٥٩٥ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ ﵀ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ، ذِكْرُ اللَّهِ»
[ ٣٩٤ ]
٥٩٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " الْأَعْمَالُ ثَلَاثَةٌ: إِنْصَافُ الرَّجُلِ مِنْ نَفْسِهِ، وَمُوَاسَاةُ الْأَخِ فِي الْمَالِ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ".
وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﷿.
قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]
٥٩٧ - وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ بِذِكْرِ اللَّهِ»
[ ٣٩٥ ]
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ﵀: مَنْ لَمْ يَأْنَسْ بِحَدِيثِ اللَّهِ ﷿ عَنْ حَدِيثِ الْمَخْلُوقِينَ، فَقَدْ قَلَّ عَمَلُهُ، وَعَمِيَ قلبه، وضيع عمره
٥٩٨ - وروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ عَلَمُ الْإِيمَانِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، وَحِصْنٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَحِرْزٌ مِنَ النَّارِ»
٥٩٩ - وَرَوَى وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، ﵉، إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَمَرَهُ بِأَنْ يَأْمُرَهُمْ بِخَمْسِ خِصَالٍ، وَيَضْرِبَ لَهُمْ بِكُلِّ خَصْلَةٍ مَثَلًا.
أَمَرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ: مَثَلُ الشِّرْكِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ، ثُمَّ أَسْكَنَهُ دَارًا وَزَوَّجَهُ جَارِيَةً لَهُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ مَالًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُتْجِرَ فِيهِ، وَيَأْكُلَ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ، وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ فَضْلَ الرِّبْحِ، فَعَمَدَ الْعَبْدُ إِلَى فَضْلِ رِبْحِهِ، فَجَعَلَ يُعْطِيهِ لِعَدُوِّ سَيِّدِهِ، وَيُعْطِي لِسَيِّدِهِ مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى بِمِثْلِ هَذَا الْعَبْدِ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ، وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلا: فَقَالَ: مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى مَلِكٍ مِنَ الْمُلُوكِ، فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَأَقْبَلَ الْمَلِكُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ لِيَسْمَعَ مَقَالَتَهُ، وَيَقْضِيَ حَاجَتَهُ فَجَعَلَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَهْتَمَّ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ الْمَلِكُ وَلَمْ يَقْضِ حَاجَتَهُ، وَأَمَرَهُمْ بِالصِّيَامِ وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ: مَثَلُ الصَّائِمِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ لَبِسَ جُبَّةً لِلْقِتَالِ، وَأَخَذَ سِلَاحَهُ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ عَدُوُّهُ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ سِلَاحُ عَدُوِّهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ: مَثَلُ الصَّدَقَةِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، فَاشْتَرَى مِنْهُ نَفْسَهُ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، فَجَعَلَ يَعْمَلُ فِي بِلَادِهِمْ، وَيُؤَدِّي إِلَيْهِمْ مِنْ كَسْبِهِ مِنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَتَّى فَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ فَعَتَقَ وَفَكَّ مِنْهُمْ رَقَبَتَهُ، وَأَمَرَهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ مَثَلُ الذِّكْرِ كَمَثَلِ قَوْمٍ لَهُمْ حِصْنٌ، وَبِقُرْبِهِمْ عَدُوٌّ، فَجَاءَهُمْ عَدُوُّهُمْ، فَدَخَلُوا حِصْنَهُمْ، وَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ بَابَهُ، فَحَصَّنُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الْعَدُوِّ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَأَنَا آمُرُكُمْ بِهَذِهِ الْخِصَالِ الْخَمْسِ، الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِنَّ يَحْيَى ﵊، وَآمُرُكُمْ بِخَمْسِ خِصَالٍ أُخْرَى: أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِنَّ: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ، وَمَنْ دَعَا بِدُعَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَهُوَ خَشَبٌ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ "
٦٠٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: مَنْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ تُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالتَّسْبِيحُ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَنْتَهِي إِلَى ثَوَابِهِ عِلْمُ أَحَدٍ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا ذَكَرَنِي عَبْدِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِذَا ذَكَرَنِي وَحْدَهُ ذَكَرْتُهُ وَحْدِي، وَإِذَا ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَأَكْرَمَ.
وَقَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَضَعُ جَنْبَهُ عَلَى الْفِرَاشِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فَيُدْرِكَهُ النَّوْمُ، وَهُوَ كَذَلِكَ إِلَّا كُتِبَ ذَاكِرًا إِلَى أَنْ يَسْتَيْقِظَ.
