٢١٣ - حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدُّبَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» يَعْنِي النَّمَّامَ
٢١٤ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدُّبَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تَدْرُونَ مَنْ شِرَارُكُمْ»؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: «أَوَّلُ شِرَارُكُمْ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ»
٢١٥ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَجْعَدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ جَدِيدَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ.
وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» .
ثُمَّ أَخَذَ جِرِيدَةً رَطِبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ وَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» .
[ ١٧٠ ]
مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ يَعْنِي لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ عِنْدَكُمْ وَلَكِنَّهُ كَبِيرَةٌ عِنْدَ اللَّهِ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ.
يَعْنِي النَّمَّامَ.
فَإِذَا لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ لَمْ يَكُنْ مَأْوَاهُ إِلَّا النَّارُ.
فَالْوَاجِبُ عَلَى النَّمَّامِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
فَإِنَّ النَّمَّامَ ذَلِيلٌ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَإِنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ
وَرَوَى الْحَسَنُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَمَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْعَلُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَيْنِ مِنَ النَّارِ» .
٢١٦ - وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: مِنْ شَرِّ عِبَادِ اللَّهِ كُلُّ طَعَّانٍ، لَعَّانٍ، نَمَّامٍ.
وَكَانَ يَقُولُ: عَذَابُ الْقَبْرِ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ: ثُلُثٌ مِنَ الْغِيبَةِ، وَثُلُثٌ مِنَ الْبَوْلِ، وَثُلُثٌ مِنَ النَّمِيمَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، أَنَّهُ قَالَ: بَاعَ رَجُلٌ غُلَامًا، فَقَالَ لِلْمُشْتَرِي لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا أَنَّهُ نَمَّامٌ، فَاسْتَخَفَّهُ الْمُشْتَرِي فَاشْتَرَاهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَيْبِ.
فَمَكَثَ الْغُلَامُ عِنْدَهُ أَيَّامًا ثُمَّ قَالَ لِزَوْجَةِ مَوْلَاهُ: إِنَّ زَوْجَكِ لَا يُحِبُّكِ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَسَرَّى عَلَيْكِ، أَفَتُرِيدِينَ أَنْ يَعْطِفَ عَلَيْكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ لَهَا: خُذِي الْمُوسَى وَاحْلِقِي شَعَرَاتٍ مِنْ بَاطِنِ لِحْيَتِهِ إِذَا نَامَ.
ثُمَّ جَاءَ إِلَى الزَّوْجِ وَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتَكَ تَخَادَنَتْ يَعْنِي اتَّخَذَتْ خَلِيلًا.
وَهِيَ قَاتِلَتُكَ.
أَتُرِيدُ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَتَنَاوَمْ لَهَا.
فَتَنَاوَمَ الرَّجُلُ، فَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ بِمُوسَى لِتَحْلِقَ الشَّعَرَاتِ فَظَنَّ الزَّوْجُ أَنَّهَا تُرِيدُ قَتْلَهُ، فَأَخَذَ مِنْهَا الْمُوسَى فَقَتَلَهَا فَجَاءَ أَوْلِيَاؤُهَا فَقَتَلُوه.
فَجَاءَ أَوْلِيَاءُ الرَّجُلِ وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: النَّمَّامُ شَرٌّ مِنَ السَّاحِرِ، وَيَعْمَلُ النَّمَّامُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا
[ ١٧١ ]
يَعْمَلُ السَّاحِرُ فِي شَهْرٍ.
وَيُقَالُ: عَمَلُ النَّمَّامِ أَضَرُّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، لِأَنَّ عَمَلَ الشَّيْطَانِ بِالْخَيَالِ وَالْوَسْوَسَةِ.
وَعَمَلَ النَّمَّامِ بِالْمُوَاجَهَةِ وَالْمُعَايَنَةِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]، قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ الْحَطَبَ أَرَادَ بِهِ النَّمِيمَةَ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ النَّمِيمَةُ حَطَبًا لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِلْعَدَاوَةِ وَالْقِتَالِ.
فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ إِيقَادِ النَّارِ.
وَقَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيِّ: الْأَذِلَّاءُ أَرْبَعَةُ: النَّمَّامُ وَالْكَذَّابُ وَالْمَدْيُونُ وَالْيَتِيمُ وَرَوَى عُتْبَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ، قَالَ: اتَّبَعَ رَجُلًا سَبْعُ مِائَةَ فَرْسَخٍ فِي سَبْعِ كَلِمَاتٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي جِئْتُكَ لِلَّذِي آتَاكَ اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ.
أَخْبِرْنِي عَنِ السَّمَاءِ وَمَا أَثْقَلُ مِنْهَا، وَعَنِ الْأَرْضِ وَمَا أَوْسَعُ مِنْهَا، وَعَنِ الْحِجَارَةِ وَمَا أَقْسَى مِنْهَا، وَعَنِ النَّارِ وَمَا أَحَرُّ مِنْهَا، وَعَنِ الزَّمْهَرِيرِ وَمَا أَبْرَدُ مِنْهُ، وَعَنِ الْبَحْرِ وَمَا أَعْمَقُ مِنْهُ، وَعَنِ الْيَتِيمِ وَمَا أَضْعَفُ مِنْهُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَعَنِ السُّمِّ وَمَا أَذْعَفُ مِنْهُ.
فَقَالَ: أَمَّا الْبُهْتَانُ عَلَى الْبَرِيءِ فَأَثْقَلُ مِنَ السَّمَوَاتِ، وَالْحَقُّ أَوْسَعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْقَلْبُ الْقَانِعُ أَعْمَقُ مِنَ الْبَحْرِ، وَالْحِرْصُ وَالْحَسَدُ أَحَرُّ مِنَ النَّارِ، وَالْحَاجَةُ إِلَى الْقَرِيبِ إِذْ لَمْ تَنْجَحْ أَبْرَدُ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ، وَقَلْبُ الْكَافِرِ أَقْسَى مِنَ الْحَجَرَ، وَالنَّمِيمَةُ إِذَا اسْتَبَانَتْ عَلَى صَاحِبِهَا أَضْعَفُ مِنْ كُلِّ يَتِيمٍ يَعْنِي النَّمَّامَ يَصِيرُ ذَلِيلًا إِذَا ظَهَرَ أَمْرُهُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَذْعَفُ مِنْ كُلِّ سُمٍّ.
يَعْنِي أَهْلَكَ.
يُقَالُ سُمٌّ ذُعَافٌ إِذَا كَانَ مُهْلِكًا.
٢١٧ - وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْجَنَّةَ.
قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي.
قَالَتْ: سَعِدَ مَنْ دَخَلَنِي.
فَقَالَ الْجَبَّارُ جَلَّ وَعَلَا، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يَسْكُنُ فِيكِ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنَ النَّاسِ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلَا مُصِرٌّ عَلَى الزِّنَى وَلَا نَمَّامٌ، وَلَا دَيُّوثٌ وَهُوَ القُرْطُبَانُ، وَلَا الشُّرَطِيُّ، وَلَا
[ ١٧٢ ]
الْمُخَنَّثُ، وَلَا قَاطِعُ الرَّحِمِ، وَلَا الَّذِي يَقُولُ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا أَوْ كَذَا، ثُمَّ لَمْ يَفِ بِهِ ".
وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: مَنْ نَقَلَ إِلَيْكَ حَدِيثًا فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَنْقُلُ إِلَى غَيْرِكَ حَدِيثَكَ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَذَكَرَ عِنْدَهُ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنْ شِئْتَ نَظَرْنَا فِي أَمْرِكَ.
إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]، وَإِنْ شِئْتَ عَفَوْنَا عَنْكَ.
فَقَالَ: الْعَفْوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، أَنَّهُ قَالَ: وَلَدُ الزِّنَى لَا يَكْتُمُ الْحَدِيثَ، وَذُو الْحَسَبِ فِي قَوْمِهِ لَا يُؤْذِي جَارَهُ.
يَعْنِي الَّذِي لَا يَكْتُمُ النَّاسَ وَيَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، فَهُوَ وَلَدُ الزِّنَى وَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَدَ الزِّنَى لَكَتَمَ الْحَدِيثَ.
وَهَذَا مُسْتَخْرَجٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴿١١﴾ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿١٢﴾ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١١-١٣] .
يَعْنِي الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةَ فَإِنَّهُ كَانَ طَعَّانًا، يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ.
