أخبرنا أبو منصور بن عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت نا أبو القاسم عبد الواحد بن عثمان البجلي قال سمعت جعفر بن محمد الخلدي قال
[ ٣٣٠ ]
حضرت شيخنا الجنيد وقد سأله كيسان عن قوله ﷿: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ فقال الجنيد لا تنسى العمل به وسأله عن قوله تعالى: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ فقال له الجنيد تركوا العملبه فقال لا يفضض الله فاك قلت أما قوله لا تنس العمل به فتفسير لا وجه له والغلط فيه ظاهر لأنه فسره على أنه نهي وليس كذلك إنما هو خبلا لا نهي وتقديره فما تنس إذ لو كان نهيا كان مجزوما فتفسيره على خلاف إجماع العلماء وكذلك قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ إنما هو من الدرس الذي هو التلاوة من قوله ﷿: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ لا من دروس الشيء الذي هو إهلاكه أخبرنا محمد بن عبد الباقي نا حمد بن أحمد ثنا أبو نعيم الحافظ قال سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول حضرت أبا بكر الشبلي وسئل عن قوله ﷿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب فقال لمن كان لله قلبه وأخبرنا عمر بن ظفر نا جعفر بن أحمد نا عبد العزيز بن علي نا ابن الجهم جهضم ثنا محمد بن جرير قال سمعت أبا العباس بن عطاء وقد سئل عن قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ قال نجيناك من الغم بقومك وفتناك بنا عن من سونا.
قال المصنف ﵀: وهذه جرأة عظيمة على كتاب الله ﷿ ونسبة الكليم إلى الافتتان بمحبة الله سبحانه وجعل محبته تفتن غاية في القباحة أخبرنا أبو منصور القزاز نا أحمد بن علي الحافظ نا أبو حازم عمر بن إبراهيم العبدري قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول في قوله ﷿: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ فقال الروح النظر إلى وجه الله ﷿ والريحان الاستماع لكلامه وجنة نعيم هو أن لا يحجب فيها عن الله ﷿ قلت هذا كلام بالواقع على خلاف أقوال المفسرين وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي في تفسير القرآن من كلامهم الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين سماها حقائق التفسير فقال في فاتحة الكتاب عنهم انهم قالوا إنما سميت فاتحة الكتاب لأنها أوائل ما فاتحناك به من خطابنا فإن تأدبت بذلك وإلا حرمت لطائف ما بعد.
قال المصنف ﵀: وهذا قبيح لأنه لا يختلف المفسرون أن الفاتحة ليست
[ ٣٣١ ]
من أول ما نزل وقال في قول الإنسان آمين أي قاصدون نحوك.
قال المصنف ﵀: وهذا قبيح لأنه ليس من أم لأنه لو كان كذلك لكانت الميم مشددة وقال في قوله وإن يأتوكم أسارى قال قال أبو عثمان غرقى في الذنوب وقال الواسطي غرقى في رؤية أفعالهم وقال الجنيد أسارى في أسباب الدنيا تفدوهم إلى قطع العلائق قلت وإنما الآية على وجه الإنكار ومعناها إذا أسرتموهم فديتموهم وإذا حاربتموهم قلبتموهم وهؤلاء قد فسروها على ما يوجب المدح وقال محمد بن علي ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ من توبتهم وقال النووي: ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي يقبضك بإياه ويبسطك لإياه وقال في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ أي من هواجس نفسه ووساوس الشيطان وهذا غاية في القبح لأن لفظ الآية لفظ الحبر ومعناه الأمر وتقديرها من دخل الحرم فأمنوه وهؤلاء قد فسروها على الخبر ثم لا يصح لهم لأنه كم من داخل إلى الحرم ما أمن من الهواجس ولا الوساوس وذكر في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال أبو تراب هي الدعاوي الفاسدة: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ قال سهل هو القلب ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ النفس ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ الجوارح وقال في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ قال أبو بكر الوراق الهمان لها ويوسف ما هم بها قلت هذا خلاف لصريح القرآن وقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ قال محمد بن علي ما هذا بأهل أن يدعى إلى المباشرة وقال الزنجاني الرعد صعقات الملائكة والبرق زفرات أفئدتهم والمطر بكاؤهم وقال في قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ قال الحسين لا مكر أبين فيه من مكر الحق بعباده حيث أوهمهم أن لهم سبيلا إليه بحال أو للحدث اقتران مع القدم. قال المصنف ﵀ ومن تأمل معنى هذا علم أنه كفر محض لأنه يشير إلى أنه كالهزء واللعب ولكن الحسين هذا هو الحلاج وهذا يليق بذلك وقال في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ أي بعمارتك سرك بمشاهدتنا قلت وجميع الكتاب من هذا الجنس ولقد هممت أن أثبت منه ها هنا كثيرا فرأيت أن الزمان يضيع في كتابة شيء بين الكفر والخطأ والهذيان وهو من جنس ما حكينا عن الباطنية فمن أراد أن يعرف جنس ما في الكتاب فهذا أنموذجه ومن أراد الزيادة فلينظر في ذلك الكتاب
[ ٣٣٢ ]
وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع قال للصوفية استنباط منها قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ قال الواسطي معناه لا أرى نفسي وقال الشبلي لو اطلعت على الكل مما سوانا
لوليت منهم فرارا إلينا قلت هذا لا يحل لأن الله تعالى إنما أراد أهل الكهف وهذا السراج يسمي هذه الأقوال في كتابه مستنبطات وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب ذم المال في قوله عزوجل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ قال إنما عنى الذهب والفضة إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعبد الآلهة والأصنام وإنما عنى بعبادته حبه والاغترار به.
قال المصنف ﵀: وهذا شيء لم يقله أحد من المفسرين وقد قال شعيب وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا ومعلوم أن ميل الأنبياء إلى الشرك أمر ممتنع لأجل العصمة لا أنه مستحيل ثم قد ذكر مع نفسه من يتصور في حقه الإشراك والكفر فجاز أن يدخل نفسه معهم فقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ ومعلوم أن العرب أولاده وقد عبد أكثرهم الأصنام.
أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق نا المبارك بن عبد الجبار نا الحسين بن علي الطناجيري نا أبو حفص بن شاهين قال وقد تكلمت طائفة من الصوفية في نفس القرآن بما لا يجوز فقالت في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ فقال هم لآيات لي فأضافوا إلى الله تعالى ما جعله ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وهذا تبديل للقرآن وقالوا: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قالوا ولي سليمان. وأخبرنا ابن ناصر نا أحمد بن علي بن خلف ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال قال أبو حمزة الخراساني قد يقطع بأقوام في الجنة فيقال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ فشغلهم عنه بالأكل والشرب ولا مكر فوق هذا ولا حسرة أعظم منه.
قال المصنف ﵀: أنظروا وفقكم الله إلى هذه الحماقة وتسمية المغنم به مكرا وإضافة المكر بهذا إلى الله ﷾ وعلى مقتضى قول هذا أن الأنبياء لا يأكلون ولا يشربون بل يكونون مشغولين بالله ﷿ فما أجرأ هذا القائل على مثل هذه الألفاظ القباح وهل يجوز أن يوصف الله ﷿ بالمكر على
[ ٣٣٣ ]
ما نعقله من معنى المكر وإنما معنى مكره وخداعه أنه مجازي الماكرين والخادعين وإني لأتعجب من هؤلاء وقد كانوا يتورعون من اللقمة والكلمة كيف انبسطوا في تفسير القرآن إلى ما هذا حده وقد أخبرنا علي بن عبيد الله وأحمد بن الحسن وعبد الرحمن بن محمد قالوا حدثنا عبد الصمد بن المأمون نا علي بن عمر الحربي ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ثنا بشر بن الوليد ثنا سهيل أخو حزم ثنا أبو عمران الجوني عن جندب قال قال رسول الله ﷺ: "من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ" أخبرنا هبة الله بن محمد
نا الحسن بن علي نا أبو بكر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد ثني أبي وكيع عن الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار".
