قال المصنف: اعلم أنّ القوم أرادوا الانسلال من الدّين، فشاوروا جماعة من المجوس، والمزدكية، والثّنويّة، وملحدة الفلاسفة في استنباط تدبير يخفّف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدّين عليهم حتّى أخرسوهم عن النّطق بما يعتقدونه من إنكار الصّانع، وتكذيب الرّسل، وجحد البعث، وزعمهم أنّ الأنبياء ممخرقون ومنمسون.
ورأوا أمر محمّد ﷺ قد استطار في الأقطار، وأنّهم قد عجزوا عن مقاومته، فقالوا:
سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم أركّهم عقلا، وأحمقهم رأيا، وأقبلهم للمحالات، والتّصديق بالأكاذيب: وهم الرّوافض، فنتحصّن بالانتساب إليهم، ونتودّد إليهم بالحزن على ما جرى على آل محمّد من الظّلم والذّلّ؛ ليمكّننا شتم القدماء الّذين نقلوا إليهم
[ ١٥٤ ]
الشّريعة، فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا، فأمكن استدراجهم إلى الانخداع عن الدّين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار، أوهمناه أنّ تلك الظّواهر لها أسرار وبواطن، وأنّ المنخدع بظواهرها أحمق، وإنّما الفطنة في اعتقاد بواطنها، ثمّ نبثّ إليهم عقائدنا، ونزعم أنّها المراد بظواهرها عندكم، فإذا تكثّرنا بهؤلاء، سهل علينا استدراج باقي الفرق.
ثمّ قالوا: وطريقنا أن نختار رجلا ممّن يساعد على المذهب، ويزعم أنّه من أهل البيت، وأنّه يجب على كلّ الخلق كافّة متابعته، ويتعيّن عليهم طاعته؛ لكونه خليفة رسول الله ﷺ والمعصوم من الخطإ والزّلل من جهة الله ﷿، ثمّ لا تظهر هذه الدّعوة عن القرب من جوار هذا الخليفة الّذي وسمناه بالعصمة، فإنّ قرب الدّار يهتك الأستار.
وإذا بعدت الشّقّة، وطالت المسافة، فمتى يقدر المستجيب للدّعوة أن يفتّش عن حال الإمام، أو يطّلع على حقيقة أمره، وقصدهم بهذا كلّه الملك، والاستيلاء على أموال النّاس، والانتقام منهم لما عاملوهم به من سفك دمائهم، ونهب أموالهم قديما، فهذا غاية مقصودهم، ومبدأ أمرهم.