٥٨٤ - حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَعْلَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: «الْعَاقِلُ» .
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَعْبَدُ النَّاسِ؟ قَالَ: «الْعَاقِلُ» .
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ؟ قَالَ: «الْعَاقِلُ» .
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَيْسَ الْعَاقِلُ مَنْ تَمَّتْ مُرُوءَتُهُ، وَظَهَرَتْ فَصَاحَتُهُ، وَجَادَتْ كَفُّهُ، وَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ، الْعَاقِلُ الْمُتَّقِي وَإِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا خَسِيسًا دَنِيئًا» .
يَعْنِي بِالْمُتَّقِي الَّذِي يَتَّقِي اللَّهَ ﷿، وَيَتَّقِي مَعَاصِيهِ
وَرَوَى مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ﵀، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا عَرَفَ الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ عَلَامَةَ الْخَوْفِ، وَعَلَامَةَ الرَّجَاءِ فَقَدْ تَمَسَّكَ بِالْأَمْرِ الْوَثِيقِ، أَمَّا عَلَامَةُ الْخَوْفِ، فَاجْتِنَابُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَأَمَّا عَلَامَةُ الرَّجَاءِ، فَالْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ.
وَقِيلَ: لِلرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ عَلَامَتَانِ: فَعَلَامَةُ الرَّجَاءِ عَمَلُكَ لِلَّهِ بِمَا يَرْضَى، وَعَلَامَةُ الْخَوْفِ اجْتِنَابُكَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ
[ ٣٨٨ ]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حِينَ طُعِنَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَمْتَ حِينَ كَفَرَ النَّاسُ، وَجَاهَدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَذَلَهُ النَّاسُ، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ اثْنَانِ، وَقُتِلْتَ شَهِيدًا.
فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «الْمَغْرُورُ مَنْ غَرَّرْتُمُوهُ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ»
٥٨٥ - وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ بِهِ، وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ، فَلْيَتَزَوَّدِ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ، وَمِنْ حَيَاتِهِ لِمَوْتِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا دَارٌ إِلَّا الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ»
٥٨٦ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي إِنِّي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَمْنَيْنِ، مَنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
٥٨٧ - وَرُوِيَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَنْصُورٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ تَحْتَ مِنْبَرِ عَدِيِّ بْنِ أَرْطَأَةَ فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا مَا بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَهُمُ اللَّهُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، تَرْعُدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، وَقَالُوا سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ» .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا آوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي.
فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: يَا أَبَا مَيْسَرَةَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ وَهَدَاكَ إِلَى الْإِسْلَامِ.
قَالَ:
[ ٣٨٩ ]
أَجَلْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَنَا أَنَّا وَارِدُونَ النَّارَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّا صَادِرُونَ عَنْهَا وَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَا أَغْبِطُ مَلَكًا مُقَرَّبًا، وَلَا نَبِيًا مُرْسَلًا، أَلَيْسَ هَؤُلَاءِ يُعَاتَبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ إِنَّمَا أَغْبِطُ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ وَقَالَ حَكِيمٌ مِنَ الْحُكَمَاءِ: الْحُزْنُ يَمْنَعُ الطَّعَامَ، وَالْخَوْفُ يَمْنَعُ الذُّنُوبَ، وَالرَّجَاءُ يُقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ، وَذِكْرُ الْمَوْتِ يُزَهِّدُ فِي الْفُضُولِ.
٥٨٨ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا اقْشَعَرَّ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى تَحَاتَّتَ عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا يَتَحَاتُّ مِنَ الشَّجَرَةِ وَرَقُهَا» .
٥٨٩ - وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ آلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «آلِي كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَلَا إِنَّ أَوْلِيَائِي هُمُ الْمُتَّقُونَ، وَلَا فَضْلَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ إِلَّا بِتَقْوَى اللَّهِ ﷿»
٥٩٠ - وَرَوَى الرَّبِيعُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ.
فَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ فَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوَى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ.
وَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ فَالْعَدْلُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَالِاقْتِصَادُ فِي الْفَاقَةِ وَالْغِنَى، وَخَشْيَةُ اللَّهِ ﷿ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ» وَذُكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمَ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَزَالُ بَاكِيًا خَائِفًا سَاهِرًا بِاللَّيْلِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّهُ مَا بِهِ مِنَ الْجَهْدِ نَادَتْهُ يَا بُنَيَّ: أَقَتَلْتَ قَتِيلًا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَتْ: فَمَنْ هُوَ حَتَّى نَطْلُبَ الْعَفْوَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَوَاللَّهِ لَوْ يَعْلَمُونَ مَا تَلْقَاهُ لَرَحَمُوكَ؟ قَالَ: يَا أُمَّاهُ قَتَلْتُ نَفْسِي عَلَامَةُ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَبَيَّنُ فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: يَتَبَيَّنُ فِي لِسَانِهِ، فَيَمْتَنِعُ لِسَانُهُ مِنَ الْكَذِبِ، وَالْغِيبَةِ، وَكَلَامِ الْفُضُولِ، وَيَجْعَلُ لِسَانَهُ مَشْغُولًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ.
[ ٣٩٠ ]
وَالثَّانِي: أَنْ يَخَافَ فِي أَمْرِ بَطْنِهِ، فَلَا يُدْخِلَ بَطْنَهُ إِلَّا طَيِّبًا وَحَلَالًا، وَيَأْكُلَ مِنَ الْحَلَالِ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخَافَ فِي أَمْرِ بَصَرِهِ، فَلَا يَنْظُرَ إِلَى الْحَرَامِ، وَلَا إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الرَّغْبَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ نَظَرُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبْرَةِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَخَافَ فِي أَمْرِ يَدِهِ، فَلَا يَمُدَّنَّ يَدَهُ إِلَى الْحَرَامِ، وَإِنَّمَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى مَا فِيهِ طَاعَةُ اللَّهِ ﷿.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَخَافَ فِي أَمْرِ قَدَمَيْهِ، فَلَا يَمْشِي فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ يَخَافَ فِي أَمْرِ قَلْبِهِ، فَيُخْرِجَ مِنْهُ الْعَدَاوَةَ، وَالْبَغْضَاءَ، وَحَسَدَ الْإِخْوَانِ، وَيُدْخِلَ فِيهِ النَّصِيحَةَ وَالشَّفَقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَالسَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ خَائِفًا فِي أَمْرِ طَاعَتِهِ، فَيَجْعَلَ طَاعَتَهُ خَاصَّةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَخَافَ الرِّيَاءَ، وَالنِّفَاقَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]، وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: ٣١] يَعْنِي نَجَاةً وَسَعَادَةً وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١]، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ الْمُتَّقِينَ فِي كِتَابِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَنْجُونَ مِنَ النَّارِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] .
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِنْدَوْسَةَ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا الْحَرِيرِيُّ، عَنْ أَبِي السَّائِلِ، عَنْ غُنَيْمٍ، عَنِ ابْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي الْعَوَّامِ، قَالَ: قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: أَتَدْرُونَ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قَالُوا: مَا كُنَّا نَرَى وُرُودَهَا إِلَّا دُخُولَهَا، قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّ وُرُودَهَا أَيْ يُجَاءُ بِجَهَنَّمَ كَأَنَّهَا نَتْنُ إِهَالَةٍ وَهُوَ الْوَدَكُ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ عَلَيْهَا أَقْدَامُ الْخَلَائِقِ بَرِّهِمْ، وَفَاجِرِهِمْ، نَادَى مُنَادٍ خُذِي أَصْحَابَكِ وَذَرِي أَصْحَابِي، فَتَخْسِفُ بِكُلِّ وَلِيٍّ لَهَا، وَهِيَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنَ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ، وَيَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ نَدِيَّةً ثِيَابُهُمْ، وَإِنَّ الْخَازِنَ مِنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، مَعَهُ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ لَهُ شُعْبَتَانِ يَدْفَعُ بِهِ الدَّفْعَةَ، فَيُكَبُّ فِي النَّارِ سَبْعُ مِائَةَ أَلْفٍ أَوْ كَمَا قَالَ» .
٥٩١ - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
[ ٣٩١ ]
ﷺ فِي مَسِيرَةٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: قَمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ وَبَعْثَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ آدَمُ: أَيْ رَبِّ فَمَا بَعْثُ النَّارِ وَمَا بَعْثُ الْجَنَّةِ؟ " فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ» .
فَأَنْشَأَ الْقَوْمُ يَبْكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» .
