قال المصنّف: تلبيسه عليهم كثير؛ فمن ذلك أنّه أوهمهم أنّ الخالق سبحانه جوهر، فقالت اليعقوبيّة - أصحاب يعقوب - والملكيّة - أهل دين الملك - والنّسطوريّة أصحاب نسطورس: إنّ الله جوهر واحد، أقانيم ثلاثة (^١)، فهو واحد في الجوهريّة، ثلاثة في الأقنوميّة؛ فأحد الأقانيم عندهم: الأب، والآخر: ابن، والآخر: روح القدس.
فبعضهم يقول: الأقانيم خواصّ، وبعضهم يقول: صفات، وبعضهم يقول: أشخاص، وهؤلاء قد نسوا أنّه لو كان الإله جوهرا لجاز عليه ما يجوز على الجوهر من التّحيّز بمكان
_________________
(١) الأقانيم: جمع أقنوم: وهي كلمة يونانية الأصل، ومعناه: الشخص المتميز.
[ ١٠٨ ]
والتحرّك والسّكون والأوان (^١) ثمّ سوّل لبعضهم أنّ المسيح هو الله.
قال أبو محمّد النّوبختي: زعمت الملكيّة واليعقوبيّة أنّ الّذي ولدته مريم، هو الإله، وسوّل الشّيطان لبعضهم أنّ المسيح ابن الله.
وقال لبعضهم: المسيح جوهران: أحدهما قديم، والآخر محدث، ومع قولهم هذا في المسيح يقرّون بحاجته إلى الطّعام، ولا يختلفون في هذا، وفي أنّه صلب، ولم يقدر على الدّفع عن نفسه.
ويقولون: إنّما فعل هذا بالنّاسوت، فهلّا دفع عن النّاسوت ما فيه من اللّاهوت.
ثمّ لبّس عليهم أمر نبيّنا محمّد ﷺ حتّى جحدوه بعد ذكره في الإنجيل، ومن الكتابيّين من يقول عن نبيّنا: إنّه نبيّ إلّا أنّه مبعوث إلى العرب خاصّة، وهذا تلبيس من إبليس، استغفلهم فيه؛ لأنّه متى ثبت أنّه نبيّ، فالنّبيّ لا يكذب، وقد قال: «بعثت إلى النّاس كافّة» (^٢)، وقد «كتب إلى قيصر وكسرى، وسائر ملوك الأعاجم» (^٣).