قال المصنف: وكما لبّس إبليس على هؤلاء الخوارج حتّى قاتلوا عليّ بن أبي طالب، حمل آخرين على الغلوّ في حبّه، فزادوه على الحدّ، فمنهم من كان يقول: هو الإله، ومنهم من يقول: هو خير من الأنبياء، ومنهم من حمله على سبّ أبي بكر وعمر حتّى إنّ بعضهم كفّر أبا بكر وعمر، إلى غير ذلك من المذاهب السّخيفة الّتي يرغب عن تضييع الزّمان بذكرها، وإنّما نشير إلى بعضها.
أخبرنا عبد الرّحمن بن محمّد، نا أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت، قال: حدّث أبو يعقوب إسحاق بن محمّد النّخعي، عن عبيد الله بن محمّد، عن عائشة، وأبي عثمان المازنيّ، وغيرهما، وسمعت عبد الواحد بن عليّ بن برهان الأسدي يقول: إسحاق بن محمّد النّخعي الأحمر كان يقول: إنّ عليّا هو الله، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، وبالمدائن جماعة من الغلاة يعرفون بالإسحاقيّة ينسبون إليه.
قال الخطيب: ووقع إليّ كتاب لأبي محمّد الحسن بن يحيى النّوبختي من تصنيفه في الرّدّ على الغلاة، وكان النّوبختي هذا من متكلّمي الشّيعة الإماميّة، فذكر أصناف مقالات الغلاة إلى أن قال: وقد كان ممّن جرّد الجنون في الغلوّ في عصرنا: إسحاق بن محمّد المعروف بالأحمر، كان يزعم أنّ عليّا هو الله ﷿. وأنّه يظهر في كلّ وقت، فهو الحسن في وقت، وكذلك هو الحسين، وهو الّذي بعث محمّدا ﷺ.
_________________
(١) = وقد صار إماما للأشعرية، ونسبت إليه. الطور الثالث: انتقال أبي الحسن الأشعري إلى مذهب السلف، وألّف في نصرته والدفاع عنه المؤلفات، ومنها كتابه المشهور «الإبانة في أصول الديانة»، وقد لقي الله على عقيدة السلف، رحمنا الله وإياه، وغفر لنا وله، وقد شهد له بالرجوع إلى مذهب السلف مشاهير العلماء؛ كالحافظ ابن كثير، والحافظ الذهبي، ومحب الدين الخطيب المصري السلفي، وغيرهم. [زيد المدخلي].
[ ١٤٣ ]
قال المصنف: قلت: وقد اعتقد جماعة من الرّافضة أنّ أبا بكر وعمر كانا كافرين، وقال بعضهم: ارتدّا بعد موت رسول الله ﷺ، ومنهم من يقول بالتّبرؤ من غير عليّ.
وقد روّينا أنّ الشّيعة طالبت زيد بن عليّ بالتّبرؤ ممّن خالف عليّا في إمامته، فامتنع من ذلك، فرفضوه، فسمّوا الرّافضة.
ومنهم: أقوام قالوا: الإمامة في موسى بن جعفر، ثمّ في ابنه عليّ، ثمّ إلى محمّد بن عليّ، ثمّ إلى الحسن بن محمّد العسكري، ثمّ إلى ابنه محمّد، وهو الإمام الثّاني عشر، الإمام المنتظر الّذي يزعمون أنّه لم يمت، وأنّه سيرجع في آخر الزّمان، فيملأ الأرض عدلا.
وكان أبو المنصور العجليّ يقول بانتظار محمّد بن عليّ الباقر، ويدّعي أنّه خليفة، وأنّه عرج به إلى السّماء، فمسح الرّبّ بيده على رأسه، وزعم أنّه الكسف السّاقط من السّماء.
ومنهم طائفة يقال لها: الجناحيّة، وهم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، ويقولون: إنّ روح الإله دارت في أصلاب الأنبياء والأولياء إلى أن انتهى إلى عبد الله، وأنّه لم يمت، وهو المنتظر.
ومنهم: طائفة يقال لها الغرابيّة، يثبتون شركة عليّ في النّبوّة.
