قد يكون في أول الشيخوخة بقية هوى، فيثاب الشيخ على قدر صبره، وكلما قوى الكبر ضعفت الشهوة فلا يراد الذنب كما قال الشاعر:
تارَكَكَ الذَنبُ فَتارَكتَهُ … بِالفِعلِ والشَهَوَةُ في القَلبِ
فَالحَمدُ لِلّهِ عَلى تَركِهِ … لا لَكَ في تَركِكَ لِلذَنبِ
[ ٧٠ ]
فإذا تعمد الشيخ ذنبًا فهو مراغم، إذ الشهوة الطالبة قد خسرت؛ ولهذا قال رسول - الله ﷺ -: (أبغض الخلق إلى الله تعالى شيخ زان).
ومنهم من يقصد المراغمة فيلبس الشيخ الخاتم الذهب.
فالويل لمن لم ينهه شيبه عن عيبه؛ ما ذاك إلا لخلل في إيمانه وقد يقول الشيخ العالم: علمي يدفع عني! وينسى أن علمه حجة عليه.
وقد رؤى بعض مشايخنا في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وهو معرض
[ ٧١ ]
عني. فقيل له: غفر لك وأعرض عنك!! فقال: نعم وعن جماعة من العلماء لم يعملوا بعلمهم.
وقد رأيت بعض مشايخنا - وكان مفرطًا - وهو عريان، وقد تعلق بثديه ثلاث كلاب صغار - والجرو منهم - يمص ثديه.
وقد رؤي في المنام (يحيى بن أكثم) فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قال لي يا شيخ السوء. (وكذلك منصور بن عمار).
قال الفضيل [بن عياض]- ﵀ -: يغفر للجاهل سبعون ذنبًا قبل أن يغفر للعالم ذنب
[ ٧٢ ]
واحد. قال الله - ﷿ - (قُل هَل يَستوي الَّذينَ يَعلَمونَ وَالَّذينَ لا يَعلَمونَ).
قال (أبو الدرداء): ويل لمن عمل ولا يعلم مرة، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات.
وقال: أخوف ما أخاف أن يقال لي: علمتَ؟ [*] فإن قلتُ: لا، فقد علِمتُ، وإن قلتُ: نعم، لم يبق آية آمرة أو ناهية إلا وبَّخَتْني [**].
قال المصنف - رحمه الله تعالى -: ومما قلته في ذكر الشيب:
_________________
(١) (تعليق معد الكتاب للشاملة): [*] بالمطبوع: «عملتَ»، والتصويب من ط البشائر ت العجمي [*] بالمطبوع: «وتُجْتَنَي»، والتصويب من ط البشائر ت العجمي
[ ٧٣ ]
غَرَرنا بِالشَبابِ المُستَعارِ … اَفَقنا بِالمَشيبِ مِنَ الخَمارِ
أَنارَ لَنا المَشيبُ سَبيلَ رُشدٍ … وَنَدِمنا على خَلعَ العِذارِ
فَوا أَسَفى عَلى عُمُرٍ تَوَلَّت … لَذَاذَتُهُ وَاَبقَت قُبحَ عارِ
فَنَحنُ اليَومَ تَبكي ما فَعَلنا … فَكَيفَ وَكَم وَقَعنا في خَسارِ
فَلَيسَ لَنا سِوى حَزَنٍ وَخَوفٍ … وَنَدبٍ في خُضوعٍ وَاِنكِسارِ
تَعالَوا نَبكِ ما قَد كانَ مِنّا … وَقوموا في الدَياجي بِاِعتِذارِ
وَما شَيءٌ لِمَحوِ الذَنبِ أَولَى … مِنَ الأَحزانِ وَالدَمعِ الغِزِارِ
[ ٧٤ ]
سَتَدري يا مُفَرِطُ صِدقَ قَولي … إِذا غُودِرتَ في بَطنِ الصَحارِ
وَخَلّاكَ الرَفيقُ اَسَيرَ قَفرٍ … تُرافِقُكَ النَدامَةُ في القِفارِ
وَقَد فازوا بِما حازوا جَميعًا … وَأَنتَ رَهينُ ذُلٍّ وَاِفتِقارِ
فَخُذ حَذَرًا وَزادًا تَكتَفيهِ … لِرحلَتِهِ إِلى تِلكَ الدِيارِ
تَمَتَّع مِن شَميم عَرارِ نَجدٍ … فَما بَعدَ العَشِيَّةِ مِن عَرارِ
وقال أيضًا
أَشَيبٌ وَعَيبٌ إِنَّ ذا لَبَغِيضُ … سَوادُ صِحافٍ وَالغَدائِرُ بِيضُ
[ ٧٥ ]
مُكاثِرةٍ لِلّهوِ وَالضَعفُ زائِدُ … وَجِسمُ الكَبيرِ ذائِبٌ وَمَهيصُ
إِذا هَمَّ مَشيبٌ بِذَنبٍ فَإِنَّهُ بَغيضٌ وَما اللَهوُ فيهِ بَغيضُ
مَريضٌ مِنَ الضَعفِ الَّذي أَذهَبَ القُوى … وَحُقَّ لِهَذا أَن يُقالَ مَريض
[ ٧٦ ]