(فِي إِنْفَاذ قُرَيْش إِلَى النَّجَاشِيّ ليسلم إِلَيْهِم أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ -)
[٢٣] أخبرنَا ابْن الْحصين قَالَ أنبأ أَبُو عَليّ الْحسن بن عَليّ بن الْمَذْهَب قَالَ أَنا أَبُو بكر أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ ثَنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ نَا أبي قَالَ نَا يَعْقُوب قَالَ ثَنَا أبي عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد ابْن مُسلم بن شهَاب عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي - ﷺ َ - قَالَت:
لما نزلنَا الْحَبَشَة جاورنا بهَا خير جَار النَّجَاشِيّ؛ أمننا على ديننَا، وعبدنا اللَّهِ [﷿] لَا نؤذى، وَلَا نسْمع شَيْئا نكرهه، فَلَمَّا بلغ ذَلِك قُريْشًا ائْتَمرُوا أَن يبعثوا إِلَى النَّجَاشِيّ منا رجلَيْنِ جلدين وَأَن يهدى إِلَى النَّجَاشِيّ هَدَايَا مِمَّا يستطرف من مَتَاع مَكَّة، وَكَانَ من أعجب مَا يَأْتِي مِنْهَا الْأدم، فَجمعُوا لَهُ أدما كثيرا،، وَلم يتْركُوا من بطارقته بطريقا إِلَّا أهدوا لَهُ هَدِيَّة،
[ ٦٢ ]
ثمَّ بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي وَعَمْرو بن العَاصِي، وأمروهما [أَمرهم] وَقَالُوا لَهما: ادفعا إِلَى كل بطرِيق هديته قبل أَن تكلمُوا النَّجَاشِيّ فيهم، ثمَّ قدمُوا إِلَى النَّجَاشِيّ هداياه، ثمَّ سلوه أَن يسلمهم إِلَيْكُم قبل أَن يكلمهم. قَالَت: فخرجنا فقدمنا على النَّجَاشِيّ، وَنحن عِنْده بِخَير دَار، وَعند خير جوَار، فَلم يبْق من بطارقته بطرِيق إِلَّا دفعا إِلَيْهِ هديته قبل أَن يكلما النَّجَاشِيّ، ثمَّ قَالَا لكل بطرِيق مِنْهُم: إِنَّه قد صبا إِلَى بلد الْملك منا غلْمَان سُفَهَاء فارقوا دين قَومهمْ، وَلم يدخلُوا فِي دينكُمْ، وَجَاءُوا بدين مُبْتَدع لَا نعرفه نَحن وَلَا أَنْتُم، وَقد بعثنَا إِلَى الْملك فيهم أَشْرَاف قَومهمْ ليردهم إِلَيْهِم، فَإِذا كلمنا الْملك فيهم فأشيروا عَلَيْهِ أَن يسلمهم إِلَيْنَا وَلَا يكلمهم، فَإِن قَومهمْ أَعلَى بهم عينا، وَأعلم بِمَا عابوا عَلَيْهِم، فَقَالُوا لَهما: نعم. ثمَّ إنَّهُمَا قربا هداياهم إِلَى النَّجَاشِيّ فقبلها مِنْهُم ثمَّ كلماه فَقَالَا لَهُ: أَيهَا الْملك، إِنَّه قد حبا إِلَى بلدك منا غلْمَان سُفَهَاء فارقوا دين قَومهمْ، وَلم يدخلُوا فِي دينك، وَجَاءُوا بدين مُبْتَدع لَا نعرفه نَحن وَلَا أَنْت، وَقد بعثنَا إِلَيْك
[ ٦٣ ]
فيهم أَشْرَاف قَومهمْ من آبَائِهِم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إِلَيْهِم، فهم أَعلَى بهم عينا،، وَأعلم بِمَا عابوا عَلَيْهِم وعاتبوهم فِيهِ، قَالَت، وَلم يكن شَيْء أبْغض إِلَى عبد اللَّهِ بن أبي ربيعَة وَعَمْرو بن العَاصِي من أَن يسمع النَّجَاشِيّ كَلَامهم، فَقَالَت بطارقته حوله: صدقُوا أَيهَا الْملك، قَومهمْ أَعلَى بهم، وَأعلم بِمَا عابوا عَلَيْهِم، فأسلمهم إِلَيْهِمَا فليردا هما إِلَى بِلَادهمْ وقومهم. قَالَت: فَغَضب الجاشي ثمَّ قَالَ: لَا هَا اللَّهِ إِذا لَا أسلمهم إِلَيْهِمَا، وَلَا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي حَتَّى أدعوهم، وأسألهم مَا يَقُول هَذَانِ فِي أَمرهم، فَإِن كَانُوا كَمَا يَقُولُونَ سلمتهم إِلَيْهِمَا، ورددتهم إِلَى قَومهمْ، وَإِن كَانُوا على غير ذَلِك منعتهم مِنْهُم؛ وَأمنت جوارهم مَا جاوروني.
