قال المصنف: فإن قال قائل: قد عبت طريق المقلّدين في الأصول، وطريق المتكلّمين، فما الطّريق السّليم من تلبيس إبليس؟
_________________
(١) المراد بقوله: «من غير تفسير» أي التفسير المذموم، أما تفسير المعنى الصحيح الذي حفظ عن السلف، فهو مطلب شرعي، أما ما يتعلق بحديث الصحيحين: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن …». الحديث. ففيه إثبات الأصابع للرحمن ﵎، وهي صفة ذاتية حقيقية، لا يجوز تأويلها تأويلا فاسدا، كما فعل الأشاعرة ومن لفّ لفّهم، ولا تعطيلها، بجحدها وإنكارها، كما فعلت الجهمية المعطلة، وأفراخهم المعتزلة. [زيد المدخلي].
(٢) أخرجه الترمذي (١٦٤١) من حديث كعب بن مالك ﵁. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٥٥٩).
[ ١٣١ ]
فالجواب: أنّه ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعوهم بإحسان من إثبات الخالق سبحانه، وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات والأخبار، من غير تفسير (^١)، ولا بحث عمّا ليس في قوّة البشر إدراكه، وأنّ القرآن كلام الله غير مخلوق.
قال عليّ كرّم الله وجهه: والله ما حكّمت مخلوقا؛ إنّما حكّمت القرآن، وإنّه المسموع؛ لقوله ﷿: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦]، وإنّه في المصاحف؛ لقوله ﷿: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ (٣) [الطور: ٣]، ولا نتعدّى مضمون الآيات، ولا نتكلّم في ذلك برأينا.
وقد كان أحمد بن حنبل ينهى أن يقول الرّجل: لفظي بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق؛ لئلّا يخرج عن الاتّباع للسّلف إلى ما حدث.
والعجب ممّن يدّعي اتّباع هذا الإمام، ثمّ يتكلّم في المسائل المحدثة.
أخبرنا سعد الله بن عليّ البزّاز، نا أبو بكر الطّريثيثي، نا هبة الله بن الحسن الطّبريّ، نا أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه، نا عمر بن أحمد الواعظ، ثنا محمّد بن هارون الحضرميّ، ثنا القاسم بن العبّاس الشّيباني، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال:
أدركت تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر.
وقال مالك بن أنس: من قال: القرآن مخلوق - فيستتاب، فإن تاب، وإلّا ضربت عنقه.
أخبرنا أبو البركات بن عليّ البزّاز، نا أحمد بن عليّ الطّريثيثي، نا هبة الله الطّبريّ، ثنا محمّد بن أحمد بن القاسم، ثنا أحمد بن عثمان، ثنا محمّد بن ماهان، ثنا عبد الرّحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن جعفر بن برقان، أنّ عمر بن عبد العزيز، قال لرجل: وسأله عن
_________________
(١) أي من غير تفسير مذموم، يخرج النص عن معناه الصحيح، وليس المقصود أن نصوص الأسماء والصفات لا تفسر بمعانيها الصحيحة، بل تفسّر على مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأنها نصوص محكمات. [زيد المدخلي].
[ ١٣٢ ]
الأهواء، فقال: عليك بدين الصّبيّ في الكتّاب والأعرابيّ، واله عمّا سواهما.
قال ابن مهديّ: وثنا عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعيّ، قال: قال عمر بن عبد العزيز:
إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامّة، فاعلم أنّهم على تأسيس ضلالة.
أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أبو نعيم الحافظ، ثنا محمّد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا خلّاد بن يحيى، عن سفيان الثّوريّ: قال: بلغني عن عمر أنّه كتب إلى بعض عمّاله: أوصيك بتقوى الله ﷿، واتّباع سنّة رسوله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم، وترك ما أحدث المحدثون بعده بما كفوا مؤنته؛ واعلم أنّ من سنّ السّنن قد علم ما في خلافها من الخطأ والزّلل والتّعمّق، فإنّ السّابقين الماضين عن علم توقّفوا، وتبصّر ناقد قد كفوا.
وفي رواية أخرى عن عمر: وأنّهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وما أحدث إلّا من اتّبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا.
أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا حمد بن أحمد، نا أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا بشر بن موسى، ثنا عبد الصّمد بن حسّان، قال: سمعت سفيان الثّوريّ يقول: عليكم بما عليه الحمّالون، والنّساء في البيوت، والصّبيان في الكتّاب، من الإقرار والعمل.
قال المصنّف: فإن قال قائل: هذا مقام عجز لا مقام الرّجال، فقد أسلفنا جواب هذا، وقلنا: إنّ الوقوف على العمل ضرورة؛ لأنّ بلوغ ما يشفي العقل من التّعليل لم يدركه من غاص من المتكلّمين في البحار، فلذلك أمروا بالوقوف على السّاحل كما ذكرنا عنهم.
[ ١٣٣ ]