فمن ذلك أن أحدهم يشتغل بالقراآت الشاذة وتحصيلها فيفني أكثر عمره في جمعها، وتصنيفها والإقراء بها ويشغله ذلك عن معرفة الفرائض والواجبات، فربما رأيت إمام مسجد يتصدى للإقراء ولا يعرف ما يفسد الصلاة، وربما حمله حب التصدر حتى لا يرى بعين الجهل على أن يجلس بين يدي العلماء ويأخذ عنهم العلم ولو تفكروا لعلموا أن المراد حفظ القرآن وتقويم ألفاظه ثم فهمه ثم العمل به ثم الإقبال على ما يصلح النفس ويطهر أخلاقها ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع، ومن الغبن الفاحش تضييع الزمان فيما غيره الأهم، قال الحسن البصري أنزل القرآن ليعمل به.
فاتخذ الناس تلاوته عملا.
يعني أنهم اقتصروا على التلاوة وتركوا العمل به.
ومن ذلك أن أحدهم يقرأ في مخرابه بالشاذ ويترك المتواتر المشهور.
والصحيح عند العلماء أن الصلاة لا تصح بهذا الشاذ وإنما مقصود هذا إظهار الغريب لاستجلاب مدح الناس وإقبالهم عليه وعنده أنه
[ ١٣٧ ]
متشاغل بالقرآن.
ومنهم من يجمع القراآت فيقول ملك مالك ملاك وهذا لا يجوز لأنه إخراج للقرآن عن نظمه.
ومنهم من يجمع السجدات والتهليلات والتكبيرات وذلك مكروه وقد صاروا يوقدون النيران الكثيرة للختمة فيجمعون بين تضييع المال والتشبه بالمجوس والتسبب إلى اجتماع النساء والرجال بالليل للفساد ويريهم إبليس أن في هذا إعزازا للإسلام.
وهذا تلبيس عظيم لأن إعزاز الشرع باستعمال المشروع.
ومن ذلك أن منهم من يتسامح بادعاء القراءة على من لم يقرأ عليه وربما كانت له إجازة منه.
فقال أخبرنا تدليسا وهو يرى أن الأمر في ذلك قريب لكونه يروي القراآت ويراها فعل خير وينسى أن هذا كذب يلزمه إثم الكذابين.
ومن ذلك أن المقرئ المجيد يأخذ على اثنين وثلاثة ويتحدث مع من يدخل عليه والقلب لا يطيق جمع هذه الأشياء ثم يكتب خطه بأنه قد قرأ على فلان بقراءة فلان.
وقد كان بعض المحققين يقول ينبغي أن يجتمع اثنان أو ثلاثة ويأخذوا على واحد ومن ذلك أن أقواما من القراء يتبارون بكثرة القراءة وقد رأيت من مشايخهم من يجمع الناس ويقيم شخصا ويقرأ في النهار الطويل ثلاث ختمات فإن قصر عيب وإن أتم مدح.
وتجتمع العوام لذلك ويحسنونه كما يفعلون في حق السعاة ويريهم إبليس أن في كثرة التلاوة ثوابا.
وهذا من تلبيسه لأن القراءة ينبغي أن تكون لله تعالى لا للتحسين بها.
وينبغي أن تكون على تمهل.
وقال ﷿: ﴿لتقرأه على الناس على مكث﴾ وقال ﷿: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ ومن ذلك أن جماعة من القراء أحدثوا قراءة الألحان وقد كانت إلى حد قريب.
وعلى ذلك فقد كرهها أحمد بن حنبل وغيره ولم يكرهها الشافعي.
أنبأنا محمد بن ناصر نا أبو علي الحسين بن سعد الهمذاني نا أبو بكر أحمد بن علي بن
[ ١٣٨ ]
لال ثنا الفضل بن الفضل ثنا السياحي ثنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي أما استماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به ولا بأس بقراءة الألحان وتحسين الصوت.
قال المصنف: وقلت إنما أشار الشافعي إلى ما كان في زمانه وكانوا يلحنون بسيرا فأما اليوم فقد صيروا ذلك على قانون الأغاني وكلما قرب ذلك من مشابهة الغناء زادت كراهته.
فإن أخرج عن حد وضعه حرم ذلك ومن ذلك أن قواما من القراء يتسامحون بشيء من الخطايا كالغيبة للنظراء وربما أتوا أكبر من ذلك الذنب واعتقدوا أن حفظ القرآن يرفع عنهم العذاب واحتجوا بقوله ﵊.
لو جعل القرآن في إهاب ما احترق.
وذلك من تلبيس إبليس عليهم لأن عذاب من يعلم أكثر من عذاب من لم يعلم إذ زيادة العلم تقوى الحجة وكون القارئ لم يحترم ما يحفظ ذنب آخر.
قال الله ﷿: ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى﴾ وقال في أزواج رسول الله ﷺ: ﴿من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾.
وقد أخبرنا أحمد بن أحمد المتوكلي نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو الحسن بن زرقويه نا إسماعيل الصفار ثنا زكريا بن يحيى ثنا معروف الكرخي قال قال بكر بن حبيش: إن في جهنم لواديا تتعوذ جهنم من ذلك الوادي كل يوم سبع مرات.
وإن في الوادي لجبا يتعوذ الوادي وجهنم من ذلك الجب كل يوم سبع مرات.
وإن في الجب لحية يتعوذ الجب والوادي وجهنم من تلك الحية كل يوم سبع مرات.
يبدأ بفسقة حملة القرآن فيقولون: أي رب يبدأ بنا قبل عبدة
[ ١٣٩ ]
الأوثان.
فقيل لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم.
قال المصنف فلنقتصر على هذا الأنموذج فيما يتعلق بالقراء.