قَالَت: ثمَّ أرسل إِلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا أَن جَاءَهُم رَسُوله اجْتَمعُوا ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض: مَا تَقولُونَ للرجل إِذا جئتموه؟
[ ٦٤ ]
قَالُوا: نقُول وَالله مَا علمناه وَمَا أمرنَا بِهِ رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - كَائِن فِي ذَلِك مَا هُوَ كَائِن. فَلَمَّا جَاءُوهُ وَقد دَعَا النَّجَاشِيّ أساقفته فنشروا مصاحفتهم حوله سَأَلَهُمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الدّين الَّذِي فارقتم فِيهِ قومكم وَلم تدْخلُوا فِي ديني وَلَا فِي دين أحد من هَذِه الْأُمَم؟
قَالَت: وَكَانَ الَّذِي كَلمه جَعْفَر بن أبي طَالب فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْملك، كُنَّا قوما أهل جَاهِلِيَّة نعْبد الْأَصْنَام، وَنَأْكُل الْميتَة، ونأتي الْفَوَاحِش، ونقطع الْأَرْحَام، ونسيء الْجوَار، فيأكل الْقوي منا الضَّعِيف، وَكُنَّا على ذَلِك حَتَّى بعث اللَّهِ ﷿ إِلَيْنَا رَسُولا منا نَعْرِف نسبه وَصدقه وأمانته وَشرف عفافه فَدَعَانَا إِلَى الله ﷿ لنوحده ونعبده، ونخلع مَا كُنَّا نعْبد نَحن وآباؤنا من دونه من الْحِجَارَة والأوثان، وأمرنا بِصدق الحَدِيث، وَأَدَاء الْأَمَانَة، وصلَة الرَّحِم، وَحسن الْجوَار [وكف الْأَذَى] والكف عَن الْمَحَارِم والدماء، ونهانا عَن الْفَوَاحِش، وَقَول الزُّور، وَأكل مَال الْيَتِيم، وَقذف المحصنة، وأمرنا أَن نعْبد اللَّهِ لَا نشْرك بِهِ شَيْئا، وأمرنا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصِّيَام. قَالَت: فعدد عَلَيْهِ أُمُور الْإِسْلَام فصدقنا وآمنا بِهِ واتبعناه على مَا جَاءَ بِهِ فعبدنا اللَّهِ وَحده فَلم نشْرك بِهِ شَيْئا، وحرمنا مَا حرم علينا، وأحللنا مَا أحل لنا، فَعدا علينا قَومنَا فعذبونا وفتنونا عَن ديننَا، ليردونا إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان من
[ ٦٥ ]
عبَادَة الله ﷿، وَأَن نستحل مَا كُنَّا نستحل من الْخَبَائِث، فَلَمَّا قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بَيْننَا وَبَين ديننَا، خرجنَا إِلَى بلدك فاخترناك على من سواك، ورغبنا فِي جوارك، ورجونا أَن لَا نظلم عنْدك أَيهَا الْملك.
