في الحريث: (ابن ثمانين أسير الله في الأرض).
ولم يبق في زمان الهرم إلا تدارك ما مضى، والاستغفار، والدعاء، وعمل ما يمكن من الخير، اغتنامًا للساعات، والتأهب للرحيل.
وكان (سرى) لا ينام إلا غلبةً ودخلوا على (الجنيد) - رحمه الله تعالى - وهو في الموت، وهو يركع ويسجد، فأراد أن يثني رجله في صلاته فما أمكنه لخروج الروح منها. فقال
[ ٧٧ ]
رجل: ما هذا؟ فقال: هذه نعم الله أكبر.
وكان (عامر بن عبد قيس) يصلي كل يوم ألف ركعة، ولقيه رجل، فقال: أكلمك كلمة، فقال: أمسك الشمس (حتى أكلمك).
وقال رجل سأله: (عجل) فإني مبادر. قال: وما الذي تبادر قال: خروج روحي.
وقال (عثمان الباقلاني): أبغض الأشياء إلى وقت إفطاري لأني أشتغل بالأكل عن الذكر.
[ ٧٨ ]
وكان (داود الطائي) - ﵀ - يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز. فقيل له في ذلك، فقال: بين أكل الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية.
ودخل قوم على عابد، فقالوا: لعلنا شغلناك. قال: صدقتم، كنت أقرأ فتعتموني.
ومن نظر في شرف العمر اغتنمه. وفي الصحيح: (من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة).
وقال الحسن ﵀: الجنة قيعان والملائكة تغرس فربما فتروا، فيقال: مالكم
[ ٧٩ ]
فترتم! فيقولون: فتر صاحبنا. فقال الحسن: أمدوهم رحمكم الله.
وقد رأينا جماعة من الأشياخ يرتاحون إلى حضور الناس عندهم، وسماع الأحاديث التي تضر ولا تنفع، فمضى زمانهم في غير شيء، ولو فهموا كانت تسبيحة أصلح. وهذا لا يكون إلا من الغفلة عن الآخرة؛ لأن بتسبيحة واحدة يحصل الثواب على ما ذكرنا. والأحاديث الدنيوية تؤذى ولا تنفع.
كان (أبو موسى الأشعري) - ﵁ - يصوم في الحر، فيقال له: أنت شيخ كبير. فيقول: إني أعده ليوم طويل.
وقيل لعابد: ارفق بنفسك. قال: الرفق أطلب.
[ ٨٠ ]
جاء بعض رفقاء (سري السقطي) - رحمه الله تعالى - إليه يزوره، فوجد عنده جماعة. فقال: يا سرى! صرت مناخًا للبطالين، ثم ذهب ولم يقعد.
ومن عرف شرف العمر وقيمته لم يفرط في لحظة منه.
فلينظر الشاب في حراسة بضاعته. وليحتفظ الكهل بقدر استطاعته.
وليتزود الشيخ للحاق جماعته. ولينظر الهرم أن يؤخذ من ساعته.
نفعنا الله وإياكم بعلومنا، ولا سلبنا فوائد فهومنا، (ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، ولا يجعل علمنا حجة علينا)، إنه ولي ذلك والقادر عليه،
[ ٨١ ]
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكان الفراغ من كتبها يوم الخميس المبارك، تاسع عشر، جمادى الآخرة، سنة ثمان وتسعين وألف. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا وحول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى صحبه وسلم آمين. آمين.
[ ٨٢ ]