أنه يوهمهم أن الزهد هو القناعة بالدون من المطعم
[ ١٨٧ ]
والملبس فحسب.
فهم يقنعون بذلك وقلوبهم راغبة في الرياسة وطلب الجاه فتراهم يترصدون لزيارة الأمراء إياهم ويكرمون الأغنياء دون الفقراء ويتخاشعون عند لقاء الناس كأنهم قد خرجوا من مشاهدة، وربما رد أحدهم المال لئلا يقال قد بدا له من الزهد وهم من ترغد الناس إليهم وتقبيل أي ديهم في أوسع باب من ولايات الدنيا لأن غاية الدنيا الرياسة.
تلبيسه على العباد
وأكثر ما يلبس به إبليس على العباد والزهاد خفي الرياء.
فأما الظاهر من الرياء فلا يدخل في التلبيس مثل إظهار النحول وصفار الوجه وشعث الشعر ليستدل به على الزهد.
وكذلك خفض الصوت لإظهار الخشوع وكذلك الرياء بالصلاة والصدقة ومثل هذه الظواهر لا تخفى.
وإنما نشير إلى خفي الرياء.
وقد قال النبي ﷺ «إنما الأعمال بالنيات» ومتى لم يرد بالعمل وجه الله ﷿ لم يقبل.
قال مالك بن دينار: قولوا لمن لم يكن صادقا لا تتعب.
واعلم أن المؤمن لا يريد بعمله إلا الله ﷾، وإنما يدخل عليه خفي الرياء فيلبس الأمر فنجانه منه صعبة.
وفي الحديث مرفوعا عن يسار قال لي يوسف بن أسباط: تعلموا صحة العمل من سقمه فإني تعلمت في اثنتين وعشرين سنة.
وفي الحديث مرفوعا عن إبراهيم الحنظلي قال سمعت بقية بن الوليد يقول سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان، دخلت عليه في صومعته فقلت له: يا سمعان، منذ كم أنت في صومعتك هذه؟ قال: منذ سبعين سنة.
قلت: ما طعمك؟ قال: يا حنيفي وما دعاك إلى هذا قلت: أحببت أن أعلم.
قال: في كل ليلة حمصة.
قلت: فما الذي يهيج من
[ ١٨٨ ]
قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة.
قال: ترى الذين بحذائك؟ قلت: نعم.
قال: إنهم يأتونني في كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي ويطوفون حولها يعظمونني بذلك، وكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة، فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة، فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد.
فوقر في قلبي المعرفة.
فقال: أزيدك؟ قلت: نعم.
قال: انزل عن الصومعة فنزلت فأدلى إلى ركوة فيها عشرون حمصة، فقال لي: ادخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك.
فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى فقالوا: يا حنيفي، ما الذي أدلى إليك الشيخ؟ قلت: من قوته.
قالوا: وما تصنع به؟ نحن أحق، ساوم.
قلت: عشرين دينارا.
فأعطوني عشرين دينارا، فرجعت إلى الشيخ فقال: أخطأت، لو ساومتهم عشرين ألفا لأعطوك، هذا عز من لا يعبده، فانظر كيف تكون بعز من تعبده يا حنيفي، أقبل على ربك.
قلت: ولخوف الرياء ستر الصالحون أعمالهم حدرا عليها وبهرجوها بضدها، فكان ابن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل، وكان في ذيل أيوب السختياني بعض الطول، وكان ابن أدهم إذا مرض يرى عنده ما يأكله الأصحاء.
وبالإسناد عن عبد الله بن المبارك عن بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه يقول: كان رجل من أفضل أهل زمانه، وكان يزار فيعظمهم، فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال: إنا قد خرجنا من الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان وقد خفت أن يكون قد دخل علينا في هذه حالة من الطغيان أكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم، أرانا يحب أحدنا أن تقضى له حاجته، وإن اشترى بيعا أن يقارب لمكان دينه، وإن لقي حيي ووقر لمكان دينه فشاع ذلك الكلام حتى بلغ الملك فعجب به فركب إليه ليسلم عليه وينظر إليه فلما رآه الرجل قيل له: هذا الملك قد أتاك ليسلم عليك.
فقال: وما يصنع قال للكلام الذي وعظت به، فسأل غلامه: هل عندك طعام؟ فقال: شيء من ثمر الشجر مما كنت تفطر به.
فأمر به
[ ١٨٩ ]
فأتى على مسح فوضع بين يديه، فأخذ يأكل منه وكان يصوم النهار ولا يفطر، فوقف عليه الملك فسلم عليه فأجابه بإجابة خفية وأقبل على طعامه يأكله، فقال الملك: أين الرجل؟ فقيل له: هو هذا.
قال: هذا الذي يأكل؟ قالوا: نعم.
قال: فما عند هذا من خير.
فأدبر، فقال الرجل: الحمد لله الذي صرفك عني بما صرفك به.
وفي رواية أخرى عن وهب، أنه لما أقبل الملك قدم الرجل طعامه فجعل يجمع البقول في اللقمة الكبيرة ويغمسها في الزيت فيأكل أكلا عنيفا.
فقال له الملك: كيف أنت يا فلان؟ فقال: كالناس.
فرد الملك عنان دابته وقال: ما في هذا من خير.
فقال: الحمد لله الذي أذهبه عني وهو لائم لي.
وبإسناد عن عطاء قال: أراد أبو الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد فبلغ ذلك يزيد فلبس فروة فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجا وأخذ بيده رغيفا وعرقا وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ولا نعل ولا خف فجعل يمشي في الأسواق ويأكل.
فقيل للوليد: إن يزيد قد اختلط وأخبر بما فعل فتركه ومثل هذا كثير.
فصل