وطائفة يقال لها المفوّضة، يقولون: إنّ الله ﷿ خلق محمّدا، ثمّ فوّض خلق العالم إليه، وطائفة يقال لها: الذّماميّة، يذمّون جبريل، ويقولون: كان مأمورا بالنّزول على عليّ، فنزل على محمّد.
ومنهم من يقول: إنّ أبا بكر ظلم فاطمة ميراثها.
وقد روّينا عن السّفّاح أنّه خطب يوما، فقام رجل من آل عليّ ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، أعنّي على من ظلمني. قال: ومن ظلمك؟ قال: أنا من أولاد عليّ ﵁، والّذي
[ ١٤٤ ]
ظلمني أبو بكر ﵁ حين أخذ فدك من فاطمة. قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم. قال:
ومن قام بعده؟ قال: عمر ﵁. قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم. ومن قام بعده؟ قال:
عثمان ﵁. قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم. قال: ومن قام بعده؟ فجعل يلتفت كذا وكذا، ينظر مكانا يهرب إليه.
قال ابن عقيل: الظّاهر أنّ من وضع مذهب الرّافضة، قصد الطّعن في أصل الدّين والنّبوّة، وذلك أنّ الّذي جاء به رسول الله ﷺ أمر غائب عنّا، وإنّما نثق في ذلك بنقل السّلف، وجودة نظر النّاظرين إلى ذلك منهم، فكأنّنا نظرنا إذا نظر لنا من نثق بدينه وعقله.
فإذا قال قائل: إنّهم أوّل ما بدؤوا بعد موته بظلم أهل بيته في الخلافة، وابنته في إرثها، وما هذا إلّا لسوء اعتقاد في المتوفّى، فإنّ الاعتقادات الصّحيحة سيّما في الأنبياء توجب حفظ قوانينهم بعدهم لا سيّما في أهليهم وذرّيتهم، فإذا قالت الرّافضة: إنّ القوم استحلّوا هذا بعده، خابت آمالنا في الشّرع؛ لأنّه ليس بيننا وبينه إلّا النّقل عنهم، والثّقة بهم.
فإذا كان هذا محصول ما حصل لهم بعد موته، خبنا في المنقول، وزالت ثقتنا فيما عوّلنا عليه من اتّباع ذوي العقول، ولم نأمن أن يكون القوم لم يروا ما يوجب اتّباعه، فراعوه مدّة الحياة، وانقلبوا عن شريعته بعد الوفاة، ولم يبق على دينه إلّا الأقلّ من أهله، فطاحت الاعتقادات، وضعفت النّفوس عن قبول الرّوايات في الأصل، وهو المعجزات، فهذا من أعظم المحن على الشّريعة.
قال المصنف: وغلوّ الرّافضة في حبّ عليّ ﵁ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله، أكثرها تشينه وتؤذيه، وقد ذكرت منها جملة في كتاب: «الموضوعات».
منها: «أنّ الشّمس غابت ففاتت عليّا صلاة العصر، فردّت له الشّمس»، وهذا من حيث النّقل موضوع، لم يروه ثقة، ومن حيث المعنى فإنّ الوقت قد فات، وعودها طلوع متجدّد، فلا يردّ الوقت.
[ ١٤٥ ]
وكذلك وضعوا: «أنّ فاطمة اغتسلت، ثمّ ماتت، وأوصت أن تكتفي بذلك الغسل»، وهذا من حيث النّقل كذب، ومن حيث المعنى قلّة فهم؛ لأنّ الغسل عن حدث الموت، فكيف يصحّ قبله، ثمّ لهم خرافات لا يسندونها إلى مستند، ولهم مذاهب في الفقه ابتدعوها، وخرافات تخالف الإجماع.
فنقلت منها مسائل من خطّ بن عقيل. قال: نقلتها من كتاب المرتضى فيما انفردت به الإماميّة.
منها: أنّه لا يجوز السّجود على ما ليس بأرض، ولا من نبات الأرض، فأمّا الصّوف، والجلود، والوبر، فلا.
وأنّ الاستجمار لا يجزئ في البول، بل في الغائط خاصّة، ولا يجزئ مسح الرّأس إلّا بباقي البلل الّذي في اليد، فإن استأنف للرّأس بللا مستأنفا، لم يجزه حتّى لو نشفت يده من البلل، احتاج إلى استئناف الطّهارة.
