٩١٧ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵀ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: «يَا مُجَاهِدُ، إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَمَاتِكَ، وَمِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَدًا»
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِذَا أَصْبَحَ الرَّجُلُ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: أَدَاءُ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: اجْتِنَابُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْصَافُ مَنْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مُعَامَلَةٌ.
وَالرَّابِعُ: إِصْلَاحُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُصَمَائِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ عَلَى هَذِهِ النِّيَّاتِ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْمُفْلِحِينَ.
وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: بِأَيِّ نِيَّةٍ يَقُومُ الرَّجُلُ عَنْ فِرَاشِهِ؟ قَالَ: لَا يُسْأَلُ عَنِ الْقِيَامِ حَتَّى يُنْظَرَ كَيْفَ يَنَامُ، ثُمَّ يُسْأَلُ عَنِ الْقِيَامِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يَنَامُ لَا يَعْرِفْ كَيْفَ يَقُومُ.
ثُمَّ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَنَامَ مَا لَمْ يُصْلِحْ أَرْبَعَةً أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ لَا يَنَامَ، وَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ خَصْمٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَتَحَلَّلَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَأْتِيهِ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَيُقَدِّمُهُ عَلَى رَبِّهِ لَا حُجَّةَ لَهُ عِنْدَهُ.
[ ٥٦٥ ]
وَالثَّانِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ فَرْضٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّالِثُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ مَا لَمْ يَتُبْ مِنْ ذُنُوبِهِ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَمُوتُ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الذُّنُوبِ.
وَالرَّابِعُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ حَتَّى يَكْتُبَ وَصِيَّةً صَحِيحَةً لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَمُوتُ مِنْ لَيْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ.
وَيُقَالُ: النَّاسُ يُصْبِحُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ فِي طَلَبِ الْمَالِ، وَصِنْفٌ فِي طَلَبِ الْإِثْمِ، وَصِنْفٌ فِي طَلَبِ الطَّرِيقِ، فَأَمَّا مَنْ أَصْبَحَ فِي طَلَبِ الْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يَأْكُلُ فَوْقَ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ كَثُرَ الْمَالُ، وَمَنْ أَصْبَحَ فِي طَلَبِ الْإِثْمِ لَحِقَهُ الْهَوَانُ، وَمَنْ أَصْبَحَ فِي طَلَبِ الطَّرِيقِ، آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الرِّزْقَ وَالطَّرِيقَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أَصْبَحَ لَزِمَهُ أَمْرَانِ: الْأَمْنُ، وَالْخَوْفُ، فَأَمَّا الْأَمْنُ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ آمِنًا بِمَا تَكَفَّلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ أَمْرِ رِزْقِهِ، وَأَمَّا الْخَوْفُ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ خَائِفًا فِيمَا أُمِرَ بِهِ حَتَّى يُتِمَّهُ، فَإِذَا فَعَلَ هَذَيْنِ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقَنَاعَةُ بِمَا يُعْطِيهِ.
وَالثَّانِي: حَلَاوَةُ طَاعَتِهِ.
وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: كَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ إِذَا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: «أَصْبَحْنَا ضُعَفَاءَ مُذْنِبِينَ نَأْكُلُ أَرْزَاقَنَا، وَنَنْتَظِرُ آجَالَنَا»
وَعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، قِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: كَيْفَ يُصْبِحُ مَنْ كَانَ مُنْقَلَبُهُ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ، وَلَا يَدْرِي إِلَى الْجَنَّةِ يَصِيرُ أَمْ إِلَى النَّارِ وَذُكِرَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵉، قِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا رُوحَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ لَا أَمْلِكُ مَا أَرْجُو، وَلَا أَسْتَطِيعُ دَفْعَ مَا أَخَافُ وَأَصْبَحْتُ مُرْتَهَنًا بِعَمَلِي، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدِ غَيْرِي، وَلَا فَقِيرَ أَفْقَرُ مِنِّي وَقِيلَ لِعَامِرِ بْنِ قَيْسٍ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ وَقَدْ أَوْقَرْتُ نَفْسِي مِنْ ذُنُوبِي، وَأَوْقَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نَعْمَائِهِ، فَلَا أَدْرِي أَعِبَادَتِي تَكُونُ تَمْحِيصًا لِذُنُوبِي، أَوْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ
[ ٥٦٦ ]
وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: كَيْفَ حَالُكَ؟ فَقَالَ: كَيْفَ حَالُ مَنْ عَلَيْهُ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ دَيْنًا، وَهُوَ مُعِيلٌ، فَدَخَلَ ابْنُ سِيرِينَ مَنْزِلَهُ، وَأَخْرَجَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: خَمْسُ مِائَةٍ اقْضِ بِهَا دَيْنَكَ وَخُمْسُ مِائَةُ دِرْهَمٍ أَنْفِقْهَا عَلَى عِيَالِكَ.
