وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم فإن كان ذلك صحيحا عنهم توجه الرد عليهم إذ لا محاباة في الحق وإن لم يصح عنهم حذرنا من مثل هذا القول وذلك المذهب من أي شخص صدر.
فأما المشبهون بالقوم وليسوا منهم فأغلاظهم كثيرة.
ونحن نذكر بعض ما بلغنا من أغلاط القوم والله يعلم أننا لم نقصد ببيان غلط الغالط إلا تنزيه الشريعة والغيرة عليها من الدخل وما علينا من القائل والفاعل وإنما نؤدي بذلك أمانة العلم ومازال العلماء يبين كل واحد منهم غلط صاحبه قصدا لبيان الحق لا لإظهار عيب الغالط ولا اعتبار بقول جاهل يقول: كيف يرد على فلان الزاهد المتبرك به.
لأن الانقياد إنما يكون إلى ما جاءت به الشريعة لا إلى الأشخاص، وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات فلا تمنع منزلته بيان زلله.
واعلم أن من نظر إلى تعظيم شخص ولم ينظر بالدليل إلى ما صدر عنه كان كمن ينظر إلى ما جرى على يد المسيح صلوات الله عليه من الأمور الخارقة، ولم ينظر إليه فادعي فيه الألوهية.
ولو نظر إليه وأنه لا يقوم إلا بالطعام لم يعطه إلا ما يستحقه.
وقد أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي بإسناد إلى يحيى بن سعيد قال: سألت شعبة وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس عن الرجل لا يحفظ أو يتهم في الحديث، فقالوا جميعا: يبين أمره.
وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يمدح الرجل ويبالغ ثم يذكر غلطه في الشيء بعد الشيء وقال: نعم الرجل فلان، لزلا أن خلة فيه.
وقال عن سري السقطي الشيخ المعروف بطيب المطعم، ثم حكى له عنه أنه قال إن الله ﷿ لما خلق الحروف سجدت الباء فقال: نفروا الناس عنه.
[ ٢٠٩ ]
سياق ما يروى عن الجماعة منهم من سوء الاعتقاد: ذكر تلبيس إبليس في السماع وغيره
عن أبي عبد الله الرملي قال: تكلم أبو حمزة في جامع طرسوس فقبلوه، فبينا هو ذات يوم يتكلم إذ صاح غراب على سطح الجامع، فزعق أبو حمزة وقال: لبيك لبيك.
فنسبوه إلى الزندقة وقالوا حلولي زنديق.
وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع (هذا فرس الزنديق).
وبإسناد إلى أبي بكر الفرغاني أنه قال: كان أبو حمزة إذا سمع شيئا يقول: لبيك لبيك، فأطلقوا عليه أنه حلولي.
ثم قال أبو علي وإنما جعله داعيا من الحق أيقظه للذكر.
وعن أبي علي الروزباري قال: أطلق على أبي حمزة أنه حلولي وذلك أنه كان إذا سمع صوتا مثل هبوب الرياح وخرير الماء وصياح الطيور كان يصيح ويقول: لبيك لبيك فرموه بالحلول.
قال السراج: وبلغني عن أبي حمزة أنه دخل دار الحارث المحاسبي فصاحت الشاة (ماع) فشهق أبو حمزة شهقة وقال: لبيك سيدي.
فغضب الحارث المحاسبي وعمد إلى سكين وقال: إن لم تتب من هذا الذي أنت فيه أذبحك! قال أبو حمزة: إذا أنت لم تحسن تسمع هذا الذي أنا فيه فلم تأكل النخالة بالرماد.
وقال السراج: وأنكر جماعة من العلماء على أبي سعيد أحمد بن عيسى الخراط ونسبوه إلى الكفر بألفاظ وجدوها في كتاب صنفه وهو كتاب السر، ومنه قوله: «عبد طائع ما أذن له فلزم التعظيم لله فقدس الله نفسه» قال: وأبو العباس أحمد بن عطاء نسب إلى الكفر والزندقة قال: وكم من مرة قد أخذ الجنيد مع علمه وشهد عليه بالكفر والزندقة وكذلك أكثرهم.
وقال السراج: ذكر عن أبي بكرة محمد بن موسى الفرغاني الواسطي أنه قال من ذكر افترى ومن صبر اجترى.
وإياك أن تلاحظ حبيبا أو كليما أو خليلا وأنت تجد إلى ملاحظة الحق
[ ٢١٠ ]
سبيلا.
فقيل له: أولا أصلي عليهم، فقال: صلى عليهم بلا وقار ولا تجعل لها في قلبك مقدار.
قال السراج: وبلغني أن جماعة من الحلوليين زعموا أن الحق ﷿ اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية، وأزال عنها معاني البشرية ومنهم من قال بالنظر إلى الشواهد المستحسنات ومنهم من قال حال في المستحسنات.