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: الذِّكْرُ مِنَ اللَّهِ ﷿ الْعَفْوُ وَالْمَغْفِرَةُ، فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَغْفِرَةِ وَذُكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الذِّكْرُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ وَالْإِسْلَامُ بَيْنَ السَّيْفَيْنِ، وَالذَّنْبُ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: الذِّكْرُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ، يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، مَا لَمْ يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّوْفِيقِ، وَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَغْفِرَةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: الْإِسْلَامُ بَيْنَ السَّيْفَيْنِ، يَعْنِي يُقَاتَلُ حَتَّى يُسْلِمَ، ثُمَّ إِذَا رَجَعَ عَنِ الْإِسْلَامِ يُقْتَلُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: الذَّنْبُ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ، يَعْنِي فَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُذْنِبَ، فَإِذَا أَذْنَبَ فَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ٤]، قَالَ: هُوَ الشَّيْطَانُ نَائِمٌ عَلَى الْقَلْبِ، فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى خَنَسَ، فَإِذَا غُفِلَ وَسْوَسَ
[ ٣٩٦ ]
٦٠١ - وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ صِقَالٌ، وَصِقَالُ الْقَلْبِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى " وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَسَلَّمَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَقِيلَ، يَعْنِي لَمْ يَبْقَ لِي هَهُنَا مَوْضِعُ قَرَارٍ، وَإِذَا أَتَى بِطَعَامٍ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَقِيلَ، وَلَا مَطْعَمَ، وَلَا مَشْرَبَ، فَيَخْرُجُ خَائِبًا
٦٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ فِي آخِرِهِ " وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، وَلَمْ يَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَكَلَ الشَّيْطَانُ مَعَهُ، وَإِذَا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى مَنَعَ الشَّيْطَانَ مِنْ بَقِيَّةِ طَعَامِهِ، وَتَقَايَأ مَا أَكَلَ، وَاسْتَأْنَفَ طَعَامًا جَدِيدًا
حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُطِيعٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ بَدْرٍ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: " إِبْلِيسُ لِرَبِّهِ، أَيْ رَبِّ جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ بُيُوتًا يَذْكُرُونَكَ فِيهَا فَمَا بَيْتِي؟ قَالَ: الْحَمَّامُ، قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ مَجْلِسًا فَمَا مَجْلِسِي؟ قَالَ: السُّوقُ.
قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ قِرَاءَةً فَمَا قِرَاءَتِي؟ قَالَ: الشِّعْرُ.
قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ حَدِيثًا فَمَا حَدِيثِي؟ قَالَ: الْكَذِبُ.
قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمُ آذَانًا فَمَا آذَانِي؟ قَالَ: الْمِزْمَارُ.
قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ رُسُلًا فَمَا رُسُلِي؟ قَالَ: الْكَهَنَةُ.
قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمُ كِتَابًا فَمَا كِتَابِي؟ قَالَ: الْوَشْمُ.
قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ مَصَائِدَ فَمَا مَصَائِدِي؟ قَالَ: النِّسَاءُ.
قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ طَعَامًا فَمَا طَعَامِي؟ قَالَ: مَا لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمِي.
قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ شَرَابًا فَمَا شَرَابِي؟ قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ "
وَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ
[ ٣٩٧ ]
أَوَصْنِي بِشَيْءٍ فَقَالَ لَهُ فُضَيْلُ: احْفَظْ عَنِّي خَمْسًا: أَوَّلُهَا: أَنَّ مَا أَصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ، فَقُلْ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى تَدْفَعَ الْمَلَامَةَ عَنِ الْخَلْقِ.
وَالثَّانِي: احْفَظْ لِسَانَكَ لِيَنْجُوَ كُلُّ الْخَلْقِ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَنْجُو مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّالِثُ: صَدِّقْ رَبَّكَ بِمَا وَعَدَكَ مِنَ الرِّزْقِ حَتَّى تَكُونَ مُؤْمِنًا.
وَالرَّابِعُ: اسْتَعِدَّ لِلْمَوْتِ حَتَّى لَا تَمُوتَ غَافِلًا.
وَالْخَامِسُ: اذْكُرِ اللَّهَ كَثِيرًا حَيْثُمَا كُنْتَ، حَتَّى تَكُونَ مُحَصَّنًا مِنْ جَمِيعِ السَّيِّئَاتِ وَذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُحَدِّثُ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الدُّنْيَا، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَهَذَا كَلَامٌ تَرْجُو فِيهِ الثَّوَابَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا.
