هذا الزمان فيه بقية من الشباب، وللنفس فيه ميل إلى الشهوات، وفيه جهاد حسن، وإن كانت طاقات الشيب تزع وتظعج عن مهاد اللهو.
وليكتف الكهل بنور الشيب الذي أضاء له سبيل الرحيل، وليعامل بالبقية المائلة إلى الهوى يربح، لكن لا كريح الشاب.
قال (الشافعي) - ﵀ - فيمن أتى امرأة وهي حائض: إن كان في أول الحيض فعليه دينار، وإن
[ ٦٥ ]
كان في آخره فنصف دينار.
وهذا لأنه في أوله قريب عهد بالجماع فلا يعذر، وفي آخره قد بعد عهده به فخفف عنه.
قال المصنف - ﵀ -: ومما قلته في هذا المعنى:
قَد رَأَيتُ المَشيبَ نُورًا تَبَدّى … نُوَّرَ الطُرقَ ثُمَّ ما إِن تَعَدّى
إِن نُورَ الشَبابِ عَارِيَةٌ عِندي … فَجاءَ المُعيرُ حَتّى اِستَرَّدا
جاءَني ناصِحٌ أَتاني نَذيرٌ … بِبَياضٍ أَراني الأَمرَ جِدّا
[ ٦٦ ]
دَع حَديثَ الصَبى وَرَامَةَ وَالغَو … رِ وَنَجدًا يا سَعدُ واسعَ لِسُعدى
ثُمَّ خَلّى حَديثَ لَيلى ونُعمَ … وَمَساعٍ وَكُلثُمَ دَع دَعدا
وَتَزّوَّد زادَ الشِتاءِ فَقَد فا … تَ رَبيعٌ ضَيَّعتَ فيهِ الوَردا
قِف عَلى البابِ سَئِلًا عَفوَ مَولا … كَ فَما إِن يَزالُ يَرحَمُ عَبدا
وله أيضًا - ﵀ -:
عِشتَ وَظِلُّ الشَبابِ مَمدُودُ … وَالغُصنُ يَهتَزُّ وَالصَبا رُودُ
فَأَقبَلَ الشَيبُ في عَساكِرِهِ … أُسودُ غابٍ فَغابَت السودُ
كُنتَ في ظُلمَةٍ فَأشرَقَ فَجرُ المَشيـ … ـبِ فَاللَيلُ عَنهُ مَطرودُ
[ ٦٧ ]
قَد مَيَّسَ الغُصُنُ في نَضارَتِهِ … لَكِنَّهُ بَعدَ أَن ذَوَت عَودُ
وَجاءَكَ المَوتُ فَانتَظِرهُ وَذا العُمـ … ـرُ يَسيرُ وَالسَيرُ مَعدودُ
لا بُدَّ مِن مُزعِجٍ عَلى غَرَرٍ … هَيهاتَ بابُ البَقاءِ مَسدودُ
تَرَحَّل عَن كُلِّ مَا تَخلُفُهُ … وَيَأكُلُ الجِسمُ في البِلى الدُودُ
نَعَم وَيَمحو الثَرى مَحاسِنَهُ … لا تُعرَفُ البيضُ فيهِ وَالسودُ
وَالسَمعُ قَد صُمَّ عَن مَواعِظِهِ … وَالجَهلُ فاسٍ وَالقَلبُ جُلمودُ
وقال - ﵀ -:
[ ٦٨ ]
ياهَل يَعودُ ما مَضى لِيَ رَجِعًا … أَم هَل أَرى نُجومَهُ لَوامِعا
إِذا تَذَكَّرتُ زَمانًا ماضيًا … جَدَّدَ حُزنًا اِنقَضَّ الأَضالِعا
ما لِلشُموسِ قَد بَدَت أَوافِلا … وَطَالَما رَأَيتُها طَوالِعا
كانَ الصَبا لَهوًا عَجيبًا حالُهُ … يا سُرعانَ ما فُطِمتُ راضِعًا
بادِر بِذا الباقي وَأَدرِك ما مَضى … لَعَلَّ ما يَبقى يَكونُ نافِعا
يا حَسرَتي عَلى ما قَد مَضى … وَذَهَبَت أَيّامُه ضَوائِعا
[ ٦٩ ]