قال: وبلغني عن جماعة من أهل الشام أنهم يدعون الرؤية بالقلوب في الدنيا كالرؤية بالعيان في الآخرة.
قال السراج: وبلغني أن أبا الحسين النوري شهد عليه غلام الخليل أنه سمعه يقول: أنا أعشق الله ﷿ وهو يعشقني، فقال النوري: سمعت الله يقول: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ وليس العشق بأكثر من المحبة.
قال القاضي أبو يعلى: وقد ذهبت الحلولية إلى أن الله ﷿ يعشق.
قال المصنف: وهذا جهل من ثلاثة أوجه: أحدهما من حيث الاسم فإن العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما ينكح، والثاني أن صفات الله ﷿ منقولة فهو يحب ولا يقال يعشق كما يقال يعلم ولا يقال يعرف والثالث من أين له أن الله تعالى يحبه فهذه دعوى بلا دليل وقد قال النبي ﷺ من قال إني في الجنة فهو في النار.
وعن أبي عبد الرحمن السلمي حكي عن عمرو المكي أنه قال: كنت أماشي الحسين بن منصور في بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي،
[ ٢١١ ]
فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا ففارقته.
وعن محمد بن يحيى الرازي قال: سمعت عمرو بن عثمان يلعن الحلاج ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي، فقلت بأي شيء وجد عليه الشيخ؟ فقال: قرأت آية من كتاب الله ﷿ فقال يمكنني أن أقول أو أؤلف مثله وأتكلم به.
وبإسناد عن أبي القاسم الرازي يقول قال أبو بكر بن ممشاد قال: حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها لا بالليل ولا بالنهار ففتشوا المخلاة فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه (من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان)، فوجه إلى بغداد فأحضر وعرض عليه.
فقال: هذا خطي وأنا كتبته.
فقالوا: كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الربوبية؟! فقال: ما أدعي الربوبية ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله تعالى واليد فيه آلة.
فقيل له: هل معك أحد؟ فقال: نعم ابن عطاء وأبو محمد الجريري وأبو بكر الشبلي.
وأبو محمد الجريري يتستر والشبلي يتستر فإن كان فابن عطاء فأحضر الجريري وسئل فقال قائل: هذا كافر يقتل من يقول هذا.
وسئل الشبلي فقال: من يقول هذا يمنع.
وسئل ابن عطاء عن مقالة الحلاج فقال بمقالته وكان سبب قتله.
وبإسناد عن ابن باكويه قال: أسمعت عيسى بن بردل القزويني وقد سئل أبو عبد الله بن خفيف عن معنى هذه الأبيات:
سبحان من أظهر ناسوتهسر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرافي صورة الآكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقهكلحظة الحاجب بالحاجب
فقال الشيخ: على قائله لعنة الله.
قال عيسى بن فورك هذا شعر الحسين
[ ٢١٢ ]
بن منصور قال: إن كان هذا اعتقاده فهو كافر إلا أنه ربما يكون متقولا عليه.
وبإسناد عن علي بن المحسن القاضي عن أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن زنجي عن أبيه أن ابنة السمري أدخلت على حامد الوزير.
فسألها عن الحلاج فقالت: حملني أبي إليه فقال: قد زوجتك من ابني سليمان وهو مقيم بنيسابور فمتى جرى شيء تنكرينه من جهته فصومي يومك واصعدي في آخر النهار إلى السطح وقومي على الرماد واجعلي فطرك عليه وعلى ملح جريش واستقبليني بوجهك واذكري لي ما أنكرتيه منه فإني أسمع وأرى.
قالت: وكنت ليلة نائمة في السطح فأحسست به قد غشيني فانتبهت مذعورة لما كان منه.
فقال إنما جئتك لأوقظك للصلاة.
فلما نزلنا قالت ابنته: اسجدي له.
فقلت: أو يسجد أحد لغير الله.
فسمع كلامي.
فقال: نعم إله في السماء وإله في الأرض.
قال المصنف: اتفق علماء العصر على إباحة دم الحلاج، فأول من قال إنه حلال الدم أبو عمرو القاضي ووافقه العلماء.
وإنما سكت عنه أبو العباس سريج قال: وقال لا أدري ما يقول.
والإجماع دليل معصوم من الخطأ وبإسناد عن أبي هريرة.
قال: «قال رسول الله ﷺ: إن الله أجاركم أن تجتمعوا على ضلالة كلكم».
وبإسناد عن أبي القاسم يوسف بن يعقوب النعماني قال: سمعت والدي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن داود الفقيه الأصبهاني يقول: إن كان ما أنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ حقا فما يقول الحلاج باطل وكان شديدا عليه.
قال المصنف: وقد تعصب للحلاج جماعة من الصوفية جهلا منهم وقلة مبالاة بإجماع الفقهاء.
