وليعلم البالغ أنه من يوم بلوغه وجب عليه معرفة الله تعالى بالدليل لا بالتقليد، ويكفيه من الدليل رؤية نفسه وترتيب أعضائه، فيعلم أنه لا بد لهذا الترتيب من مرتب، كما أنه لا بد للبناء من بان.
ويعلم أنه نزل إليه ملكان يصبحانه طول دهره، ويكتبان عمله، ويعرضانه على الله ﷾، قال تعالى: (وَإِن عَلَيكُم لَحافِظين كِرامًا كاتِبين يَعلَمونَ ما تَفعَلون).
[ ٥٧ ]
قال (محمد بن الفضل): منذ أربعين سنة ما أمليت على كاتبيَّ سيئة، ولو فعلت لاستحيت منهما.
فلينظر العبد فيما يرتفع من عمله، فإن زل فليرفع الزلل بتوبة واستدراك.
وليغض طرفه؛ فقد قال الله ﷿: (قُل لِلمُؤمِنينَ يَغضوا مِن أَبصارَهُم).
ويقول الله ﷿: (النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام الشيطان، من تركه ابتغاء مرضاة الله آتيته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه). ومن استعمل الغض سلم.
[ ٥٨ ]
وليكتف بالمرأة الواحدة، ولا يترخص في كثرة الاستمتاع بالنساء؛ فإنه يشتت القلب، ويضعف القوى، وليس لذلك منتهى.
كان بعض السلف يقول لنفسه: ما ههنا إلا هذه الكسرة وهذه المرأة، فإن شئت فاصبري، أو فموتي.
وكان خلق كثير يتأسفون في حال الكبر على تضييع موسم الشباب، ويبكون على التفريط فيه. فليطل القيام من سيقعد، وليكثر الصيام من سيعجز.
والناس ثلاثة: من ابتكر عمره بالخير ودام عليه فذلك من الفائزين، ومن خلط وقصر فذلك من الخاسرين، ومن صاحب التفريط والمعاصي فذلك
[ ٥٩ ]
من الهالكين.
فلينظر الشاب في أي مقام هو، فليس لمقامه مثل، وليتلمح شرف بضاعته وثمنها المستوفى. فالصبر الصبر؛ فإن الساعي يصبر عن النكاح مع كونه شابًا شديد الشبق، فيقال له أحسنت. فليصبر الشاب ليقال له: (هَذا يَومُكُمُ).
وليحذر زلَلَهُ في الشباب؛ فإنها كعيب قبيح في سلعة مستحسنة.
ومن زل في الشباب فلينظر أين لذتها! وهل
[ ٦٠ ]
بقي إلا حسرتها الدائمة التي كلما خطرت له تألم، فصار ذكرها عقوبة، ومن خرق ثوب التقى بيع بالخلق والمكسور.
قال (الجنيد) - ﵀ -: لو أقبل عبد على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان الذي فاته أكثر مما حصل له.
وكان بعض السلف - ﵀ - يقول: وددت لو أن يديَّ قطعتا وغفر لي عن ذنوب الشباب.
قال المصنف - ﵀ -: قلت يومًا في الوعظ: أيها الشاب أنت في بادية، ومعك جواهر
[ ٦١ ]
نفيسة وتريد أن تقدم بها على بلد الجزاء، فاحذر أن يلقاك غرار من الهوى فيشتري ما معك أدون ثمن، فتقدم البلد فترى الرابحين فتفقع أسفًا، وتبكي لهفًا، وتقول: (يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله) هيهات أن يرد الأسف ما سلف.
ومما قلته من الشعر في هذا المعنى:
[ ٦٢ ]
أَمّا الشَبابُ فَظُلمَةٌ لِلمُهتَدى … وَبِهِ ضَلالُ الجاهِلِ المُتَمَرِدِ
لَيسَ الَّذي تَرَكَ الذُنوبَ مَشيبًا … كَالتارِكِ لَها وَقتَ شَعرٍ أَسوَدِ
فَافَرَح إِذا جاهَدتَ نَفسَكَ صابِرًا … يا صاحِ صِح في اللَهوِ يا نارُ اِخمِدي
اِغنَم مَدِيحَةَ يُوسِفَ في صَبرِهِ … وَاِحذَر تَعَجلَ آدَمَ في المَفسَدِ
لَولا اِجتَباهُ لَكانَ شَينًا فاضِحًا … يَعصى فَيَالَكَ مِن حَزينٍ مُكمَدِ
فَاِقمَعهُ بِالصَبرِ الجَميلِ وَدُم عَلى … الصَومِ الطَويلِ فَإِنَّهُ كَالمِبْرَدِ
وَاّغضُض جُفونَكَ عَن حَرامٍ وَاِقتَنِع … بِحَلالِ ما حَصَّلتَ تُحمَد في غَدِ
[ ٦٣ ]
وَدَعِ الصَبا فَاللَهُ يَحمدُ صابِرًا … يا نفسُ هَذا مَوسِمٌ فَتَزّوَّدي
الصَبرُ عَن شَهوَاتِ نَفسِكَ تَوبَةٌ … فَاِثبُت وَغالِط شَهوَةً لَم تَرقُدِ
تُحمَد هُناكَ إِذا هَواكَ تَرَكتَهُ … يا سَعدُ تَسعَد بِالمَعاشِ الأَرغَدِ
إِن شِئتَ نَيلَ الفخر فاصبر واصطبر … إن المفاخر في الطَريقِ الأَبعَدِ
[ ٦٤ ]