قَالَت؛ فَقَالَ [لَهُ] النَّجَاشِيّ: هَل مَعَك مِمَّا جَاءَ بِهِ عَن الله ﷿ من شَيْء؟ فَقَالَ [لَهُ] جَعْفَر: نعم، فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيّ: فاقرأه عَليّ:
قَالَت: فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدرا من ﴿كهيعص﴾ . قَالَت: فَبكى وَالله النَّجَاشِيّ حَتَّى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حَتَّى اخضلت مصاحفهم حِين سمعُوا مَا تلِي عَلَيْهِم، ثمَّ قَالَ النَّجَاشِيّ: إِن هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى ليخرج من مشكاة وَاحِدَة، انْطَلقَا فوَاللَّه لَا أسلمهم إلَيْكُمَا أبدا وَلَا أكاد.
قَالَت أم سَلمَة: فَلَمَّا خرجنَا من عِنْده قَالَ عَمْرو بن العَاصِي: وَالله
[ ٦٦ ]
لَآتِيَنه غَدا أعيبهم عِنْده بِمَا أستأصل بِهِ غضراءهم، فَقَالَ لَهُ عبد اللَّهِ بن أبي ربيعَة - وَكَانَ أتقى الرجلَيْن - فِينَا: لَا تفعل، فَإِن لَهُم أرحاما، وَإِن كَانُوا قد خالفونا. قَالَ: وَالله لأخبرنه أَنهم يَزْعمُونَ أَن عِيسَى ابْن مَرْيَم [﵇] عبد.
قَالَت: ثمَّ غَدا عَلَيْهِ الْغَد، فَقَالَ: أَيهَا الْملك، أَنهم يَقُولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم قولا عَظِيما، فَأرْسل إِلَيْهِم فَسَأَلَهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ.
قَالَت: فَأرْسل إِلَيْهِم يسألهم عَنهُ، قَالَت: وَلم ينزل بِنَا مثلهَا، فَاجْتمع الْقَوْم، فَقَالَ بَعضهم لبَعض: مَاذَا تَقولُونَ فِي عِيسَى إِذا سألكم عَنهُ؟ قَالُوا: نقُول وَالله فِيهِ مَا قَالَ اللَّهِ ﷿ وَمَا جَاءَ بِهِ نَبينَا كَائِنا فِي ذَلِك مَا هُوَ كَائِن.
فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم؟ فَقَالَ لَهُ جَعْفَر بن أبي طَالب: نقُول فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبينَا - ﷺ َ - هُوَ عبد اللَّهِ وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم الْعَذْرَاء البتول.
قَالَت: فَضرب النَّجَاشِيّ يَده على الأَرْض فَأخذ مِنْهَا عودا ثمَّ قَالَ:
[ ٦٧ ]
مَا عدا عِيسَى بن مَرْيَم مَا قلت هَذَا الْعود، فتناخرت بطارقته حوله حِين قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِن نخرتم وَالله اذْهَبُوا فَأنْتم سيوم بأرضي، والشيوم الآمنون من سبكم غرم، من سبكم غرم، مَا أحب أَن لي دبرا [من] ذهب وَأَنِّي آذيت رجلا مِنْكُم - والدبر بِلِسَان الْحَبَشَة: الْجَبَل - ردوا عَلَيْهِمَا هداياهما فَلَا حَاجَة لنا بهَا فوَاللَّه مَا أَخذ اللَّهِ مني الرِّشْوَة حِين رد عَليّ ملكي فآخذ الرِّشْوَة فِيهِ، وَمَا أطَاع النَّاس فِي فأطعهم فِيهِ.
قَالَت: فَخَرَجَا من عِنْده مقبوحين مردودا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وأقمنا عِنْده بِخَير دَار مَعَ خير جَار.
قَالَت: فوَاللَّه إِنَّا على ذَلِك إِذْ نزل بِهِ من ينازعه فِي ملكه، قَالَت: فوَاللَّه مَا علمنَا حزنا قطّ كَانَ أَشد من حزن حزناه عِنْد ذَلِك تخوفا أَن يظْهر ذَلِك على النَّجَاشِيّ، فَيَأْتِي رجل لَا يعرف من حَقنا مَا كَانَ النَّجَاشِيّ يعرف مِنْهُ.
قَالَت: وَسَار النَّجَاشِيّ وَبَينهمَا عرض النّيل.