وانفردوا بتحريم من زني بها وهي تحت زوج أبدا، فلو طلّقها زوجها، لم تحلّ للزّاني بها بنكاح أبدا.
وحرّموا الكتابيّات، وأنّ الطّلاق المعلّق على شرط لا يقع، وإن وجد شرطه، وأنّ الطّلاق لا يقع إلّا بحضور شاهدين عدلين.
وأنّ من نام عن صلاة العشاء إلى أن مضى نصف اللّيل، وجب عليه إذا استيقظ القضاء، وأن يصبح صائما؛ كفّارة لذلك التّفريط، وأنّ المرأة إذا جزّت شعرها، فعليها الكفّارة مثل قتل الخطإ، وأنّ من شقّ ثوبه في موت ابن له، أو زوجة فعليه كفّارة يمين، وأنّ من تزوّج امرأة، ولها زوج وهو لا يعلم، لزمه الصّدقة بخمسة دراهم.
وأنّ شارب الخمر إذا حدّ ثانية، قتل في الثّالثة، ويحدّ شارب الفقّاع كشارب الخمر،
[ ١٤٦ ]
وأنّ قطع السّارق من أصول الأصابع، ويبقى له الكفّ، فإن سرق مرّة أخرى، قطعت الرّجل اليسرى، فإن سرق الثّالثة، خلّد في الحبس إلى أن يموت.
وحرّموا السمك الجري، وذبائح أهل الكتاب، واشترطوا في الذّبح استقبال القبلة في مسائل كثيرة يطول ذكرها، خرقوا فيها الإجماع، وسوّل لهم إبليس وضعها على وجه لا يستندون فيه إلى أثر، ولا قياس، بل إلى الواقعات.
ومقابح الرّافضة أكثر من أن تحصى، وقد حرّموا الصّلاة لكونهم لا يغسلون أرجلهم في الوضوء، والجماعة؛ لطلبهم إماما معصوما، وابتلوا بسبّ الصّحابة.
وفي «الصّحيحين» عن رسول الله ﵌ قال: «لا تسبّوا أصحابي، فإنّ أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» (^١).
وقد أخبرنا محمّد بن عبد الملك، ويحيى بن عليّ، قالا: أخبرنا محمّد بن أحمد بن المسلمة، نا أبو ظاهر المخلّص، ثنا البغويّ، ثنا محمّد بن عبّاد المكيّ، ثنا محمّد بن طلحة المدينيّ، عن عبد الرّحمن بن سالم بن عبد الله بن عويم بن ساعدة، عن أبيه، عن جدّه، قال:
قال رسول الله ﵌: «الله اختارني، واختار لي أصحابا، فجعل لي منهم وزراء، وأنصارا، وأصهارا، فمن سبّهم فعليه لعنة الله، والملائكة، والنّاس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا، ولا عدلا» (^٢).
قال المصنف: والمراد ب «العدل»: الفريضة. والصّرف: النّافلة.
أخبرنا أبو البركات بن عليّ البزّاز، نا أبو بكر الطريثيثي، نا هبة الله بن الحسن الطّبريّ، نا عبيد الله بن محمّد بن أحمد، نا عليّ بن محمّد بن أحمد بن يزيد الرّياحي، ثنا أبي، ثنا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد ﵁.
(٢) أخرجه الطبرانيّ في «المعجم الأوسط» (١/ ١٤٤) من حديث ابن عبّاس ﵁، وحسّنه الألبانيّ في «صحيح الجامع» (٦٢٨٥)، ولفظه: «من سبّ أصحابي، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين».
[ ١٤٧ ]
الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سويد بن غفلة، قال: مررت بنفر من الشّيعة يتناولون أبا بكر وعمر ﵄، وينتقصونهما، فدخلت على عليّ بن أبي طالب فقلت: يا أمير المؤمنين، مررت بنفر من أصحابك يذكرون أبا بكر وعمر ﵄ بغير الّذي هما له أهل، ولولا أنّهم يرون أنّك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا ما اجترؤوا على ذلك.