قال المصنف ﵀: وقد رويت لنا حكاية عن بعضهم فيما يتعلق بالمكر إني لأقشعر من ذكرها لكني أنبه بذكرها على قبح ما يتخايله هؤلاء الجهلة أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو عبد الله ابن باكويه قال أخبرنا أبو عبد الله بن خفيف قال سمعت رويما يقول اجتمع ليلة بالشام جماعة من المشايخ فقالوا ما شهدنا مثل هذه الليلة وطيبها فتعالوا نتذاكر مسألة لئلا تذهب ليلتنا فقالوا نتكلم في المحبة فإنها عمدة القوم فتكلم كل واحد من حيث هو وكان في القوم عمرو بن عثمان المكي فوقع عليه البول ولم يكن من عادته فقام وخرج إلى صحن الدار فإذا ليلة مقمرة فوجد قطعة رق مكتوب فأخذه وحمله اليهم وقال يا قوم اسكنوا فإن هذا جوابكم أنظروا ما في هذه الرسالة فإذا فيها مكتوب مكار مكار وكلكم تدعون حبه وأحرم البعض وافترقوا فما جمعهم إلا الموسم.
قال المصنف ﵀: قلت هذه بعيدة الصحة وابن خفيف لا يوثق به وإن صحت فإن شيطانا ألقى ذلك الرق وإن كانوا قد ظنوا أنها رسالة من الله بظنونهم الفاسدة وقد بينا أن معنى المكر منه المجازاة على المكر فأما أن يقال عنه مكار ففوق الجهل وفوق الحماقة.
وقد أخبرنا ابن ظفر نا ابن السراج نا الأزجي ثنا ابن جهضم ثنا الخلدي قال سمعت رويما يقول إن الله غيب أشياء في أشياء
[ ٣٣٤ ]
مكره في علمه وغيب خداعه في لطفه وغيب عقوباته في باب كراماته قلت وهذا تخليط من ذلك الجنس وجرأة أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو الفضل السهلكي قال سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت خالي يقول قال الحسن بن علويه خرج أبو يزيد لزيارة أخ له فلما وصل إلى نهر جيحون التقى له حافتا النهر فقال سيدي إيش هذا المكر الخفي وعزتك ما عبدتك لهذا ثم رجع ولم يعبر قال السهلكي وسمعت محمد بن أحمد المذكر يذكر أن أبا يزيد قال من عرف الله ﷿ صار للجنة بوابا وصارت الجنة عليه وبالا.
قلت وهذه جرأة عظيمة في إضافة المكر إلى الله ﷿ وجعل الجنة التي هي نهاية المطالب وبالا وإذا كانت وبالا للعارفين فكيف تكون لغيرهم وكل هذا منبعه من قلة العلم وسوء الفهم أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا أبو الفرج الورياني ثنا
أحمد بن الحسن بن محمد ثني محمد بن جعفر الوراق ثنا أحمد بن العباس المهلبي قال سمعت طيفور وهو أبو يزيد يقول العارفون في زيارة الله تعالى في الآخرة على طبقتين طبقة تزوره متى شاءت وأنى شاءت وطبقة تزوره مرة واحدة ثم لا تزوره بعدها أبدا فقيل له كيف ذلك قال إذا رآه العارفون أول مرة جعل لهم سوقا ما فيه شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء فمن دخل منهم السوق لم يرجع إلى زيارة الله أبدا قال وقال أبو يزيد في الدنيا يخدعك بالسوق وفي الآخرة يخدعك بالسوق فأنت أبدا عبد السوق.
قال المصنف ﵀: تسمية ثواب الجنة خديعة وسببا للانقطاع عن الله ﷿ قبيح وإنما يجعل لهم السوق ثوابا لا خديعة فإذا أذن لهم في أخذ ما في السوق ثم عوقبوا بمنع الزيارة فقد صارت المثوبة عقوبة ومن أين له أن من أختار شيئا من ذلك السوق لم يعد إلى زيارة الله ﵎ ولا يراه أبدا نعوذ بالله من هذا التخليط والتحكم في العلم والأخبار عن هذه المغيبات التي لا يعلمها إلا نبي فمن اين له علمها وكيف يكون كما قال أبو هريرة راوي الحديث لسعيد بن المسيب جمعني الله وأياك في سوق الجنة أفتراه طلب ترك العقوبة بالبعد عن الله ﷿ لكن بعد هؤلاء عن العلم واقتناعهم بواقعاتهم الفاسدة أوجب هذا التخليط وليعلم أن
[ ٣٣٥ ]
الخواطر والواقعات إنما هي ثمرات علمه فمن كان عالما كانت خواطره صحيحة لأنها ثمرات علمه ومن كان جاهلا فثمرات الجهل كلها حظه ورأيت بخط ابن عقيل جاز أبو يزيد على مقابر اليهود فقال ما هؤلاء حتى تعذبهم كف عظام جرت عليهم القضايا أعف عنهم.
