وقد لبّس إبليس على الكاملين في العلوم، فيسهرون ليلهم، ويدأبون نهارهم في تصانيف العلوم، ويريهم إبليس أنّ المقصود نشر الدّين، ويكون مقصودهم الباطن انتشار الذّكر، وعلوّ الصّيت والرّياسة، وطلب الرّحلة من الآفاق إلى المصنّف.
وينكشف هذا التّلبيس بأنّه لو انتفع بمصنّفاته النّاس من غير تردّد إليه، أو قرئت على نظيره في العلم، فرح بذلك إن كان مراده نشر العلم، وقد قال بعض السّلف: ما من علم علمته إلّا أحببت أن يستفيده النّاس من غير أن ينسب إليّ.
ومنهم: من يفرح بكثرة الأتباع، ويلبّس عليه إبليس بأنّ هذا الفرح لكثرة طلّاب العلم، وإنّما مراده كثرة الأصحاب، واستطارة الذّكر، ومن ذلك العجب بكلماتهم وعلمهم، وينكشف هذا التّلبيس بأنّه لو انقطع بعضهم إلى غيره ممّن هو أعلم منه، ثقل ذلك عليه، وما هذه صفة المخلص في التّعليم؛ لأنّ مثل المخلص مثل الأطبّاء الّذين يداوون المرضى لله ﷾، فإذا شفي بعض المرضى على يد طبيب منهم، فرح الآخر.
[ ١٨٨ ]
وقد ذكرنا آنفا حديث ابن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين ومئة من أصحاب النّبيّ ﷺ من الأنصار ما منهم رجل يسأل عن شيء إلّا ودّ أنّ أخاه كفاه، ولا يحدّث بحديث إلّا ودّ أنّ أخاه كفاه.
قال المصنّف: وقد يتخلّص العلماء الكاملون من تلبيسات إبليس الظّاهرة، فيأتيهم بخفيّ من تلبيسه بأن يقول له: ما لقيت مثلك، ما أعرفك بمداخلي ومخارجي! فإن سكن إلى هذا، هلك بالعجب، وإن سلم من المسالمة له، سلم.
وقد قال السّريّ السقطيّ: لو أنّ رجلا دخل بستانا فيه من جميع ما خلق الله ﷿ من الأشجار، عليها من جميع ما خلق الله تعالى من الأطيار، فخاطبه كلّ طائر بلغته، وقال:
السّلام عليك يا وليّ الله، فسكنت نفسه إلى ذلك، كان في أيديها أسيرا،
والله الهادي لا إله إلّا هو.
[ ١٨٩ ]