منهم: من يلبّس عليه في النّيّة، فتراه يقول: أرفع الحدث، ثمّ يقول: أستبيح الصّلاة، ثمّ يعيد، فيقول: أرفع الحدث. وسبب هذا التّلبيس: الجهل بالشّرع؛ لأنّ النّيّة بالقلب لا باللّفظ، فتكلّف اللّفظ أمر لا يحتاج إليه، ثمّ لا معنى لتكرار اللّفظ.
ومنهم: من يلبّس عليه بالنّظر في الماء المتوضّأ به، فيقول: من أين لك أنّه طاهر، ويقدّر له فيه كلّ احتمال بعيد، وفتوى الشّرع تكفيه بأنّ أصل الماء الطّهارة، فلا يترك الأصل بالاحتمال.
ومنهم: من يلبّس عليه بكثرة استعمال الماء، وذلك يجمع أربعة أشياء مكروهة:
الإسراف في الماء.
وتضييع العمر القيم فيما ليس بواجب، ولا مندوب.
والتّعاطي على الشّريعة إذ لم يقنع بما قنعت به من استعمال الماء القليل.
والدّخول فيما نهت عنه من الزّيادة على الثّلاث، وربّما أطال الوضوء، ففات وقت الصّلاة، أو فات أوّله، وهو الفضيلة، أو فاتته الجماعة.
[ ١٩٦ ]
وتلبيس إبليس على هذا بأنّك في عبادة ما لم تصحّ، لا تصحّ الصّلاة، ولو تدبّر أمره لعلم أنّه في مخالفة وتفريط، وقد رأينا من ينظر في هذه الوساوس، ولا يبالي بمطعمه ومشربه، ولا يحفظ لسانه من غيبة، فليته قلّب الأمر.
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «أنّ النّبيّ ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضّأ، فقال: «ما هذا السّرف يا سعد؟». قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جار» (^١).
وفي الحديث عن أبيّ، عن النّبيّ ﷺ قال: «للوضوء شيطان يقال له: الولهان، فاتّقوه».
أو قال: «فاحذروه» (^٢).
وعن الحسن ﵁ قال: شيطان الوضوء يدعى الولهان يضحك بالنّاس في الوضوء.
وبإسناد مرفوع إلى أبي نعامة، أنّ عبد الله بن مغفّل سمع ابنه يقول: اللهمّ إنّي أسألك الفردوس، وأسألك القصر الأبيض عن يمين الجنّة إذا دخلتها، فقال عبد الله: سل الله الجنّة، وتعوّذ به من النّار، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمّة قوم يعتدون في الدّعاء والطّهور» (^٣).
وعن ابن شوذب، قال: كان الحسن يعرّض بابن سيرين، يقول: يتوضّأ أحدهم بقربة، ويغتسل بمزادة صبّا صبّا، ودلكا دلكا، تعذيبا لأنفسهم، وخلافا لسنّة نبيّهم ﷺ.
وكان أبو الوفاء بن عقيل يقول: أجلّ محصول عند العقلاء الوقت، وأقلّ متعبّد به الماء. وقد قال ﷺ: «صبّوا على بول الأعرابيّ ذنوبا من ماء» (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥)، وضعّفه الألبانيّ في «الإرواء» (١٤٠).
(٢) أخرجه الترمذي (٥٧)، وابن ماجه (٤٢١)، وضعّفه الألبانيّ في «ضعيف الجامع» (١٩٧٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٩٦) من حديث عبد الله بن مغفّل ﵁، وصحّحه الألبانيّ في «صحيح الجامع» (٢٣٩٦).
(٤) أخرجه البخاري (٦٠٢٥)، ومسلم (٢٨٤) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ١٩٧ ]
وقال في المنيّ: «أمطه عنك بإذخرة» (^١)، وقال في الحذاء: «طهوره بأن يدلك بالأرض» (^٢)، وفي ذيل المرأة: «يطهره ما بعده» (^٣)، وقال: «يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام» (^٤).
«وكان يحمل ابنة أبي العاص بن الرّبيع في الصّلاة» (^٥). ونهى الرّاعي عن إعلام السّائل له عن الماء يردّه، وقال: «يا صاحب الماء، لا تخبره» (^٦). وقال: «ما أبقيت لنا من طهور؟».
«وقد صافح رسول الله ﷺ الأعراب، وركب الحمار معروريّا» (^٧).
وما عرف من خلقه التّعبّد بكثرة الماء، وتوضّأ من سقاية المسجد، ومعلوم حال الأعراب الّذين يأتي أحدهم من البادية كأنّه بهيمة، أو ما سمعت أنّ أحدهم أقدم على البول في المسجد، كلّ ذلك لتعليمنا، وإعلامنا أنّ الماء على أصل الطّهارة، وتوضّأ من غدير كأنّ ماءه نقاعة الحنّاء (^٨).
فأمّا قوله: «استنزهوا من البول» (^٩)، فإنّ للتّنزّه حدّا معلوما، وهو ألّا يغفل عن محلّ قد أصابه حتّى يتبعه الماء، فأمّا الاستنثار، فإنّه إذا علق نما، وانقطع الوقت بما لا يقضي بمثله الشّرع.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١١٧)، وقال الألبانيّ في «الضعيفة» (٩٤٨): منكر مرفوع.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁، وصحّحه الألبانيّ في «صحيح أبي داود» (٣٧١).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٨٣) من حديث أمّ سلمة ﵂، وصحّحه الألبانيّ في «صحيح أبي داود» (٣٦٩).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٧٧) من حديث عليّ ﵁، وصحّحه الألبانيّ في «صحيح الجامع» (٨١١٧).
(٥) أخرجه البخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣) من حديث أبي قتادة ﵁.
(٦) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٦)، وضعّفه الألبانيّ في «تمام المنة» (ص ٤٨).
(٧) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (١/ ٢٧٠) عن حمزة بن عبد الله بن عتبة مرسلا، وضعّفه الألبانيّ في «ضعيف الجامع» (٤٥٤٩).
(٨) انظر: «تلخيص الحبير» (١٤، ١/ ١٣).
(٩) أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٧) من حديث أنس ﵁، وصحّحه الألبانيّ في «صحيح الجامع» (٣٠٠٢).
[ ١٩٨ ]
قال المصنّف: وكان أسود بن سالم، وهو من كبار الصّالحين يستعمل ماء كثيرا في وضوئه، ثمّ ترك ذلك، فسأله رجل عن سبب تركه، فقال: نمت ليلة، فإذا بهاتف يهتف بي:
يا أسود، ما هذا؟ فإنّ يحيى بن سعيد الأنصاريّ حدّثني عن سعيد بن المسيّب، قال: إذا جاوز الوضوء ثلاثا، لم يرفع إلى السّماء. قال: قلت: لا أعود، لا أعود، فأنا اليوم يكفيني كفّ من ماء.