قَالَت: فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ َ -[هَل] من رجل يخرج حَتَّى
[ ٦٨ ]
يحضر وقيعة الْقَوْم، ثمَّ يأتينا بالْخبر؟
فَقَالَ الزبير بن الْعَوام: أَنا
قَالَت: وَكَانَ من أحدث الْقَوْم سنا، قَالَت: فنفخوا لَهُ قربَة فَجَعلهَا فِي صَدره، ثمَّ سبح عَلَيْهَا حَتَّى خرج إِلَى بَاب النّيل الَّتِي بهَا ملتقى الْقَوْم، ثمَّ انْطلق حَتَّى حضرهم.
قَالَت: ودعونا اللَّهِ للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين لَهُ فِي بِلَاده. واستوسق عَلَيْهِ أَمر الْحَبَشَة، وَكُنَّا عِنْده فِي خير منزل حَتَّى قدمنَا على رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - وَهُوَ بِمَكَّة.
[٢٤] أَنبأَنَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب قَالَ أَنا أَبُو جَعْفَر بن الْمسلمَة قَالَ أَنا أَبُو طَاهِر المخلص قَالَ أَنا أَحْمد بن سُلَيْمَان بن دَاوُد قَالَ أَنا الزبير بن بكار قَالَ: حَدثنِي عمي مُصعب بن عبد اللَّهِ قَالَ: بعثت قُرَيْش عمَارَة بن الْوَلِيد مَعَ عَمْرو بن العَاصِي إِلَى النَّجَاشِيّ يكلمانه فِيمَن
[ ٦٩ ]
قدم عَلَيْهِ من الْمُهَاجِرين، فراسل عمَارَة بن الْوَلِيد جَارِيَة للنجاشي لعَمْرو بن العَاصِي وَكَانَت مَعَه حَتَّى مَضَت إِلَيْهِ فَأطلع على ذَلِك عَمْرو بن العَاصِي فَقَالَ:
(تعلم عمَارَة أَن من شرشيمة لمثلك أَن تدعى ابْن عمر لَهُ ابْن أما)
(فَإِن كنت ذَا بردين أحوى مرجلا فلست برَاء لِابْنِ عمك محرما)
(إِذا الْمَرْء لم يتْرك طَعَاما يُحِبهُ وَلم ينْه قلبا هاويا حَيْثُ يمما)
(قضى وطرا مِنْهُ وغادر سبة إِذا ذكرت أَمْثَالهَا تملأ الفما)
وَقد كَانَ عمَارَة أخبر عمرا أَن زَوْجَة الْملك النَّجَاشِيّ علقته وأدخلته، فَلَمَّا يئس عَمْرو بن العَاصِي من أَمر الْمُهَاجِرين عِنْد النَّجَاشِيّ مَحل بعمارة عِنْده، فَأخْبرهُ خَبره وَخبر زَوجته. فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيّ: ائْتِنِي بعلامة أستدل بهَا على مَا قلت، فَعَاد عمَارَة وَأخْبر عمرا بأَمْره وَأمر زَوْجَة النَّجَاشِيّ فَقَالَ لَهُ
[ ٧٠ ]
عَمْرو: لَا أقبل هَذَا مِنْك، إِلَّا بِأَن لَا ترْضى مِنْهَا إِلَّا بِأَن تعطيك [شَيْئا] من دهن الْملك الَّذِي لَا يدهن بِهِ غَيره. فكلمها عمَارَة فِي الدّهن، فَقَالَت: أَخَاف من الْملك. فَأبى أَن يرضى مِنْهَا حَتَّى تعطيه ذَلِك الدّهن فَأَعْطَتْهُ مِنْهُ فَأعْطَاهُ عمرا، فجَاء بِهِ إِلَى النَّجَاشِيّ، فَنفخ سحرًا فِي إحليله، فَذهب مَعَ الْوَحْش فِيمَا يَقُوله قُرَيْش، فَلم يزل مستوحشا يرد مَاء فِي جَزِيرَة بِأَرْض الْحَبَش، حَتَّى خرج إِلَيْهِ عبد اللَّهِ بن أبي ربيعَة فِي جمَاعَة من أَصْحَابه، فرصده على المَاء فَأَخذه فَجعل يَصِيح بِهِ: أَرْسلنِي فَإِنِّي أَمُوت إِن أمسكتني، فأمسكه فَمَاتَ فِي يَده.
[ ٧١ ]