قال المصنف ﵀: وهذا قلة علم وهو أن قوله كف عظام احتقار للآدمي فإن المؤمن إذا مات كان كف عظام وقوله جرت عليهم القضايا فكذلك جرى على فرعون وقوله أعف عنهم جهل بالشريعة لأن الله ﷿ أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن مات كافرا فلوا قبلت شفاعته في كافر لقبل سؤال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه في أبيه ومحمد ﷺ في أمه فنعوذ بالله من قلة العلم. أنبأنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى نا أبو بكر أحمد بن أبي نصر الكوفاني ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن قورى الحوبياني نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بالسراج قال كان ابن سالم يقول عبر أبو يزيد على مقبرة اليهود فقال معذورين ومر بقبر المسلمين فقال مغرورين.
قال المصنف ﵀: وفسره السراج فقال كأنه لما نظر إلى ما سبق لهم من الشقاوة من غير فعل كان موجودا في الأزل وأن الله ﷿ جعل نصيبهم السخط فذلك عذر.
قال المصنف ﵀: وتفسير السراج قبيح لأنه يوجب أن لا يعاقب فرعون ولا غيره ومن كلامهم في الحديث وغيره أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر الخطيب نا الأزهري نا أحمد بن إبراهيم بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد بن جنبل قال جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي فجعل أبي يقول فلان ضعيف وفلان ثقة فقال أبو تراب يا شيخ لا تغتب العلماء فالتفت أبي إليه وقال له ويحك هذه نصيحة ليست هذه غيبة أنبأنا يحيى بن علي المدبر نا أحمد بن علي بن ثابت نا رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد الله النيسابوري يقول سمعت أبا الحسن علي بن محمد البخاري يقول سمعت محمد بن الفضل العباسي يقول كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ علينا كتاب الجرح والتعديل فقال أظهر
[ ٣٣٦ ]
أحوال العلم من كان منهم ثقة أو غير ثقة فقال له يوسف بن الحسين استحييت إليك يا أبا محمد كم من هؤلاء القوم قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مائة سنة أو مائتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم على أديم الأرض فبكى عبد الرحمن وقال يا أبا يعقوب لو سمعت هذه الكلمة قبل تصنيفي هذا الكتاب لم أصنفه قلت عفا الله عن أبي حاتم فإنه لو كان فقيها لرد عليه كما رد الإمام أحمد على أبي تراب ولولا الجرح والتعديل من أين كان يعرف الصحيح من الباطل ثم كون القوم في الجنة لا يمنع أن نذكرهم بما فيهم وتسمية ذلك غيبة حديث سوء ثم من لا يدري الجرح والتعديل كيف هو يزكي كلامه وينبغي ليوسف أن يشتغل بالعجائب التي تحكي عن مثل هذا.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا أبو باكويه قال سمعت عبد الله بن يزيد الأردبيلي يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول من عرف الله أمسك عن رفع حوائجه إليه لما علم أنه العالم بأحواله قلت هذا سد لباب السؤال والدعاء وهو جهل بالعلم.
أخبرنا محمد بن عبد الملك بن خيرون نا أحمد بن الحسن الشاهد قال قرئ على محمد بن الحسن الأهوازي وأنا أسمع أبا بكر الديف الصوفي وقال سمعت الشبلي وقد سأله شاب يا أبا بكر لم تقول الله ولا تقول لا إله إلا الله فقال الشبلي استحي أن أوجه إثباتا بعد نفي فقال الشاب أريد حجة أقوى من هذه فقال أخشى أني أؤخذ في كلمة الوجود ولا أصل إلى كلمة الإقرار.