قَالَ: أَفَتَأْمَنُ فِيهِ الْعِقَابَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَمَا تَصْنَعُ بِكلَامٍ لَا تَرْجُو فِيهِ ثَوَابًا وَلَا تَأْمَنُ فِيهِ عِقَابًا؟ عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى
٦٠٣ - قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ فَوْقَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَقَالَ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، يُضِيءُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا يُضِيءُ الْمِصْبَاحُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ، وَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي لَا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى يُظْلِمُ عَلَى أَهْلِهِ.
وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ مُوسَى ﵇، قَالَ: يَا رَبُّ كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ مَنْ أَحْبَبْتَ مِمَّنْ أَبْغَضْتَ؟ قَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي إِذَا أَحْبَبْتُ عَبْدًا جَعَلْتُ فِيهِ عَلَامَتَيْنِ.
قَالَ: يَا رَبُّ وَمَا هُمَا؟ قَالَ: أُلْهِمُهُ ذِكْرِي لِكَيْ أَذْكُرَهُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَعْصِمُهُ عَنْ مَحَارِمِي، وَسَخَطِي، كَيْ لَا يَحِلَّ عَلَيْهِ عَذَابِي، وَنِقْمَتِي يَا مُوسَى، وَإِذَا أَبْغَضْتُ عَبْدًا جَعَلْتُ فِيهِ عَلَامَتَيْنِ.
قَالَ: يَا رَبُّ وَمَا هُمَا؟ قَالَ: أُنْسِيهِ ذِكْرِي وَأُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ لِكَيْ يَقَعَ فِي مَحَارِمِي بِسَخَطِي، فَيَحِلَّ عَلَيْهِ عَذَابِي وَنِقْمَتِي
[ ٣٩٨ ]
٦٠٤ - وَرَوَى أَبُو الْمُلَيْحِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ رَدِيفَهُ عَلَى دَابَّةٍ فَعَثَرَتْ بِهِمَا الدَّابَّةُ فَقَالَ الرَّجُلُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإِنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَتَعَاظَمُ حَتَّى يَكُونَ مِلْءَ الْبَيْتِ، وَلَكِنْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَصْغَرُ عِنْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ»
٦٠٥ - وَرَوَى دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ جُبَيْرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «كَفَّارَةُ الْمَجْلِسِ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ أَنْ يَقُولُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، فَإِنْ كَانَ مَجْلِسَ ذِكْرٍ كَانَ كَالطَّابِعِ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ كَانَ مَجْلِسَ لَغْوٍ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهُ»
٦٠٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ فَلَقِيتُ أَخَا سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ ".
قَالَ: فَقَدِمْتُ خُرَاسَانَ فَأَتَيْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ فَقُلْتُ: قَدْ أَتَيْتُكَ بِهَدِيَّةٍ فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ، فَكَانَ قُتَيْبَةُ يَرْكَبُ فِي مَوْكِبِهِ حَتَّى يَأْتِيَ السُّوقَ فَيَقُولَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ ثُمَّ يَنْصَرِفَ
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: اعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ مِقْدَارًا، وَجَعَلَ لَهَا أَوْقَاتًا، وَلَمْ يَجْعَلْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِقْدَارًا، وَلَا وَقْتًا وَأَمَرَ بِالْكَثْرَةِ بِغَيْرِ الْمِقْدَارِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، يَعْنِي اذْكُرُوهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَتَفْسِيرُ الذِّكْرِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.
أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ
[ ٣٩٩ ]
فِي الطَّاعَةِ، أَوْ فِي الْمَعْصِيَةِ، أَوْ فِي النِّعْمَةِ، أَوْ فِي الشِّدَّةِ، فَإِنْ كَانَ فِي الطَّاعَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِالتَّوْفِيقِ، وَيَسْأَلُهُ مِنْهُ الْقَبُولَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْصِيَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِالِامْتِنَاعِ، وَيَسْأَلَهُ التَّوْبَةَ، وَإِنْ كَانَ فِي النِّعْمَةِ يَذْكُرُهُ بِالشُّكْرِ وَإِنْ كَانَ فِي الشِّدَّةِ يَذْكُرُهُ بِالصَّبْرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى خَمْسَ خِصَالٍ مَحْمُودَةٍ: أَوَّلُهَا: أَنَّ فِيهِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَزِيدُ فِي الْحِرْصِ عَلَى الطَّاعَاتِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِيهِ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ إِذَا كَانَ ذَاكِرًا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ فِيهِ رِقَّةُ الْقَلْبِ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الْمَعَاصِي.
وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٤٠٠ ]