وبإسناده عن محمد بن الحسين النيسابوري قال: سمعت إبراهيم بن محمد النصر ابادي كان يقول: إن كان بعد النبيين والصديقين موحد
[ ٢١٣ ]
فهو الحلاج، قلت: وعلى هذا أكثر قصاص زماننا وصوفية وقتنا جهلا من الكل بالشرع وبعدا عن معرفة النقل.
وقد جمعت في أخبار الحلاج كتابا بينت فيه حيله ومخاريفه وما قال العلماء فيه والله المعين على قمع الجهال.
وبإسناد عن أبي نعيم الحافظ قال سمعت عمر البنا البغدادي بمكة يحكي أنه لما كانت محنة غلام الخليل ونسبه الصوفية إلى الزندقة.
أمر الخليفة بالقبض عليهم فأخذ النوري في جماعة فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم فتقدم النوري مبتدرا إلى السياف ليضرب عنقه.
فقال له السياف: ما دعاك إلى البدار.
قال آثرت حياة أصحابي على حياتي هذه اللحظة فتوقف السياف، فرفع الأمر إلى الخليفة فرد أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل بن إسحاق فأمر بتخليتهم.
وبإسناد إلى أبي العباس أحمد بن عطاء قال: كان يسعى بالصوفية ببغداد غلام الخليل إلى الخليفة فقال: ههنا قوم زنادقة.
فأخذ أبو الحسين النوري، وأبو حمزة الصوفية، وأبو بكر الدقاق، وجماعة من أقران هؤلاء، واستتر الجنيد بن محمد بالفقه على مذهب أبي ثور.
فأحلوا إلى الخليفة، فأمر بضرب أعناقهم، فأول من بدر أبو الحسين النوري، فقال السياف: لم بادرت أنت من بين أصحابك ولم ترع؟ قال: أحببت أن أؤثر أصحابي بالحياة مقدار هذه الساعة.
فرد الخليفة أمرهم إلى القاضي فأطلقوا.
قال المصنف: ومن أسباب هذه القصة قول النوري: أنا أعشق الله والله يعشقني.
فشهد عليه بهذا، ثم تقدم النوري إلى السياف ليقتل إعانة على نفسه فهو خطأ أيضا.
وبإسناد عن ابن باكويه قال: سمعت أبا عمرو تلميذ الرقي قال: سمعت الرقي يقول: كان لنا بيت ضيافة فجاءنا فقير عليه خرقتان يكنى بأبي سليمان فقال: الضيافة.
فقلت لابني امض به إلى البيت، فأقام عندنا تسعة أيام فأكل في كل ثلاثة أيام أكلة، فسمته المقام فقال: الضيافة ثلاثة أيام، فقلت
[ ٢١٤ ]
له: لا تقطع عنا أخبارك.
فغاب عنا اثنتي عشرة سنة ثم قدم فقلت من أين؟ فقال: رأيت شيخا يقال له أبو شعيب المقفع مبتلي فأقمت عنده أخدمه سنة، فوقع في نفسي أن أسأله أي شيء كان أصل بلائه، فلما دنوت منه ابتدأني قبل أن أسأله فقال: وما سؤالك عما لا يعنيك؟ فصبرت حتى تم لي ثلاث سنين، فقال في الثالثة: لا بد لك، فقلت له إن رأيت، فقال: إنما أنا أصلي بالليل إذ لا ح لي من المحراب نور فقلت إخسأ يا ملعون فإن ربي ﷿ غني عن أن يبرز للخلق ثلاث مرات، قال ثم سمعت نداء من المحراب يا أبا شعيب، فقلت لبيك فقال تحب أن أقبضك في وقتك أو نجازيك على ما مضى لك أو نبتليك ببلاء نرفعك به عليين، فاخترت البلاء فسقطت عيناي ويداي ورجلاي، قال فمكثت أخدمه تمام اثنتي عشرة سنة، فقال يوما من الأيام: ادن مني، فدنوت منه، فسمعت أعضاءه يخاطب بعضها بعضا: ابرز.
حتى برزت أعضاؤه كلها بين يديه وهو يسبح ويقدس ثم مات.
قال المصنف: وهذه الحكاية توهم أن الرجل رأى الله ﷿ فلما أنكر عوقب.
وقد ذكرنا أن قوما يقولون أن الله ﷿ يرى في الدنيا.
وقد حكى أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي في كتاب المقالات قال: قد حكى قوم من المشبهة أنهم يجيزون رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا وأنهم لا ينكرون أن يكون بعض من تلقاهم في السكك، وإن قوما يجيزون مع ذلك مصافحته وملازمته وملامسته ويدعون أنهم يزورونه ويزورهم وهم يسمون بالعراق أصحاب الباطن وأصحاب الوساوس وأصحاب الخطرات.
قال المصنف: وهذا فوق القبيح نعوذ بالله من الخذلان.
[ ٢١٥ ]