فَكَبَّرُوا ثُمَّ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا كَانَتْ قَبْلَهُ جَاهِلِيَّةٌ، فَيُؤْخَذُ الْعَدَدُ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَمَلَ الْعَدَدُ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيُؤْخَذُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا مَثَلُكُمْ فِي الْأُمَمِ إِلَّا كَمَثَلِ الرِّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، أَوْ كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَكَبَّرُوا.
ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَعَكُمْ لَخَلِيقَتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ كَفَرَةِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: لَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، فَإِنَّكَ لَنْ تَلْحَقَ الْأَبْرَارَ إِلَّا بِأَعْمَالِهِمْ، فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَأَهْلَ الْبِدْعَةِ يُحِبُّونَ أَنْبِيَاءَهُمْ وَلَيْسُوا مَعَهُمْ
٥٩٢ - وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ، وَمَنْ كَانَ غَدُهُ شَرًّا مِنْ يَوْمِهِ، فَهُوَ مَلْعُونٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الزِّيَادَةِ، فَهُوَ فِي النُّقْصَانِ، وَمَنْ كَانَ فِي النُّقْصَانِ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ» .
وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى دَارًا مِنْ زُمُرُّدَةٍ، أَوْ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ، فِيهَا سَبْعُونَ أَلْفَ دَارٍ، وَفِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ أَلْفَ بَيْتٍ لَا يَنْزِلُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ، أَوْ إِمَامٌ عَادِلٌ، أَوْ رَجُلٌ مُحَكَّمٌ فِي نَفْسِهِ.
قِيلَ: وَمَا الْمُحَكَّمُ فِي نَفْسِهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَعْرِضُ لَهُ الْحَرَامُ، فَيَتْرُكُهُ مَخَافَةَ اللَّهِ ﷿
٥٩٣ - قَالَ الْفَقِيهُ ﵀ سَمِعْتُ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، يَقُولُ: كَانَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ لَهُ حَنْظَلَةُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً رَقَّتْ لَهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَعَرَّفَتْنَا أَنْفُسَنَا.
فَرَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي،
[ ٣٩٢ ]
فَدَنَتْ مِنِّي الْمَرْأَةُ وَجَرَى بَيْنَنَا مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا، فَنَسِيتُ مَا كُنَّا عَلَيْهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخَذْنَا فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، ثُمَّ تَذَكَّرْتُ مَا كُنْتُ فِيهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: قَدْ نَافَقْتُ حِينَ تَحَوَّلَ عَنِّي مَا كُنْتُ فِيهِ مِنَ الْخَوْفِ وَالرِّقَّةِ وَالْحُزْنِ، فَخَرَجْتُ فَجَعَلْتُ أُنَادِي نَافَقَ حَنْظَلَةُ.
فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ: كَلَّا لَمْ تُنَافِقْ يَا حَنْظَلَةُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا أَقُولُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، نَافَقَ حَنْظَلَةُ فَقَالَ: كَلَّا لَمْ تُنَافِقْ يَا حَنْظَلَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كُنَّا عِنْدَكَ، فَوَعَظْتَنَا مَوْعِظَةً، وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَعَرَّفَتْنَا أَنْفُسَنَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَأَخَذْنَا فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، وَنَسِيتُ مَا كُنَّا عِنْدَكَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «يَا حَنْظَلَةُ إِنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي الطَّرِيقِ وَلَزَارَتْكُمْ فِي دُورِكُمْ، وَعَلَى فِرَاشِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةٌ فَسَاعَةٌ» .
٥٩٤ - وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] الْآيَةَ.
أَهُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي وَيَخَافُونَ؟ قَالَ: «لَا.
وَلَكِنْ هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالطَّاعَةِ وَيَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ» .
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: مَنْ عَمِلَ الْحَسَنَةَ يَحْتَاجُ إِلَى خَوْفِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ يَعْمَلُ السَّيِّئَةَ؟ أَوَّلُهَا: خَوْفُ الْقَبُولِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وَالثَّانِي: خَوْفُ الرِّيَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] الْآيَةَ.
وَالثَّالِثُ: خَوْفُ التَّسْلِيمِ وَالْحِفْظِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فَاشْتَرَطَ الْمَجِيءَ بِهَا إِلَى دَارِ الْآخِرَةِ.
وَالرَّابِعُ: خَوْفُ الْخِذْلَانِ فِي الطَّاعَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّهُ هَلْ يُوَفَّقُ لَهَا أَمْ لَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]
[ ٣٩٣ ]