وقد وقف أقوام من الظّواهر فحملوها على مقتضى الحسّ، فقال بعضهم: إنّ الله جسم (^١). وهذا مذهب هشام بن الحكم، وعلي بن منصور، ومحمّد بن الخليل، ويونس بن عبد الرّحمن.
ثمّ اختلفوا، فقال بعضهم: جسم كالأجسام، ومنهم من قال: لا كالأجسام، ثمّ اختلفوا فمنهم من قال: هو نور، ومنهم من قال: هو على هيئة السّبيكة البيضاء.
هكذا كان يقول هشام بن الحكم، وكان يقول: إنّ الإله سبعة أشبار بشبر نفسه - تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا - وأنّه يرى ما تحت الثّرى بشعاع متّصل منه بالمرئيّ.
&
_________________
(١) لم يرد عن السلف وصف الله بالجسم، وليس من أساليبهم نفي الجسم عن الله أو إثباته، وإنما ينفون عن الله ما نفاه عن نفسه من صفات النقص والعيب، كالسّنة والنوم والعجز والفقر ونحوها، مما نفته نصوص الكتاب والسنة، وأخذ به سلف الأمة، وإذ كان الأمر كذلك، فلينهج المسلمون نهج الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة. [زيد المدخلي].
[ ١٢٧ ]
قلت: ما أعجب إلّا من حدّه سبعة أشبار، حتّى علمت أنّه جعله كالأدميّين، والآدميّ طوله سبعة أشبار بشبر نفسه.
وذكر أبو محمّد النّوبختي، عن الجاحظ، عن النّظّام، أنّ هشام بن الحكم قال في التشبيه في سنة واحدة خمسة أقاويل، قطع في آخرها أنّ معبوده بشبر نفسه سبعة أشبار؛ وإنّ قوما قالوا: إنّه على هيئة السّبيكة، وإنّ قوما قالوا: هو على هيئة البلّورة الصّافية المستوية الاستدارة الّتي من حيث أتيتها رأيتها على هيئة واحدة.
وقال هشام: هو متناهي الذّات حتّى قال: إنّ الجبل أكبر منه. قال: وله ماهية يعلمها هو.
قال المصنف: وهذا يلزمه أن يكون له كيفيّة أيضا، وذلك ينقض القول بالتّوحيد، وقد استقرّ أنّ الماهيّة لا تكون إلّا لمن كان ذا جنس، وله نظائر، فيحتاج أن يفرد منها ويبان عنها، والحقّ سبحانه ليس بذي جنس، ولا مثل له، ولا يجوز أن يوصف بأنّ ذاته متناهية، لا على معنى أنّه ذاهب في الجهات بلا نهاية، إنّما المراد أنّه ليس بجسم، ولا جوهر، فتلزمه النّهاية (^١).
وقال النّوبختي: وقد حكى كثير من المتكلّمين أنّ مقاتل بن سليمان، ونعيم بن حمّاد، وداود الحواري يقولون: إنّ الله صورة وأعضاء.
قال المصنف: أترى هؤلاء؛ كيف يثبتون له القدم دون الآدميّين، ولم لا يجوز عليه عندهم، ما يجوز على الآدميّين من مرض أو تلف؟
_________________
(١) قول المؤلف: «والحق سبحانه ليس بذي جسم»، ليس من ألفاظ السلف، بل يقال: «والحق سبحانه ليس كمثله شيء»، وتقدم التنبيه على لفظ الجسم والجوهر، وأنهما ليسا من ألفاظ السلف نفيا ولا إثباتا، وكذلك الحيز والجهة. [زيد المدخلي].
[ ١٢٨ ]
ثمّ يقال لكلّ من ادّعى التّجسيم: بأيّ دليل أثبتّ حدث الأجسام؟ فيدلّك بذلك على أنّ الإله هو الّذي اعتقدته جسما محدثا غير قديم.
ومن قول المجسّمة: إنّ الله ﷿ يجوّز أن يمسّ ويلمس. فيقال لهم: فيجوز على قولكم أن يمسّ ويلمس ويعانق.
وقال بعضهم: إنّه جسم هو فضاء، والأجسام كلّها فيه.
وكان بيان بن سمعان يزعم أنّ معبوده نور كلّه، وأنّه على صورة رجل، وأنّه يهلك جميع أعضائه إلّا وجهه، فقتله خالد بن عبد الله.
وكان المغيرة بن سعيد البجليّ يزعم أنّ معبوده رجل من نور على رأسه تاج من نور، وله أعضاء وقلب تنبع منه الحكمة، وأعضاؤه على صورة حروف الهجاء، وكان هذا يقول بإمامة محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن.
وكان زرارة بن أعين يقول: لم يكن الباري قادرا حيّا عالما في الأزل، حتّى خلق لنفسه هذه الصّفات، تعالى الله عن ذلك.
