(فِي ذكر المتعبدين مِنْهُم والزهاد)
فَمن المعروفين الْأَسْمَاء مِنْهُم غير من سبق ذكره من الصَّحَابَة [وَالتَّابِعِينَ]
(أَبُو مُعَاوِيَة الْأسود)
واسْمه الْيَمَان، نزل طرسوس.
[١٠٥] أَنبأَنَا عَليّ بن عبيد اللَّهِ عَن الْحُسَيْن بن الْمُهْتَدي عَن أبي حَفْص ابْن شاهين قَالَ: سَمِعت عبد اللَّهِ بن سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث يَقُول: سَمِعت أَبَا حَمْزَة - يَعْنِي ابْن الْفرج الْأَسْلَمِيّ وَكَانَ خَادِم أبي مُعَاوِيَة الْأسود - قَالَ: كَانَ أَبُو مُعَاوِيَة مولى أبي جَعْفَر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ يَقُول للنَّاس: استخدموني أَنا عبدكم، إِنَّمَا اشْتريت من الْفَيْء، وَكَانَ لَهُ فرس رائع يَغْزُو عَلَيْهِ، قد أعطي بِهِ سبعين دِينَارا فَرَأى شَابًّا فِي الدَّار نزل لَيْلَة فاغتسل، ثمَّ أُخْرَى فاغتسل ثمَّ نزل فاغتسل، فَلَمَّا أصبح أَبُو مُعَاوِيَة جَاءَ فَحل فرسه وَأَعْطَاهُ الْفَتى، وَقَالَ: هاك يَا فَتى، اشْتَرِ بِهِ جَارِيَة. قَالَ: وَكَانَ قد دَعَا اللَّهِ
[ ١٩١ ]
﷿ أَن يطيب فِي فَمه جَمِيع مَا يَأْكُلهُ، فَكَانَ يخرج إِلَى الْبَريَّة، فيجتني من بقولِهَا ويجففه فِي بَيته، وَيَطوف على الْمَزَابِل فينتقي مِنْهَا الْعِظَام الَّتِي عرق مِنْهَا اللَّحْم وطرحت، فيلطخها بذلك البقل.
[١٠٦] أَنبأَنَا ابْن نَاصِر قَالَ: انبأنا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ: أنبأ أَبُو مُحَمَّد الْخلال قَالَ: نَا عبد الْوَاحِد بن عَليّ الفامي قَالَ: نَا عبد اللَّهِ بن سُلَيْمَان بن عِيسَى قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن أبي هَارُون الوارق قَالَ ثَنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنِي عَبدة الْخُرَاسَانِي قَالَ: كَانَ أَبُو مُعَاوِيَة الْأسود إِذا مرض يعمد إِلَى قَصْعَة، فَيجْعَل فِي جَانب مِنْهَا عسلا، فَإِذا دخل عَلَيْهِ رجل يسْأَل عَنهُ يَقُول: يَا أَبَا مُعَاوِيَة، تشْتَهي شَيْئا؟ فَيَقُول: رجل لَا يقدر يَأْكُل هَذَا، أَي شَيْء يشتهى يحتجز بِهِ بِهِ عَن النَّاس.
[١٠٧] أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ: أنبأ حمد بن أَحْمد قَالَ أنبأ أَحْمد بن عبد اللَّهِ قَالَ نَا أَبُو مُحَمَّد بن حَيَّان قَالَ: نَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ ثَنَا أَحْمد بن أبي الْحوَاري قَالَ: سَمِعت أَحْمد بن وديع يَقُول: قَالَ أَبُو مُعَاوِيَة الْأسود: إخْوَانِي كلهم خير مني. قيل لَهُ: وَكَيف ذَاك يَا أَبَا مُعَاوِيَة؟ قَالَ: كلهم رأى الْفضل لي على نَفسه وَمن فضلني على نَفسه فَهُوَ خير مني.