يَعْنِي يَمْنَعُ الْخَيْرَ مِنَ النَّاسِ.
مُعْتَدٍ أَثِيمٍ يَعْنِي عَاصٍ.
عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ.
يَعْنِي مَنْ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ فَهُوَ دَعِيٌّ وَالدَّعِيُّ هُوَ وَلَدُ الزِّنَى.
هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ.
وَذُكِرَ أَنَّ حَكِيمًا مِنَ الْحُكَمَاءِ زَارَهُ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ وَذَكَرَ عِنْدَهُ بَعْضَ إِخْوَانِهِ فَقَالَ لَهُ الْحَكِيمُ: قَدْ أَبْطَأْتَ فِي الزِّيَارَةِ وَأَتَيْتَنِي بِثَلَاثِ جِنَايَاتٍ: بَغَّضْتَ إِلَيَّ أَخِي، وَشَغَلْتَ قَلْبِيَ الْفَارِغَ، وَاتَّهَمْتَ نَفْسَكَ بِالْمَيْنِ.
وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: أَصَابَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
[ ١٧٣ ]
قَحْطٌ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسَى ﵊ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَسْتَسْقُونَ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَقَالَ مُوسَى ﵊: إِلَهِي، عِبَادُكَ قَدْ خَرَجُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يُسْتَجَبْ دُعَاؤُهُمْ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى بِأَنِّي لَا أَسْتَجِيبُ لَكَ لِمَنْ مَعَكَ لِأَنَّ فِيكُمْ رَجُلًا نَمَّامًا قَدْ أَصَرَّ عَلَى النَّمِيمَةِ.
فَقَالَ مُوسَى ﵊: مَنْ هُوَ حَتَّى نُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِنَا؟ فَقَالَ يَا مُوسَى أَنْهَاكُمْ عَنِ النَّمِيمَةِ وَأَكُونُ نَمَّامًا فَتُوبُوا بِأَجْمَعِكُمْ فَتَابُوا بِأَجْمَعِهِمْ، فَسُقُوا وَذُكِرَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ جَالِسًا وَعِنْدَهُ الزُّهْرِيُّ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعْتَ فِيَّ وَقُلْتَ كَذَا وَكَذَا.
فَقَالَ الرَّجُلُ مَا فَعَلْتُ وَمَا قُلْتُ شَيْئًا فِيكَ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: إِنَّ الَّذِي أَخْبَرَنِي كَانَ صَادِقًا.
فَقَالَ الزُّهْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَا يَكُونُ النَّمَّامُ صَدُوقًا، قَالَ سُلَيْمَانُ: صَدَقْتَ اذْهَبْ بِسَلَامَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أَخْبَرَكَ بِشَتْمٍ عَنْ أَخٍ فَهُوَ الشَّاتِمُ لَا مَنْ شَتَمَكَ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ مَدَحَكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ فَلَا تَأْمَنْ أَنْ يَذُمَّكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ.
إِذَا أَتَاكَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَكَ أَنَّ فُلَانًا قَدْ فَعَلَ بِكَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ فِيكَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ لَا تُصَدِّقَهُ لِأَنَّ النَّمَّامَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ عِنْدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، يَعْنِي إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِخَبَرٍ فَانْظُرُوا فِي الْأَمْرِ وَلَا تَعْجَلُوا لِكَيْ لَا تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
[ ١٧٤ ]
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَبْغُضَهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ عَاصٍ وَبُغْضُ الْعَاصِي وَاجِبٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْغُضُهُ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا تَظُنَّ بِأَخِيكَ الْغَائِبِ الظَّنَّ السُّوءَ فَإِنَّ إِسَاءَةَ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ حَرَامٌ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا تَجَسُّسَ عَنْ أَمْرِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى عَنِ التَّجَسُّسِ.
وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] .
وَالسَّادِسُ: مَا لَا تَرْضَى مِنْ هَذَا النَّمَّامِ فَلَا تَفْعَلْهُ أَنْتَ.
وَهُوَ أَنْ لَا تُخْبِرَ أَحَدًا بِمَ أَتَاكَ بِهِ هَذَا النَّمَّامُ.
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[ ١٧٥ ]