قال المصنف: كان الوعّاظ في قديم الزّمان علماء فقهاء، وقد حضر مجلس عبيد بن عمير عبد الله بن عمر ﵄، وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاصّ.
[ ١٧٨ ]
ثمّ خسّت هذه الصّناعة، فتعرّض لها الجهّال، فبعد عن الحضور عندهم المميّزون من النّاس، وتعلّق بهم العوام والنّساء، فلم يتشاغلوا بالعلم، وأقبلوا على القصص وما يعجب الجهلة، وتنوّعت البدع في هذا الفنّ.
وقد ذكرنا آفاتهم في كتاب القصّاص والمذكّرين، إلّا أنّا نذكر هنا جملة، فمن ذلك:
أنّ قوما منهم كانوا يضعون أحاديث التّرغيب والتّرهيب، ولبّس عليهم إبليس: بأنّنا نقصد حثّ النّاس على الخير، وكفّهم عن الشّرّ، وهذا افتيات منهم على الشّريعة؛ لأنّها عندهم على هذا الفعل ناقصة تحتاج إلى تتمة، ثمّ نسوا قوله ﷺ: «من كذب عليّ متعمّدا، فليتبوّا مقعده من النّار» (^١).
ومن ذلك أنّهم تلمّحوا ما يزعج النّفوس، ويطرب القلوب، فنوّعوا فيه الكلام، فتراهم ينشدون الأشعار الرّائقة الغزليّة في العشق.
ولبّس عليهم إبليس: بأنّنا نقصد الإشارة إلى محبّة الله ﷿، ومعلوم أنّ عامّة من يحضرهم العوام الّذين بواطنهم مشحونة بحبّ الهوى، فيضلّ القاصّ ويضلّ. ومن ذلك من يظهر من التّواجد والتّخاشع زيادة على ما في قلبه، وكثرة الجمع توجب زيادة تعمل، فتسمح النّفس بفضل بكاء وخشوع، فمن كان منهم كاذبا، فقد خسر الآخرة، ومن كان صادقا، لم يسلم صدقه من رياء يخالطه.
ومنهم: من يتحرّك الحركات الّتي يوقع بها على قراءة الألحان، والألحان الّتي قد أخرجوها اليوم مشابهة للغناء، فهي إلى التّحريم أقرب منها إلى الكراهة، والقارئ يطرب، والقاصّ ينشد الغزل مع تصفيق بيديه، وإيقاع برجليه، فتشبه السّكر، ويوجب ذلك تحريك الطّباع، وتهييج وصياح الرّجال والنّساء، وتمزيق الثّياب لما في النّفوس من دفائن الهوى،
_________________
(١) أخرجه البخاري مطوّلا (١١٠)، ومسلم في المقدمة (٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٧٩ ]
ثمّ يخرجون، فيقولون: كان المجلس طيبا، ويشيرون بالطّيبة إلى ما لا يجوز.
ومنهم: من يجري في مثل تلك الحالة الّتي شرحناها، لكنّه ينشد أشعار النّوح على الموتى، ويصف ما يجري لهم من البلاء، ويذكر الغربة، ومن مات غريبا، فيبكي بها النّساء، ويصير المكان كالمأتم، وإنّما ينبغي أن يذكر الصّبر على فقد الأحباب، لا ما يوجب الجزع.
ومنهم: من يتكلّم في دقائق الزّهد، ومحبّة الحقّ سبحانه، فلبّس عليه إبليس: إنّك من جملة الموصوفين بذلك؛ لأنّك لم تقدر على الوصف حتّى عرفت ما تصف، وسلكت الطّريق، وكشف هذا التّلبيس أنّ الوصف علم، والسّلوك غير العلم.
ومنهم: من يتكلّم بالطّامات والشّطح الخارج عن الشّرع، ويستشهد بأشعار العشق، وغرضه أن يكثر في مجلسه الصّياح ولو على كلام فاسد.
وكم منهم من يزوّق عبارة لا معنى تحتها، وأكثر كلامهم اليوم في موسى، والجبل، وزليخا، ويوسف، ولا يكادون يذكرون الفرائض، ولا ينهون عن ذنب، فمتى يرجع صاحب الزّنا، ومستعمل الرّبا، وتعرف المرأة حقّ زوجها، وتحفظ صلاتها، هيهات، هؤلاء تركوا الشّرع وراء ظهورهم، ولهذا نفقت سلعهم؛ لأنّ الحقّ ثقيل، والباطل خفيف.
ومنهم: من يحثّ على الزّهد، وقيام اللّيل، ولا يبيّن للعامّة المقصود، فربّما تاب الرّجل منهم، وانقطع إلى زاوية، أو خرج إلى جبل، فبقيت عائلته لا شيء لهم.
ومنهم: من يتكلّم في الرّجاء والطّمع من غير أن يمزج ذلك بما يوجب الخوف والحذر، فيزيد النّاس جرأة على المعاصي، ثمّ يقوى ما ذكر بميله إلى الدّنيا من المراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، فيفسد القلوب بقوله وفعله.
[ ١٨٠ ]