[ ١٩٢ ]
[١٠٨] أخبرنَا أَبُو بكر بن حبيب قَالَ أنبأ عَليّ بن أبي صَادِق قَالَ أنبأ ابْن باكويه قَالَ نَا عَليّ بن الْحسن الأرجاني قَالَ ثَنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْحسن الرامَهُرْمُزِي قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: سَمِعت أَبَا مُعَاوِيَة الْأسود وَهُوَ على سور طرسوس من جَوف اللَّيْل يبكي وَيَقُول: أَلا من كَانَت الدُّنْيَا من أكبر همه طَال فِي الْقيام غَدا همه، وَمن خَافَ مَا بَين يَدَيْهِ ضَاقَ فِي الدُّنْيَا ذرعه، وَمن خَافَ الْوَعيد أَبى من الدُّنْيَا عَن مَا يُرِيد. يَا مِسْكين، إِن كنت تُرِيدُ لنَفسك الجزيل، فاقلل نومك بِاللَّيْلِ إِلَّا الْقَلِيل، اقبل من اللبيب الناصح إِذا أَتَاك بِأَمْر وَاضح. لَا تهتمن بأرزاق من تخلف، فلست بأرزاقهم تكلّف. نظف طريقك للمقال، إِذا وقفت بَين يَدي رب الْعِزَّة للسؤال. قدم صَالح الْأَعْمَال، ودع عَنْك كَثْرَة الأشغال. بَادر ثمَّ بَادر قبل نزُول مَا تحاذر. إِذا بلغ روحك التراقي، انْقَطع عَنْك من أَحْبَبْت أَن تلاقي، كَأَنِّي بهَا وَقد بلغت الْحُلْقُوم، وَأَنت فِي سَكَرَات الْمَوْت مغموم، وَقد انْقَطَعت حَاجَتك إِلَى أهلك، وَأَنت تراهم حولك، وَبقيت مرتهنا بعملك. الصَّبْر ملاك الْأَمر، وَفِيه أعظم الْأجر، فَاجْعَلْ ذكر اللَّهِ [﷿] من جلّ شَأْنك، واملك فِيمَا سوى ذَلِك لسَانك.
[ ١٩٣ ]
ثمَّ بَكَى أَبُو مُعَاوِيَة بكاء شَدِيدا ثمَّ قَالَ: أوه، من يَوْم يتَغَيَّر فِيهِ لوني، ويتلجلج فِيهِ لساني، ويجف فِيهِ ريقي /، ويقل فِيهِ زادي.
[١٠٩] أخبرنَا أَحْمد بن ظفر قَالَ: أنبأ الْحسن بن أَحْمد بن الْبَنَّا قَالَ أنبا هِلَال بن مُحَمَّد قَالَ أَنا عَليّ بن أَحْمد الْمصْرِيّ قَالَ: سَمِعت عُثْمَان بن السكن قَالَ: سَمِعت مُؤذن غَزَّة قَالَ: حدثت عَن أبي الزهراء أَنه قَالَ: قدمت طرسوس فَدخلت على أبي مُعَاوِيَة، وَهُوَ مكفوف الْبَصَر، وَفِي منزله مصحف مُعَلّق، فَقلت: رَحِمك اللَّهِ، مصحف وَأَنت لَا تبصر! قَالَ: تكْتم عَليّ يَا أخي حَتَّى أَمُوت؟ قلت: نعم، قَالَ: إِنِّي إِذا أردْت أَن أَقرَأ الْقُرْآن فتح لي بَصرِي.
[١١٠] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر [الْحَافِظ] قَالَ أَنبأَنَا الْحسن بن أَحْمد قَالَ: ثَنَا ابْن أبي القواس قَالَ أَنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمُزَكي قَالَ نَا مُحَمَّد بن الْمسيب قَالَ: سَمِعت عبد اللَّهِ بن خبيق يَقُول: حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن عبد اللَّهِ قَالَ: استطال رجل على أبي مُعَاوِيَة الْأسود، فَقَالَ لَهُ رجل: مَه. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُعَاوِيَة: دَعه يشتفي، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر الذَّنب الَّذِي سلطت عَليّ بِهِ هَذَا.
