وليعلم البالغ أنه من يوم بلوغه قد وجب عليه معرفة الله تعالى بالدليل لا بالتقليد، ويكفيه من الدليل رؤية نفسه، وترتيب أعضائه، فيعلم أنه لا بد لهذا الترتيب من مرتب، كما أنه لا بد للبناء من بانٍ، ولا بد لهذا البناء من باب.
ويعلم أنه قد نزل ملكان يصحبانه طول عمره، ويكتبان عمله، ويعرضانه على الله تعالى، قال الله ﷿: ﴿وإن عليكم لحافظين. كرامًا كاتبين. يعلمون ما تفعلون﴾.
قال محمد بن الفضل: منذ أربعين سنة ما أمليت على كاتبي سيئةً، ولو فعلت ذلك لاستحييت منهما.
[ ٤٧ ]
فلينظر العبد فيم يرتفع من عمله، فإن زل فيرفع الزلل بتوبةٍ واستدراك.
وليغض طرفه، فقد قال الله ﷿: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾، وقيل: «النظر إلى محاسن المرأة سهمٌ مسمومٌ من سهام الشيطان، من تركه ابتغاء مرضاتي آتيته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه».
ومن استعمل الغض سلم، فليكتف بالمرأة الواحدة، ولا يترخص لنفسه في كثرة الاستمتاع بالنساء، فإنه يشتت القلب، ويضعف القوى، وليس لذلك منتهى.
فائدة: كان بعض السلف يقول لنفسه: ما هاهنا إلا هذه الكسرة، وهذه المرأة، فإن شئت فاصبري أو فموتي.
وكان خلق كثير من الأشياخ يتأسفون في حالة الكبر على تضييع موسم الشباب، ويبكون على التفريط فيه، فليطل القيام من سيقعد، وليكثر الصيام من سيعجز.
والناس ثلاثة: من استكثر عمره بالخير، ودام عليه، فذلك من الفائزين، ومن خلط وقصر، فذاك من الخاسرين، ومن صاحب التفريط والمعاصي، فذاك من الهالكين.
[ ٤٨ ]
فلينظر الشاب في أي مقام هو، فليس لمقامه مثل، وليتلمح شرف بضاعتها وثمنها المستوفى بالصبر، فإن الساعي يصبر عن زوجته مع كونه شابًا شديد الشبق ليسبق، فيقال له: أحسنت، فليصبر الشاب ليقال له: ﴿هذا يومكم﴾، وليحذر زلَله في الشباب، فإنها كعيب قبيح في سلعة مستحسنة.
ومن زل من الشباب، فلينظر أين لذتها، وهل بقي إلا حسرتها الدائمة التي كلما خطر ذكرها للقلب تألم، فصار ذكرها للقلب عقوبة.
ومن خرق ثوب التقى بيع بالخلق والمكسور.
قال أبو القاسم الجنيد ﵁: لو أقبل عبد على الله ﷿ ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظة واحدة، كان الذي فاته أكثر مما حصل له.
وكان بعض السلف ﵀ يقول: وددت لو أن يدي قطعت، وعفي لي عن ذنوب الشباب.
قال المصنف: وقلت يومًا في الوعظ: أيها الشاب! أنت في بادية، ومعك جواهر نفيسة تريد أن تقدم بها بلد الجزاء، فاحذر أن يتلقاك غرار الهوى، فيشتري ما معك بدون ثمن، فإنك إذا قدمت البلد،
[ ٤٩ ]
فرأيت الرابحين، قلت: ﴿يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾، هيهات أن يرد الأسف ما سلف.
ومما قلت في هذا المعنى من الأبيات:
أما الشباب فظلمةٌ للمهتدي … وبه ضلال الجاهل المتمرد
فاقمعه بالصبر الجميل ودم على … الصوم الطويل فإنه كالمبرد
واكفف لسانك عن فضول كلامه … واحفظه حفظ الجوهر المتبدد
واغضض جفونك عن حرامٍ واقتنع … بحلال ما حصلت تحمد في غد
ودع الصبا فالله يحمد صابرًا … يا نفس هذا موسمٌ فتزودي
الصبر عن شهوات نفسك نومةٌ … فاثبت وغالط شهوةً لم ترقد
تحمد هناك إذا هواك تركته … يا سعد تسعد بالمعاش الأرغد
إن شئت نيل الفخر فاصبر واصطبر … إن المفاخر في الطريق الأبعد
[ ٥٠ ]