قال المصنّف: أصل هذه الكلمة (أعني الصّابئين) من قولهم: صبأت: إذا خرجت من شيء إلى شيء. وصبأت النّجوم: إذا ظهرت. وصبأ به: إذا خرج. والصّابئون: الخارجون من دين إلى دين. وللعلماء في مذهبهم عشرة أقوال:
أحدها: أنّهم قوم بين النّصارى والمجوس. رواه سالم، عن سعيد بن جبير، وليث، عن مجاهد.
والثّاني: أنّهم بين اليهود والمجوس. رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
والثّالث: أنّهم بين اليهود والنّصارى. رواه القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد.
والرّابع: أنّهم صنف من النّصارى، ألين قولا منهم، رواه أبو صالح، عن ابن عبّاس.
والخامس: أنّهم قوم من المشركين، لا كتاب لهم. رواه القاسم أيضا عن مجاهد.
والسّادس: أنّهم كالمجوس. قاله الحسن.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٥٣)، ومسلم (٢٠٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١١٠ ]
والسّابع: أنّهم فرقة من أهل الكتاب، يقرءون الزّبور. قاله أبو العالية.
والثّامن: أنّهم قوم يصلّون إلى القبلة، ويعبدون الملائكة، ويقرءون الزّبور. قاله قتادة ومقاتل.
والتّاسع: أنّهم طائفة من أهل الكتاب. قاله السّدّيّ.
والعاشر: أنّهم كانوا يقولون: لا إله إلّا الله، وليس لهم عمل، ولا كتاب، ولا نبيّ إلّا قول: لا إله إلّا الله. قاله ابن زيد.
قال المصنّف: هذه أقوال المفسّرين.
فأما المتكلّمون فقالوا: مذهب الصّابئين تختلف؛ فمنهم من يقول: إنّ هناك هيوليّ، كان لم يزل، ولم يزل يصنع الصانع العالم من ذلك الهيوليّ.
وقال أكثرهم: العالم ليس بمحدث. وسمّوا الكواكب ملائكة، وسمّاها قوم منهم آلهة، وعبدوها، وبنوا لها بيوت عبادات، وهم يدّعون أنّ بيت الله الحرام واحد منها، وهو بيت زحل، وزعم بعضهم أنّه لا يوصف الله ﷿ إلّا بالنّفي دون الإثبات.
فيقال: ليس بمحدث، ولا موات، ولا جاهل، ولا عاجز. قالوا: لئلّا يقع تشبيه.
ولهم تعبّدات في شرائع:
منها: أنّهم زعموا أنّ عليهم ثلاث صلوات في كلّ يوم:
أولها: ثمان ركعات.
وثلاث سجدات في كلّ ركعة، وانقضاء وقتها عند الشّمس.
والثّاني: خمس ركعات.
والثّالث: كذلك.
[ ١١١ ]
وعليهم صيام شهر، أوّله الثمان ليال يمضين من آذار، وسبعة أيّام، أولها التسع يبقين من كانون الأوّل، وسبعة أيّام أوّلها الثمان ليال يمضين من شباط، ويختمون صيامهم بالصّدقة والذّبائح، وحرّموا لحم الجزور، في خرافات يضيع الزّمان بذكرها.
وزعموا أنّ الأرواح الخيّرة تصعد إلى الكواكب الثّابتة، وإلى الضّياء، وأنّ الشرّيرة تنزل إلى أسفل الأرض وإلى الظّلمة.
وبعضهم يقول: هذا العالم لا يفنى، وإنّ الثّواب والعقاب في التّناسخ، ومثل هذه المذاهب لا يحتاج إلى تكلّف في ردّها؛ إذ هي دعاوى بلا دليل، وقد حسّن إبليس لأقوام من الصّابئين أنّهم رأوا الكمال في تحصيل مناسبة بينهم وبين الرّوحانيّات العلويّة باستعمال الطّهارات، وقوانين ودعوات، واشتغلوا بالتّنجيم والتّبخير.
وقالوا: لابدّ من متوسّط بين الله وبين خلقه من تعريف المعارف، والإرشاد للمصالح، إلّا أنّ ذلك المتوسّط ينبغي أن يكون روحانيّا لا جسمانيّا.
قالوا: فنحن نحصّل لأنفسنا مناسبة قدسيّة بيننا، فيكون ذلك وسيلة لنا إليه، وهؤلاء لا ينكرون بعث الأجساد.