قال الشّيخ أبو الفرج ﵀: قد بينّا أنّ القوم كانوا يتحذّرون من كلّ بدعة وإن لم يكن بها بأس؛ لئلّا يحدثوا ما لم يكن، وقد جرت محدثات لا تصادم الشّريعة، ولا يتعاطى عليها، فلم يروا بفعلها بأسا كما روي أنّ النّاس كانوا يصلّون في رمضان وحدانا، وكان الرّجل يصلّي فيصلّي بصلاته الجماعة، فجمعهم عمر بن الخطّاب على أبي بن كعب ﵄، فلمّا خرج فرآهم قال: «نعمت البدعة هذه»؛ لأنّ صلاة الجماعة مشروعة.
وإنّما قال الحسن في القصص: نعمت البدعة، كم من أخ يستفاد، ودعوة مستجابة؛ لأنّ الوعظ مشروع، ومتى أسند المحدث إلى أصل مشروع لم يذمّ، فأمّا إذا كانت البدعة
[ ٣٧ ]
كالمتمّم، فقد اعتقد نقص الشّريعة، وإن كانت مضادّة فهي أعظم.
فقد بان بما ذكرنا أنّ أهل السّنّة هم المتّبعون، وأنّ أهل البدعة هم المظهرون شيئا لم يكن قبل، ولا مستند له، ولهذا استتروا ببدعتهم، ولم يكتم أهل السّنّة مذهبهم فكلمتهم ظاهرة، ومذهبهم مشهور، والعاقبة لهم.
أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن عليّ التّميمي، نا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، قال: ثني أبي، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا إسماعيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال ناس من أمّتي ظاهرين حتّى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» في «الصّحيحين» (^١).
أخبرنا هبة الله بن محمّد، نا الحسن بن عليّ التميمي، نا ابن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، قال: ثنا يوسف، ثنا حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ، لا يضرّهم من خذلهم حتّى يأتي أمر الله، وهم كذلك» (^٢)، انفرد به مسلم.
وقد روى هذا المعنى عن النّبيّ ﷺ: معاوية، وجابر بن عبد الله، وقرّة.
أخبرنا الكروخيّ، نا الغورجي والأزديّ، قالا: نا الجراحي، ثنا المحبوبي، ثنا التّرمذيّ، قال: قال محمّد بن إسماعيل: قال عليّ بن المدينيّ: هم أصحاب الحديث.