قال المصنف ﵀: أنظروا إلى هذا العلم الدقيق فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بقول لا إله إلا الله ويحث عليها وفي الصحيحين عنه أنه كان يقول في دبر كل صلاة لا إله إلا الله وحده لا
شريك له وكان يقول إذا قام لصلاة الليل لا إله إلا أنت وذكر الثواب العظيم لمن يقول لا إله إلا الله فأنظروا إلى هذا التعاطي على الشريعة واختيار ما لم يختره رسول الله ﷺ.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي ثنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل نا سهل بن
[ ٣٣٧ ]
على الحساب نا عبد الله بن علي السراج قال بلغني أن أبا الحسن النوري شهدوا عليه أنه سمع أذان المؤذن فقال طعنه سم الموت وسمع نباح كلب فقال لبيك وسعديك فقيل له في ذلك فقال إن المؤذن أغار عليه أن يذكر الله وهو غافل ويأخذ عليه الأجرة ولولاها ما أذن فلذلك قلت طعنة سم الموت والكلب يذكر الله ﷿ بلا رياء فإنه قد قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.
قال المصنف ﵀: أنظروا إخواني عصمنا الله وإياكم من الزلل إلى هذا الفقه الدقيق والاستنباط الطريف.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه ثنا أبو يعقوب الخراط نا النوري أنه رأى رجلا قابضا على لحية نفسه قال فقلت له نح يدك عن لحية الله فرفع ذلك إلى الخليفة فطلبت وأخذت فلما دخلت عليه قال بلغني أنه نبح كلب فقلت لبيك ونادى المؤذن فقلت طعنه قال نعم قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ فقلت لبيك لأنه ذكر الله فأما المؤذن فإنه يذكر الله وهو متلوث بالمعاصي غافل عن الله تعالى قال وقولك للرجل نح يدك عن لحية الله قلت نعم أليس العبد لله ولحيته لله وكل ما في الدنيا والآخرة له قلت عدم العلم أوقع هؤلاء في هذا التخبيط وما الذي أحوجه إلى أن يوهم أن صفة الملك صفة الذات.
أخبرنا ابن حبيب قال ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال سمعت الشبلي يقول وقد سئل عن المعرفة فقال ويحك ما عرف الله من قال الله والله لو عرفوه ما قالوه قال ابن باكويه وسمعت أبا القاسم أحمد بن يوسف البراداني يقول سمعت الشبلي يقول يوما لرجل يسأله ما اسمك قال آدم قال ويلك أتدري ما صنع آدم باع ربه بلقمة ثم كان يقول سبحان من عذرني بالسوداء قال ابن باكويه وسمعت بكران بن أحمد الجيلي يقول كان للشبلي جليس فأعلمه أنه يريد التوبة فقال بع مالك واقض دينك وطلق امرأتك ففعل فقال أيتم أولادك بأن تؤيسهم من التعلق بك فقال قد فعلت فجاء بكسر قد جمعها فقال اطرحها بين يدي الفقراء وكل معهم.
[ ٣٣٨ ]
أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم نا أبي قال سمعت بعض الفقراء يقول سمعت أبا الحسن الحرفاني يقول لا إله إلا الله من داخل القلب محمد رسول الله من القرط أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق ثنا ابن باكويه قال أخبرنا أحمد بن محمد الحلفاي قال رأى الشبلي في الحمام غلاما شابا بلا مئزر فقال له يا غلام ألا تغطي عورتك فقال له اسكت يا بطال إن كنت على
الحق فلا تشهد إلا الحق وإن كنت على الباطل فلا تشهد إلا الباطل لأن الحق مشتغل بالحق والباطل مشتغل بالباطل.