وقال داود الحواري: هو جسم ولحم ودم، وله جوارح وأعضاء، وهو أجوف من فمه إلى صدره، ومصمت ما سوى ذلك.
ومن الواقفين مع الحسّ أقوام قالوا: هو على العرش بذاته على وجه المماسّة، فإذا نزل انتقل وتحرّك. وجعلوا لذاته نهاية، وهؤلاء قد أوجبوا عليه المساحة والمقدار، واستدلّوا على أنّه على العرش بذاته، بقول النّبيّ ﷺ: «ينزل الله إلى سماء الدّنيا …» (^١). قالوا: ولا ينزل إلّا من هو فوق.
وهؤلاء حملوا نزوله على الأمر الحسّيّ الّذي يوصف به الأجسام، وهؤلاء المشبّهة
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁
[ ١٢٩ ]
الّذين حملوا الصّفات على مقتضى الحسّ (^١)، وقد ذكرنا جمهور كلامهم في كتابنا المسمّى ب «منهاج الوصول إلى علم الأصول».
وربّما تخيّل بعض المشبّهة في رؤية الحقّ يوم القيامة لما يراه في الأشخاص، فيمثله شخصا يزيد حسنه على كلّ حسن، فتراه يتنفّس من الشّوق إليه، ويمثّل الزّيادة، فيزداد توقه، ويتصوّر رفع الحجاب فيقلق، ويتذكر الرّؤية، فيغشى عليه، ويسمع في الحديث أنّه يدني عبده المؤمن إليه، فيتخايل القرب الذّاتي، كما يجالس الجنس، وهذا كلّه جهل بالموصوف.
ومن النّاس من يقول: لله وجه هو صفة زائدة على صفة ذاته، لقوله ﷿: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧].
وله يد، وله أصبع؛ لقول رسول الله ﷺ: «يضع السّماوات على أصبع» (^٢). وله قدم، إلى غير ذلك ممّا تضمّنته الأخبار، وهذا كلّه إنّما استخرجوه من مفهوم الحسّ.
وإنّما الصّواب قراءة الآيات والأحاديث من غير تفسير، ولا كلام فيها، وما يؤمّن هؤلاء أن يكون المراد بالوجه: الذّات، لا أنّه صفة، وعلى هذا فسّر الآية المحقّقون، فقالوا:
ويبقى ربك، وقالوا في قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]: يريدونه، وما يؤمنهم: أن يكون أراد بقوله: «قلوب العباد بين أصبعين» (^٣) أنّ الأصابع لمّا كانت هي المقلّبة للشّيء،
_________________
(١) من صفات الباري - جل وعلا - الفعلية الاستواء على العرش بذاته حقيقة، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، بلا تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل، ولا داعي إلى مناقشة أهل التأويل المذموم، بأساليب أهل علم الكلام، إذ في النصوص من الكتاب والسنة كفاية لطالب الحق، ولم يؤثر عن السلف ذكر المماسة، أو عدم المماسة؛ إذ ليس استواء الخالق العظيم الغني عما سواه، كاستواء المخلوق الضعيف. [زيد المدخلي].
(٢) أخرجه البخاري (٤٨١١)، ومسلم (٢٧٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.
[ ١٣٠ ]
وأنّ ما بين الأصبعين يتصرّف فيه صاحبها كيف شاء، ذكر ذلك لا أنّ ثمّ صفة زائدة (^١).
قال المصنف: والّذي أراه السّكوت عن هذا التّفسير أيضا، إلّا أنّه يجوز أن يكون مرادا، ولا يجوز أن يكون ثمّ ذات تقبل التّجزّؤ والانقسام.
ومن أعجب أحوال الظّاهريّة قول السّالميّة: إنّ الميّت يأكل في القبر، ويشرب، وينكح؛ لأنّهم سمعوا بنعيم، ولم يعرفوا من النّعيم إلّا هذا، ولو قنعوا بما ورد في الآثار من أنّ: «أرواح المؤمنين تجعل في حواصل طير تأكل من شجر الجنّة» (^٢)، لسلموا، لكنّهم أضافوا ذلك إلى الجسد.
قال ابن عقيل: ولهذا المذهب مرض يضاهي الاستشعار الواقع للجاهليّة، وما كانوا يقولونه في الهام والصّدى، فالمكالمة لهؤلاء ينبغي أن تكون على سبيل المداراة لاستشعارهم، لا على وجه المناظرة؛ فإنّ المقاومة تفسدهم، وإنّما لبّس إبليس على هؤلاء لتركهم البحث عن التّأويل المطابق لأدلّة الشّرع والعقل؛ فإنّه لمّا ورد النّعيم والعذاب للميّت، علم أنّ الإضافة حصلت إلى الأجساد والقبور تعريفا، كأنّه يقول: صاحب هذا القبر الرّوح الّتي كانت في هذا الجسد منعّمة بنعيم الجنّة، معذّبة بعذاب النّار.