﷽
الحمد لله الذي سلم ميزان العدل إلى أكف ذوي الألباب.
وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين بالثواب والعقاب.
وأنزل عليهم الكتب مبينة للخطأ والصواب وجعل الشرائع كاملة لا نقص فيها ولا عاب.
أحمده حمد من يعلم أنه مسبب الأسباب.
وأشهد بوحدانيته شهادة مخلص في نيته غير مرتاب.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله، وقد سدل الكفر على وجه الإيمان والحجاب.
فنسخ الظلام بنور الهدى وكشف النقاب.
وبين للناس ما أنزل إليهم، وأوضح مشكلات الكتاب.
وتركهم على المحجة البيضاء لا سرب فيها ولا سراب.
فصلى الله عليه وعلى جميع الآل وكل الأصحاب.
وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الحشر والحساب.
وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فإن أعظم النعم على الإنسان العقل، لأنه الآلة في معرفة الإله سبحانه والسبب الذي يتوصل به إلى تصديق الرسل، إلا أنه لما لم ينهض بكل
[ ٩ ]
المراد من العبد، بعثت الرسل وأنزلت الكتب، فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس.
ولما ثبت عند العقل أقوال الأنبياء الصادقة بدلائل المعجزات الخارقة، سلم إليهم واعتمد فيما يخفى عنه عليهم.
ولما أنعم الله على هذا العالم الإنسي بالعقل افتتحه الله بنبوة أبيهم آدم ﵇.
فكان يعلمهم عن وحي الله ﷿ فكانوا على الصواب إلى أن انفرد قابيل بهواه فقتل أخاه ثم تشعبت الأهواء بالناس فشردتهم في بيداء الضلال حتى عبدوا الأصنام واختلفوا في العقائد والأفعال اختلافًا خالفوا فيه الرسل والعقول اتباعا لأهوائهم، وميلا إلى عاداتهم، وتقليدًا لكبرائهم، فصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقًا من المؤمنين.
حكمة بعثة الرسل
واعلم أن الأنبياء جاؤوا بالبيان الكافي، وقابلوا الأمراض بالدواء الشافي، وتوافقوا على منهاج لم يختلف.
فأقبل الشيطان يخلط بالبيان شبهًا، وبالدواء سمًا، وبالسبيل الواضح جردا مضلا، وما زال يلعب بالعقول إلى أن فرق الجاهلية في مذاهب سخيفة، وبدع قبيحة، فأصبحوا يعبدون الأصنام في البيت الحرام، ويحرمون السائبة والبحيرة والوصيلة والحام، ويرون وأد البنات، ويمنعونهن الميراث، إلى غير ذلك من الضلال الذي سوله لهم إبليس فابتعث الله ﷾ محمدا ﷺ، فرفع المقابح، وشرع
[ ١٠ ]
المصالح.
فسار أصحابه معه وبعده في ضوء نوره، سالمين من العدو وغروره.
فلما انسلخ نهار وجودهم.
أقبلت أغباش الظلمات.
فعادت الأهواء تنشئ بدعًا، وتضيق سبيلًا ما زال متسعا، ففرق الأكثرون دينهم وكانوا شيعا، ونهض إبليس يلبس ويزخرف ويفرق ويؤلف وإنما يصح له التلصص في ليل الجهل.
فلو قد طلع عليه صبح العلم افتضح.
فرأيت أن أحذر من مكايده، وأدل على مصايده.
فإن في تعريف الشر تحذيرا عن الوقوع فيه.
ففي الصحيحين من حديث حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر.
مخافة أن يدركني وقد أخبرنا أبو البركات سعد الله بن علي البزار قال أخبرنا أحمد بن علي الطريثيثي قال أخبرنا هبة الله بن حسن الطبري قال أخبرنا محمد بن أحمد بن سهل قال ثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبيد بن يعيش قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا محمد بن إسحق عن الحسن أو الحسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني.
فقيل وكيف؟ فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه كما أخرجها.
حقيقة الأديان
وقد وضعت هذا الكتاب محذرا من فتنة، ومخوفا من محنة، وكاشفا عن مستورة، وفاضحا له في خفي غروره.
والله المعين بجوده.
كل صادق في مقصوده.
وقد قسمته ثلاثة عشر بابا ينكشف بمجموعها تلبيسه، ويتبين للفطن بفهمها تدليسه، فمن انتهض عزمه للعمل بها ضج منه إبليسه.
والله موفقي فيما قصدت، وملهمي للصواب فيما أردت.
[ ١١ ]