أعلم أن حكم لا النافية نفي ما دخلت عليه.
فأدخلها القوم على صفاتهم المذمومة فنفتها، ومروا بها على أفعالهم المحمودة فمحتها. فلما محوا أفعالهم، أثبت الله لهم أحوالهم. فهم بين محو نفوسهم، وطمس رسومهم، ومحوا أفعالهم. فنفوا عن أنفسهم الحول والقوة، وأثبتوها لله، فقالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ٣٧ ]
ثم نظروا إلى أصل ما بني عليه التوحيد، فإذا هو حرف النفي. فعلموا أنه بالنفي يثبت التوحيد، وبالمحو يرسخ التفريد. فدخلت كلمة لا على إله، فنفتها فقالوا: لا إله. ثم طولبوا بالإثبات، فقالوا: كيف السبيل إلى الإثبات، ولا سبيل إليه إلا بدخول حرف النفي عليه؟ وكيف يثبت الشيء بالحرف النافي، وهذا متناف؟ فقيل: ها هنا معنى خافٍ، وسر شافٍ، وهو أن تأتوا إليه بألف التوحيد، فتدخلوها عليه، وتتوسلوا بها إليه.
فلما دخلوا بالألف على حرف لا، صح لهم التوحيد، وثبت لهم التفريد، فقالوا: لا إله إلا الله.
وكان توسط الألف بين كلمتي النفي والإثبات هو طريق الخلاص إلى كلمة الإخلاص.
وإنما قلنا: إن الألف هي ألف التوحيد؛ لأن فيها معاني
[ ٣٨ ]
الربوية، ودلالات الألوهية. وفيها معاني الوحدانية والفردانية؛ لأنها أول الحروف، وفيها معنى الأولية، وهي أول ما أظهره الله في خطابه لعباده في قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾.
وهي أول اسمه ﷾ من الجلالة. وفيها معنى الآخرية؛ لأنها إن كتبت آخرا، لم تتصل بشيء من الحروف. وفيها معنى السرمدية، لطولها وامتدادها. وفيها معنى الوترية؛ لأنها تزدوج بشيء من الحروف، لعدم المشابهة بينها وبينهن. وفيها معنى القيومية والعدلية؛ لاستقامتها واعتدالها.
فهو القائم بالقسط ﷾. وفيها معنى الاستغنائية؛ لافتقار الحروف إليها، واتصالهن بها، ولم تتصل هي بشيء منهن، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.