٥٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ حِمْدَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَغْدَادِيُّ، عَنْ مَالِكٍ بْنِ سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " بَيَّنَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ بِهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ وَهُوَ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ".
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ قَالَ: «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»
٥٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ الْأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا رَحِيمٌ» .
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنَا رَحِيمٌ.
قَالَ: «لَيْسَ رَحْمَةَ أَحَدِكُمْ نَفْسَهُ خَاصَّةً، وَلَكِنْ حَتَّى يَرْحَمَ النَّاسَ عَامَّةً، وَلَا يَرْحَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ أَبِي الْأَشْرَسِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ أَخَاكُمْ قَدْ أَصَابَهُ جَزَاءٌ فَلَا تَلْعَنُوهُ، وَلَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ، وَلَكِنْ قُولُوا اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ»
[ ٣٨٢ ]
٥٧٥ - عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: صَعِدَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا بَيْنَهُمْ بِنَصِيحَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَتَرَاحُمِهِمْ بَيْنَهُمْ كَمَثَلِ الْعُضْوِ مِنَ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى الْجَسَدُ كُلُّهُ بِالسَّهَرِ حَتَّى يَذْهَبَ الْأَلَمُ مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ» وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، يَعُسُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ مَرَّ بِرِفْقَةٍ قَدْ نَزَلَتْ، فَخَشِيَ عَلَيْهِمُ السَّرِقَةَ، فَأَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَالَ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: مَرَرْتُ بِرِفْقَةٍ قَدْ نَزَلَتْ، فَحَدَّثَتْنِي نَفْسِي أَنَّهُمْ إِذَا بَاتُوا نَامُوا، فَخَشِيتُ عَلَيْهِمُ السَّرِقَةَ، فَانْطَلِقْ بِنَا نَحْرُسْهُمْ قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَقَعَدَا قَرِيبًا مِنَ الرِّفْقَةِ يَحْرُسَانِ حَتَّى إِذَا رَأَيَا الصُّبْحَ نَادَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَا أَهْلَ الرِّفْقَةِ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ مِرَارًا، حَتَّى إِذَا رَآهُمْ تَحَرَّكُوا قَامَا فَرَجَعَا عَلَيْكَ أَنْ تَقْتَدِيَ بِالَّذِي قَبْلَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ مَدَحَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّرَاحُمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وَكَانُوا رُحَمَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَكَانُوا يَرْحَمُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ فَكَيْفَ بِالْمُسْلِمِينَ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، يَسْأَلُ عَلَى أَبْوَابِ النَّاسِ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا أَنْصَفْنَاكَ أَخَذْنَا مِنْكَ الْجِزْيَةَ مَا دُمْتَ شَابًّا، ثُمَّ ضَيَّعْنَاكَ الْيَوْمَ، وَأَمَرَ بِأَنْ يَجْرِي عَلَيْهِ قُوتُهُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى قِتْبٍ وَهُوَ يَعْدُو بِالْأَبْطَحِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَيْنَ تَصِيرُ؟ فَقَالَ: بَعِيرٌ نَدَّ مِنَ الصَّدَقَةِ فَأَنَا أَطْلُبُهُ.
فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ أَذْلَلْتَ الْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِكَ.
فَقَالَ: لَا تَلُمْنِي يَا أَبَا الْحَسَنِ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ
[ ٣٨٣ ]
بِالنُّبُوَّةِ لَوْ أَنَّ عَنَاقًا ذَهَبَ بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ، لَأُوخِذَ بِهَا عُمَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِوَالٍ ضَيَّعَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا لِفَاسِقٍ رَوَّعَ الْمُؤْمِنِينَ
٥٧٦ - وَعَنِ الْحَسَنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «بُدَلَاءُ أُمَّتِي لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِكَثْرَةِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، وَلَكِنْ يَرْحَمُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِسَلَامَةِ الصُّدُورِ، وَسَخَاوَةِ النَّفْسِ، وَالرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ»
٥٧٧ - وَرَوَى عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَعْنَلَانِيُّ، بِسَمَرْقَنْدَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرْبَعٌ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْكَ أَنْ تُعِينَ مُحْسِنَهُمْ، وَأَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمُذْنِبِهِمْ، وَأَنْ تَدْعُوَ لِمُدَبِّرِهِمْ، وَأَنْ تُحِبَّ تَائِبَهُمْ»
٥٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ سِتُّ خِصَالٍ وَاجِبَةٍ، إِنْ تَرَكَ مِنْهَا وَاحِدَةً، فَقَدْ تَرَكَ حَقًّا وَاجِبًا، إِذَا دَعَاهُ أَنْ يُجِيبَهُ، وَإِذَا مَرِضَ أَنْ يَعُودَهُ، وَإِذَا مَاتَ أَنْ يَحْضُرَهُ، وَإِذَا لَقِيَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَهُ أَنْ يَنْصَحَهُ، وَإِذَا عَطَسَ أَنْ يُشَمِّتَهُ»
٥٧٩ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَى» .
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَأَنْتَ قَدْ رَعَيْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ.
فَأَنَا قَدْ رَعَيْتُ» .
الْحِكْمَةُ فِي رَعْيِ الْأَنْبِيَاءِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَاهُمْ عَلَى الْبَهَائِمِ أَوَّلًا حَتَّى تَظْهَرَ شَفَقَتُهُمْ عَلَى خَلْقِهِ، وَهُوَ
[ ٣٨٤ ]
أَعْلَمُ بِهِمْ، وَإِذَا وَجَدَهُمْ مُشْفِقِينَ عَلَى الْبَهَائِمِ جَعَلَهُمْ أَنْبِيَاءَ، وَجَعَلَهُمْ مُسَلَّطِينَ عَلَى بَنِي آدَمَ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ.
وَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى ﵊، قَالَ: يَا رَبُّ بِأَيِّ شَيْءٍ اتَّخَذْتَنِي صَفِيًّا؟ قَالَ: رَحْمَتُكَ عَلَى خَلْقِي، فَإِنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ لِشُعَيْبٍ ﵊، فَنَدَّتْ شَاةٌ مِنْ غَنَمِكَ، فَاتَّبَعْتَهَا فَأَصَابَكَ الْجَهْدُ فِي طَلَبِهَا، حَتَّى أَدْرَكْتَهَا فَلَمَّا أَخَذْتَهَا ضَمَمْتَهَا إِلَى حِجْرِكَ، وَقُلْتَ لَهَا: يَا مِسْكِينَةُ أَتْعَبْتِنِي وَأَتْعَبْتِ نَفْسَكِ.
فَبِرَحْمَتِكَ عَلَى خَلْقِي اصْطَفَيْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ بِالنُّبُوَّةِ
٥٨٠ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَتَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كَرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ»
٥٨١ - وَرَوَى قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ» وَرَوَى الشَّعْبِيُّ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرْحَمُ مَنْ لَا يَرْحَمُ، وَلَا يَغْفِرُ لِمَنْ لَا يَغْفِرُ وَلَا يَتُوبُ عَلَى مَنْ لَا يَتُوبُ.
٥٨٢ - وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ.
[ ٣٨٥ ]
٥٨٣ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى» وَعَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ فِي الْإِنْجِيلِ مَكْتُوبًا يَا ابْنَ آدَمَ كَمَا تَرْحَمُ فَكَذَلِكَ تُرْحَمُ، وَكَيْفَ تَرْجُو أَنْ يَرْحَمَكَ اللَّهُ وَأَنْتَ لَا تَرْحَمُ عِبَادَهُ؟ وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَتَتَبَّعُ الصِّبْيَانَ، فَيَشْتَرِيَ مِنْهُمُ الْعَصَافِيرَ، فَيُرْسِلَهَا وَيَقُولُ اذْهَبِي فَعِيشِي وَقَالَ شَقِيقٌ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا ذَكَرْتَ الرَّجُلَ بِالسُّوءِ، فَلَمْ تَهْتَمَّ لَهُ تَرَحُّمًا، فَأَنْتَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ، وَإِذَا ذَكَرْتَ الرَّجُلَ الصَّالِحَ، فَلَمْ تَجِدْ فِي قَلْبِكَ حَلَاوَةَ طَاعَةِ رَبِّكَ، فَأَنْتَ رَجُلُ سُوءٍ.
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ قَالَ: لَا تُكْثِروا الْكَلَامَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، وَالْقَلْبُ الْقَاسِي بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَا تَنْظُرُوا فِي عُيُوبِ النَّاسِ، كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ، وَانْظُرُوا إِلَيْهَا كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ، وَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ مُبْتَلًى وَمُعَافًى، فَارْحَمُوا صَاحِبَ الْبَلَاءِ وَاحْمَدُوا اللَّهَ على العافية وروي عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ، قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى طَاوُسَ، فَخَرَجَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقَالَ لِي: أَنَا هُوَ.
فَقُلْتُ لَهُ: لَئِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ، فَإِنَّكَ إِذًا لَخَرِفٌ.
فَقَالَ: إِنَّ الْعَالِمَ لَا يَخْرَفُ.
فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لِي: سَلْ وَأَوْجِزْ.
فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ لِي أَوْجَزْتُ لَكَ.
فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ جَمَعْتُ لَكَ التَّوْرَاة، وَالْإِنْجِيلَ، وَالْفُرْقَانَ فِي ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ فَعَلْتُ.
فَقُلْتُ: وَدِدْتُ ذَلِكَ.
فَقَالَ: خَفِ اللَّهَ خَوْفًا لَا يَكُونُ أَحَدٌ أَخْوَفَ عِنْدَكَ مِنْهُ، وَرَجِّهِ رَجَاءً هُوَ أَشَدُّ مِنْ خَوْفِكَ إِيَّاهُ، وَأَحِبَّ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ جَمَعَ الْإِيمَانَ كُلَّهُ، الْإِنْفَاقُ فِي الْإِقْتَارِ، وَالْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ عَلَى الْخَلَائِقِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ الْأُمُورِ إِلَى
[ ٣٨٦ ]
اللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةٌ: الْعَفْوُ عِنْدَ الْمَقْدِرَة، وَالْقَصْدُ فِي الْجِدَةِ، وَالرِّفْقُ بِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا رَفَقَ أَحَدٌ بِعِبَادِ اللَّهِ إِلَّا رَفَقَ اللَّهُ بِهِ وَرَوَى هِشَامٌ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى آدَمَ، يَا آدَمُ أَرْبَعٌ هُنَّ جِمَاعٌ لَكَ وَلِوَلَدِكَ يَعْنِي جِمَاعُ الْخَيْرِ، وَاحِدَةٌ لِي، وَوَاحِدَةٌ لَكَ، وَوَاحِدَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَوَاحِدَةٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَأَمَّا الَّتِي لِي فَأَنْ تَعْبُدَنِي وَلَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، وَأَمَّا الَّتِي لَكَ فَعَمَلُكَ أَجْزِيكَ بِهِ حِينَ أَفْقَرَ مَا تَكُونَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَمِنْكَ الدُّعَاءُ وَعَلَيَّ الْإِجَابَةُ، وَأَمَّا الَّتِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَاصْحَبْهُمْ بِالَّذِي تُحِبُّ أَنْ يَصْحَبُوكَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[ ٣٨٧ ]