[ ١٩٤ ]
[١١١] أخبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا عَليّ بن مُحَمَّد العلاف قَالَ أنبأ عَليّ بن أَحْمد الحماس قَالَ أَنا إِسْمَاعِيل بن عَليّ الحطبي قَالَ نَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْفَهم قَالَ: سَمِعت يحيى بن معِين قَالَ: رَأَيْت أَبَا مُعَاوِيَة الْأسود وَهُوَ يلتقط الْخرق من الْمَزَابِل، فيلفقها ثمَّ يغسلهَا، فَقيل لَهُ: يَا أَبَا مُعَاوِيَة، إِنَّك تُكْسَى. فَقَالَ: مَا ضرهم مَا أَصَابَهُم فِي الدُّنْيَا، جبر اللَّهِ [﷿] لَهُم بِالْجنَّةِ كل مُصِيبَة.
ذُو النُّون [ثَوْبَان] بن إِبْرَاهِيم أَبُو الْفَيْض الْمصْرِيّ أَصله من النّوبَة.
قَالَ أَبُو عمر فِي كتاب (أَعْيَان الموَالِي): وَمِنْهُم ذُو النُّون بن إِبْرَاهِيم الأخميمي، كَانَ أَبوهُ إِبْرَاهِيم نوبيا.
قَالَ المُصَنّف: قلت: كَانَ لإِبْرَاهِيم بنُون: ذُو النُّون، وَذُو الكفل وَعبد الْهَادِي والهميسع، وَكَانَ ذُو النُّون قد حبس، فجيء بِطَعَام، فَنَاوَلَهُ إِيَّاه السجان، فَلم يَأْكُلهُ، وَقَالَ: إِنَّه مر على يَد ظَالِم.
[ ١٩٥ ]
قَالَ ابْن الْجلاء: لقِيت سِتّمائَة شيخ، مَا لقِيت فيهم مثل أَرْبَعَة، أحدهم ذُو النُّون.
[١١٢] أخبرنَا المحمدان: ابْن نَاصِر وَابْن عبد الْبَاقِي قَالَا: أَنا حمد ابْن أَحْمد قَالَ أَنا أَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي قَالَ ثَنَا عُثْمَان بن مُحَمَّد العثماني قَالَ قرئَ على أبي الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الرَّازِيّ سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول: سَمِعت ذَا النُّون يَقُول: بِصُحْبَة الصَّالِحين تطيب الْحَيَاة، وَالْخَيْر مَجْمُوع فِي القرين الصَّالح؛ إِن نسيت ذكرك، وَإِن ذكرت أعانك.
[١١٣] أخبرنَا أَبُو بكر بن حبيب قَالَ أنبأ ابْن أبي صَادِق قَالَ أَنا ابْن باكويه قَالَ: سَمِعت فَارِسًا الْبَغْدَادِيّ يَقُول: سَمِعت يُوسُف ابْن الْحُسَيْن يَقُول: قلت لذِي النُّون وَقت مفارقتي لَهُ: من أجالس؟ قَالَ:
عَلَيْك بِصُحْبَة من يذكرك اللَّهِ ﷿ رُؤْيَته، وَتَقَع هيبته على باطنك، وَيزِيد فِي علمك مَنْطِقه، ويزهدك فِي الدُّنْيَا عمله، وَلَا تَعْصِي اللَّهِ [﷿] مَا دمت فِي قربه، يعظك بِلِسَان فعله، وَلَا يعظك بِلِسَان قَوْله.
[ ١٩٦ ]
وَسمعت ذَا النُّون يَقُول: سقم الْجَسَد فِي الأوجاع، وسقم الْقُلُوب فِي الذُّنُوب، فَكَمَا لَا يجد الْجَسَد لَذَّة الطَّعَام عِنْد سقم، كَذَلِك لَا يجد الْقلب حلاوة الْعِبَادَة مَعَ الذُّنُوب.
وسمعته يَقُول: من لم يعرف قدر النعم سلبها من حَيْثُ لَا يعلم.
[١١٤] قَالَ ابْن باكويه: وَسمعت بكران بن أَحْمد يَقُول: سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول: سَمِعت ذَا النُّون يَقُول:
مَا خلع اللَّهِ ﷿ على عبد من عبيده خلعة أحسن من الْعقل، وَلَا قَلّدهُ قلادة أجمل من الْعلم، وَلَا زينه بزينة أفضل من الْحلم وَكَمَال ذَلِك كُله: التَّقْوَى.