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُ أَحَدًا بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ حَالُكَ؟ مَخَافَةَ أَنْ يُخْبَرَ عَنْ حَالِهِ، فَيَصِيرَ قِيَامُهُ بِأَمْرِهِ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، قَالَ: مَنْ أَصْبَحَ لَزِمَهُ شُكْرُ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ.
أَوَّلُهَا أَنْ يَشْكُرَ، فَيَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَوَّرَ قَلْبِي بِنُورِ الْهُدَى، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَجْعَلْنِي ضَالًّا.
وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَالثَّالِثُ أَنْ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ رِزْقِي بِيَدِ غَيْرِهِ.
وَالرَّابِعُ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَتَرَ عَلَيَّ عُيُوبِي وَعَنْ شَقِيقِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَاشَ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَلَا يَعْرِفُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَقَّ بِهِ مِنَ النَّارِ.
أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ عَمَلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَنْ يَعْرِفَهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، لِأَنَّهُ لَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ غَيْرُهُ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ عَمَلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَنْ يَعْرِفَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ، إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ نَفْسِهِ، فَأَنْ يَعْرِفَ ضَعْفَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدَّ شَيْئًا مِمَّا يَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، يَعْنِي يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ وَأَمَّا مَعْرِفَةُ عَدُوِّ اللَّهِ، وَعَدُوِّ نَفْسِهِ، فَأَنْ يَعْرِفَهُ بِالشَّرِّ فَيَجْزِيَهُ بِالْمَعْرِفَةِ حَتَّى يَكْسِرَهُ وَيُقَالُ: مَا مِنْ يَوْمٍ أَصْبَحَ فِيهِ ابْنُ آدَمَ، إِلَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَةَ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ قِيَامِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿٤١﴾ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الأحزاب: ٤١-٤٢]،
[ ٥٦٧ ]
وَالثَّانِي: سَتْرُ الْعَوْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، الْآيَةَ.
وَأَدْنَى الزِّينَةُ مَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ.
وَالثَّالِثُ: إِتْمَامُ الْوُضُوءِ فِي أَوْقَاتِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، الْآيَةَ.
وَالرَّابِعُ: إِتْمَامُ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، يَعْنِي فَرْضًا مَفْرُوضًا مُؤَقَّتًا مَعْلُومًا.
وَالْخَامِسُ: الْأَمْنُ بِوَعْدِ اللَّهِ فِي شَأْنِ الرِّزْقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وَالسَّادِسُ: الْقَنَاعَةُ بِقِسَمِ اللَّهِ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢]، وَالسَّابِعُ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وَالثَّامِنُ: الصَّبْرُ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَضَائِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨]، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وَالتَّاسِعُ: الشُّكْرُ عَلَى نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]، وَأَوَّلُ النِّعْمَةِ هِيَ صِحَّةُ الْجِسْمِ، وَأَعْظَمُ النِّعْمَةِ هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَنِعَمُهُ كَثِيرَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وَالْعَاشِرُ: الْأَكْلُ الْحَلَالُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، يَعْنِي حَلَالًا
[ ٥٦٨ ]