنونهم الفاسدة.
_________________
(١) يكتفى في الرد على اليهود والنصارى، ومن ضاهاهم بقول الله عز شأنه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٣) [المائدة: ٧٣]. وبقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١) [الشورى: ١١]. ولا حاجة إلى مناقشتهم بطريقة أهل علم الكلام، كقول المؤلف هنا: «والخالق ليس بذي أبعاض؛ لأنّه ليس بمؤلّف». ونحو ذلك من عبارات أهل الكلام، كالجوهر والعرض والحيّز والجسم ونحوها، مما لم يعرف عن السلف الصالح وأتباعهم في هذا الباب. أي باب الأسماء والصفات. [زيد المدخلي].
[ ١٠٥ ]
ويدلّ على أنّ القوم كانوا في بعد من الذّهن، أنّهم لمّا رأوا أثر القدرة في فرق البحر لهم، ثمّ مرّوا على أصنام طلبوا مثلها، فقالوا: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فلمّا زجرهم موسى عن ذلك، بقي في نفوسهم، فظهر المستور بعبادتهم العجل.
والّذي حملهم على هذا شيئان:
أحدهما: جهلهم بالخالق.
والثّاني: أنّهم أرادوا ما يسكن إليه الحسّ؛ لغلبة الحسّ عليهم، وبعد العقل عنهم، ولولا جهلهم بالمعبود، ما اجترءوا عليه بالكلمات القبيحة، كقولهم: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
ومن تلبيسه عليهم أنّهم قالوا: لا يجوز نسخ الشّرائع. وقد علموا أنّ من دين آدم جواز نكاح الأخوات، وذوات المحارم، والعمل في يوم السّبت، ثمّ نسخ ذلك بشريعة موسى.
قالوا: إذا أمر الله ﷿ بشيء، كان حكمه، فلا يجوز تغييره.
قلت: قد يكون التّغيير في بعض الأوقات حكمة، فإنّ تقلّب الآدميّ من صحّة إلى مرض، ومن مرض إلى موت كلّه حكمة، وقد حظر عليكم العمل يوم السّبت، وأطلق لكم العمل يوم الأحد، وهذا من جنس ما أنكرتم، وقد أمر الله ﷿ إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، ثمّ نهاه عن ذلك.
ومن تلبيسه عليهم: أنّهم قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠].
وهي الأيام الّتي عبد فيها العجل، وفضائحهم كثيرة، ثمّ حملهم إبليس على العناد المحض، فجحدوا ما كان في كتابهم من صفة نبيّنا ﷺ وغيّروا ذلك، وقد أمروا أن يؤمنوا به، ورضوا بعذاب الآخرة، فعلماؤهم عاندوا، وجهّالهم قلّدوا، ثمّ العجب أنّهم غيّروا ما أمروا به، وحرّفوا، ودانوا بما يريدون.
[ ١٠٦ ]
فأين العبوديّة ممّن يترك الأمر، ويعمل بالهوى؟ ثمّ إنّهم كانوا يخالفون موسى، ويعيبونه، حتّى قالوا: إنه آدر، واتّهموه بقتل هارون، واتّهموا داود بزوجة أوريا.
أخبرنا محمّد بن عبد الباقي البزّاز، نا الحسن بن علي الجوهري، نا أبو عمر بن حيويه، أخبرنا ابن معروف، قال: نا الحارث بن أبي أسامة، ثنا محمّد بن سعد، نا علي بن محمّد، عن عليّ بن مجاهد، عن محمّد بن إسحاق، عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة ﵁، قال: أتى رسول الله ﷺ بيت المدارس، فقال: «أخرجوا إليّ علماءكم».
فخرج إليه عبد الله بن صوريّا، فخلا به، فناشده الله بدينه، وبما أنعم الله عليهم، وأطعمهم من المنّ والسّلوى، وظلّلهم به من الغمام: «أتعلم أنّي رسول الله؟»
قال: اللهمّ نعم، وإنّ القوم ليعرفون ما أعرف، وإنّ صفتك ونعتك، لمبيّن في التّوراة، ولكنّهم حسدوك.
قال: «فما يمنعك أنت؟» قال: أكره خلاف قومي، وعسى أن يتّبعوك، ويسلموا فأسلم (^١).
أخبرنا هبة الله بن محمّد بن عبد الواحد، قال: أخبرنا الحسن بن عليّ، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا أبي، عن إسحاق، قال: حدثني صالح بن عبد الرّحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد، عن سلمة بن سلامة بن وقش، قال: كان لنا جار من اليهود في بني عبد الأشهل، فخرج علينا يوما من بيته قبل مبعث النّبيّ ﷺ، حتّى وقف على مجلس بني عبد الأشهل.
قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيهم سنّا، عليّ بردة مضطجع فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنّة والنّار، فقال: ذلك القوم أهل شرك وأصحاب
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (١/ ١٦٤).
[ ١٠٧ ]
أوثان، لا يرون بعثا كائنا بعد الموت.
فقال له: ويحك يا فلان! أترى هذا كائنا؛ أنّ النّاس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنّة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟
قال: نعم. والذي يحلف به [يودّ أحدهم أنّ] له بحظّه من تلك النّار أعظم تنّور في الدّار يحمونه، ثمّ يدخلونه إيّاه، فيطبّقونه عليه، وأن ينجو من تلك النّار غدا.
قال له: ويحك! وما آية ذلك؟ قال: نبيّ مبعوث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده نحو مكّة واليمن. قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليّ، وأنا من أحدثهم سنّا، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه.
قال سلمة: فوالله، ما ذهب اللّيل والنّهار حتّى بعث الله رسوله ﷺ، وهو حيّ بين أظهرنا، فآمنّا به، وكفر به بغيا وحسدا، فقلنا له: ويلك يا فلان! ألست الّذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، ولكن ليس به.