أنبأنا أبو بكر محمد بن أبي طاهر نا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه ثني أبو القاسم عبد الرحيم بن جعفر السيرافي الفقيه قال حضرت بشيراز عند قاضيها أبي سعيد بشر بن الحسن الداودي وقد ارتفع إليه صوفي وصوفية قال وأمر الصوفية هناك مفرط جدا حتى يقال أن عددهم ألوف فاستعدت الصوفية على زوجها إلى القاضي فلما حضرا قالت له أيها القاضي إن هذا زوجي ويريد أن يطلقني وليس له ذلك فإن رأيت أن تمنعه قال فأخذ القاضي أبو سعيد يتعجب وحنق على مذاهب الصوفية ثم قال لها وكيف ليس له ذلك قالتلأنه تزوج بي ومعناه قائم بي والآن هو يذكر أن معناه قد انقضى مني وأنا معناي قائم فيه ما انقضى فيجب عليه أن يصبر حتى ينقضي معناي منه كما انقضى معناه مني فقال لي أبو سعيد كيف ترى هذا الفقه ثم أصلح بينهما وخرجا من غير طلاق وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب الأحياء أن بعضهم قال للربوبية سر لو أظهر بطلت النبوة وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم وللعلماء بالله سر لو أظهروه لبطلت الأحكام.
قلت فاظهروا إخواني إلى هذا التخليط القبيح والادعاء على الشريعة أن ظاهرها يخالف باطنها قال أبو حامد ضاع لبعض الصوفية ولد صغير فقيل له لو سألت الله أن يرده عليك فقال اعتراضي عليه فيما يقضي أشد على من ذهاب ولدي.
قلت طال تعجبي من أبي حامد كيف يحكي هذه الأشياء في معرض الاستحسان والرضى عن قائلها وهو يدري أن الدعاء والسؤال ليس باعتراض وقال أحمد
[ ٣٣٩ ]
الغزالي دخل يهودي إلى أبي سعيد بن أبي الخير الصوفي فقال له أريد أن أسلم على يديك فقال لا ترد فاجتمع الناس وقالوا يا شيخ تمنعه من الإسلام فقال له تريد بلا بد قال نعم قال له برئت من نفسك ومالك قال نعم قال هذا الإسلام عندي احملوه الآن إلى الشيخ أبي حامد يعلم لالا المنافقين يعني لا إله إلا الله قلت وهذا الكلام أظهر عيبا من أن يعاب فإنه في غاية القبح.
ومما يقارب هذه الحكاية في دفع من أراد الإسلام ما أخبرنا به أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب نا محمد بن نعيم الضبي قال سمعت أبا علي الحسين بن محمد بن أحمد الماسر خسي يحكي عن جده وغيره من أهل بيته قال كان الحسن والحسين ابنا عيسى بن ماسر خس أخوين يركبان فيتحير الناس من حسنهما وزيهما فاتفقا على أن يسلما فقصدا حفص بن عبد الرحمن ليسلما على يده فقال لهما حفص أنتما من أجل النصارى وعبد الله بن المبارك خارج في هذه السنة الحج وإذا اسلمتما على يده كان ذلك أعظم عند المسلمين فإنه شيخ أهل المشرق والمغرب فانصرفا فمرض الحسين ومات على نصرانيته قبل قدوم ابن المبارك فلما قدم أسلم الحسن قلت وهذه المحنة إنما جلبها الجهل فليعرف قدر العلم لأنه لو كان عنده حظ من علم لقال أسلما الآن ولا يجوز تأخير ذلك لحظة وأعجب من هذا أبو سعيد الذي قال لليهودي ما قال لأنه يريد الإسلام وذكر أبو نصر السراج في كتاب اللمع لمع المتصوفة قال كان سهل بن عبد الله إذا مرض أحد من أصحابه يقول له إذا أردت أن تشتكي فقل أوه فهو اسم من أسماء الله تعالى يستريح إليه المؤمن ولا تقل افرج فإنه اسم من أسماء الشيطان فهذه نبذة من كلام القوم وفقههم نبهت على علمهم وسوء فهمهم وكثرة خطئهم وقد سمعت أبا عبد الله حسين بن علي المقري يقول سمعت أبا محمد عبد الله بن عطاء الهروي يقول سمعت عبد الرحمن بن محمد بن المظفر يقول سمعت أبا عبد الرحمن بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن الحسين السلامي يقول سمعت علي بن محمد المصري يقول سمعت أيوب بن سليمان يقول سمعت محمد بن محمد بن إدريس الشافعي يقول سمعت أبي يقول صحبت الصوفية
[ ٣٤٠ ]
عشر سنين ما استفدت منه إلا هذين الحرفين الوقت سيف وأفضل العصمة أن لا تقدر.