في الحديث: «ابن الثمانين أسير الله في أرضه».
ولم يتوف زمان الهرم إلا تدارك ما مضى، والاستغفار والدعاء عمل ما يمكن من الخير اغتنامًا للساعات، والتأهب للرحيل.
وكان سري السقطي لا ينام إلا غلبة.
ودخلوا على أبي القاسم الجنيد -وهو في الموت، وهو يركع ويسجد-، فأراد أن يثني رجله في صلاته، فما أمكن لخروج الروح منها، فقال له رجل: ما هذا
[ ٥٩ ]
يا أبا القاسم؟ فقال: هذه نعم الله أكبر.
وكان عامر بن عبد القيس يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، فلقيه رجل فقال: أكلمك كلمة. فقال: أمسك الشمس.
وقال لرجل سأله: اعجل فإني مبادر، قال: وما الذي تبادر؟ قال: خروج روحي.
وقال عثمان الباقلاني: أبغض الأشياء إلي وقت الفطر؛ لأني أشتغل بالأعمال عن الذكر.
وكان داود الطائي يشرب الفتيت، ولا يأكل الخبز، فقيل له في ذلك، فقال: بين شرب الفتيت ومضغ الخبز قراءة خمسين آية.
ودخل قوم على عابد يعودونه، فرأوه، فقالوا: لعلنا أشغلناك، فقال: أصدقكم؟ كنت أقرأ، فمنعتموني من وردي.
[ ٦٠ ]
ومن نظر في شرف العمر اغتنمه، ففي الصحيح: «من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلةٌ في الجنة».
وقال الحسن ﵀: الجنة قيعانٌ، والملائكة تغرس، فربما فتروا، فيقال لهم: ما لكم فترتم؟ فيقولون: فتر صاحبنا، فقال: أمدوهم رحمكم الله.
وقد رأينا جماعة من الأشياخ يرتاحون إلى حضور الناس عندهم، وسماع الأحاديث التي لا تنفع، فيمضي زمانهم في غير شيء، ولو فهموا، كانت تسبيحةٌ أصلح.
وهذا لا يكون إلا من الغفلة عن الآخرة؛ لأن بتسبيحة واحدة يحصل الثواب على ما ذكرناه، والأحاديث الدنيوية تؤذي ولا تنفع.
وكان أبو موسى الأشعري يصوم في الحر، فيقال له: أنت شيخ كبير، فقال: إني أعده لعسير طويل.
وقيل لعابد: ارفق بنفسك، فقال: الرفق أطلب.
وقيل: جاء بعض أصحاب السري يزوره، فوجد عنده جماعة، فقال: يا سري! صرت مناخًا للبطالين، ثم ذهب ولم يقعد.
فمن عرف شرف العمر وقيمته، لم يفرط في لحظة منه.
[ ٦١ ]
فلينظر الشاب في حراسة بضاعته، وليتحفظ الكهل بقدر استطاعته، وليتزود الشيخ للحاق بجماعته، ولينظر الهرم أن يؤخذ في ساعته، نفعنا الله وإياكم بعلومنا، ولا سلبنا وإياكم فهومنا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، ولا جعل علمنا حجةً علينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
نجز الكتاب، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٦٢ ]