قال عليّ: أعوذ بالله، أعوذ بالله أن أضمر لهما إلّا الّذي ائتمنني النّبيّ عليه، لعن الله من أضمر لهما إلّا الحسن الجميل، أخوا رسول الله، وصاحباه، ووزيراه، رحمة الله عليهما.
ثمّ نهض دامع العينين يبكي قابضا على يدي حتّى دخل المسجد، فصعد المنبر، وجلس عليه متمكّنا قابضا على لحيته، وهو ينظر فيها، وهي بيضاء، حتّى اجتمع لنا النّاس، ثمّ قام فتشهّد بخطبة موجزة بليغة.
ثمّ قال: ما بال أقوام يذكرون سيّدي قريش، وأبوي المسلمين بما أنا عنه متنزّه، وممّا قالوه بريء، وعلى ما قالوه معاقب، أما والّذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة، لا يحبّهما إلّا مؤمن تقيّ، ولا يبغضهما إلّا فاجر شقيّ، صحبا رسول الله ﷺ على الصّدق والوفاء، يأمران وينهيان، ويغضبان ويعاقبان، فما يتجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ، ولا كان رسول الله ﷺ يرى غير رأيهما، ولا يحبّ كحبّهما أحدا، مضى رسول الله ﷺ وهو راض عنهما، ومضيا والمؤمنون عنهما راضون.
أمّره رسول الله ﷺ على صلاة المؤمنين، فصلّى بهم تسعة أيّام في حياة رسول الله ﷺ، فلمّا قبض الله نبيّه، واختار له ما عنده، ولّاه المؤمنون ذلك، وفوّضوا إليه الزّكاة، ثمّ أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، وأنا أوّل من سنّ له ذلك من بني عبد المطّلب، وهو لذلك كاره، يودّ لو أنّ منّا أحدا كفاه ذلك، وكان - والله - خير من أبقى أرحمه رحمة، وأرأفه رأفة، وأسنه ورعا، وأقدمه سنّا وإسلاما، شبّهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفوا ووقارا، فسار بسيرة رسول الله ﷺ حتّى مضى على
[ ١٤٨ ]
ذلك، ﵀ عليه.
ثمّ ولي الأمر بعده عمر ﵁، وكنت فيمن رضي، فأقام الأمر على منهاج رسول الله ﷺ وصاحبه، يتبع أثرهما كما يتبع الفصيل أثر أمّه، وكان - والله - رفيقا رحيما بالضّعفاء، ناصرا للمظلومين على الظّالمين، لا يأخذه في الله لومة لائم، وضرب الله الحقّ على لسانه، وجعل الصّدق من شأنه حتّى إن كنّا لنظنّ أنّ ملكا ينطق على لسانه، أعزّ الله بإسلامه الإسلام، وجعل هجرته للدّين قواما، وألقى له في قلوب المنافقين الرّهبة، وفي قلوب المؤمنين المحبّة، شبّهه رسول الله ﵌ بجبريل فظّا غليظا على الأعداء.
فمن لكم بمثلهما، ﵀ عليهما، ورزقنا المضيّ في سبيلهما، فمن أحبّني فليحبّهما، ومن لم يحبّهما فقد أبغضني، وأنا منه بريء، ولو كنت تقدّمت إليكم في أمرهما لعاقبت في هذا أشدّ العقوبة، ألا فمن أتيت به يقول بعد هذا اليوم، فإنّ عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمّة بعد نبيّها: أبو بكر، وعمر ﵄، ثمّ الله أعلم بالخير أين هو؟ أقول قولي، وأستغفر الله لي ولكم.
أخبرنا سعد الله بن عليّ، نا الطريثيثي، نا هبة الله الطّبريّ، نا محمّد بن عبد الرّحمن، نا البغويّ، ثنا سويد بن سعيد، نا محمّد بن خازم، عن أبي جناب الكلبيّ، عن أبي سليمان الهمداني، عن عليّ - كرّم الله وجهه - قال: يخرج في آخر الزّمان قوم لهم نبز يقال لهم الرّافضة، ينتحلون شيعتنا، وليسوا من شيعتنا، وآية ذلك أنّهم يشتمون أبا بكر وعمر ﵄، أينما أدركتموهم فاقتلوهم أشدّ القتل، فإنّهم مشركون.