[١١٥] أخبرنَا المحمدان ابْن نَاصِر وَابْن عبد الْبَاقِي قَالَا: أَنا حمد بن أَحْمد قَالَ ثَنَا أَبُو نعيم الْحَافِظ قَالَ ثَنَا أبي قَالَ ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن مصقلة قَالَ ثَنَا سعيد بن عُثْمَان قَالَ: سَمِعت ذان النُّون يَقُول:
من ذبح حنجرة الطمع بِسيف الْيَأْس، وردم خَنْدَق الْحِرْص ظفر بكيمياء الْخدمَة، وَمن استقى بِحَبل الزّهْد على دلو الْعُرُوق استقى
[ ١٩٧ ]
من جب الْحِكْمَة، وَمن سلك أَوديَة الكمد جنى حَيَاة الْأَبَد، وَمن حصد عشب الذُّنُوب بمنجل الْوَرع، أَضَاءَت لَهُ رَوْضَة الاسْتقَامَة، وَمن قطع لِسَانه بشفرة الصمت، وجد عذوبة الرَّاحَة، وَمن تدرع درع الصدْق، قوي على مجاهدة عَسْكَر الْبَاطِل، وَمن فَرح بمدحة الْجَاهِل ألبسهُ الشَّيْطَان ثوب الحماقة.
[١١٦] أخبرنَا عمر بن ظفر قَالَ أنبأ جَعْفَر بن أَحْمد السراج قَالَ: أنبأ عبد الْعَزِيز بن عَليّ الْأَزجيّ قَالَ أَنا ابْن جَهْضَم قَالَ ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى قَالَ حَدثنِي يُوسُف بن الْحُسَيْن قَالَ: قَالَ الْفَتْح بن شحرف: دخلت على ذِي النُّون عِنْد مَوته فَقلت لَهُ: كَيفَ تجدك؟ فَقَالَ:
(أَمُوت وَمَا مَاتَت إِلَيْك صبابتي وَلَا رويت من صدق حبك أوطاري)
(مناي المنى كل المنى أَنْت لي منى رَأَيْت الْغنى كل الْغنى عِنْد إقتاري)
(وَأَنت مدى سؤلي وَغَايَة رغبتي وَمَوْضِع آمالي ومكنون إضماري)
(تضمن قلبِي مِنْك مَالك قد بدا وَإِن طَال سري فِيك أَو طَال إظهاري)
(وَبَين ضلوعي مِنْك مَا لَا أبثه وَلم أَبَد بادية لأهل وَلَا جَار)
[ ١٩٨ ]
(سرائر لَا يخفى عَلَيْك خفيها وَإِن لم أبح حَتَّى التنادي بأسراري)
(فَهَب لي نسيما مِنْك أحيى بِقُرْبِهِ وجد لي بيسر مِنْك يطرد إعساري)
(أنرت الْهدى للمهتدين وَلم يكن من الْعلم فِي أَيْديهم عشر معشار)
(وعلمتهم علما فبانوا بنوره وَبَانَتْ لَهُم مِنْهُ معالم أسرار)
(مُعَاينَة للغيب حَتَّى كَأَنَّهَا لما غَابَ عَنْهَا مِنْهُ حَاضِرَة الدَّار)
(وأخبارهم محجوبة وَقُلُوبهمْ تراك بأوهام حديدات أبصار)
(جمعت لَهَا الْهم المفرق والتقى وعَلى قدر والهم يجْرِي بِمِقْدَار)
(أَلَسْت دَلِيل الركب إِن هم تحيروا وعصمة من أَمْسَى على جرف هار)
قَالَ الْفَتْح بن شحرف: فَلَمَّا ثقل قلت لَهُ: كَيفَ تجدك؟ فَقَالَ:
(وَمَا لي سوى الإطراق والصمت حِيلَة ووضعي على خدي يَدي عِنْد تذكاري)
(وَإِن طرقتني عِبْرَة بعد عِبْرَة تجرعتها حَتَّى إِذا عيل تصباري)
(أفضت دموعا جمة مستهلة أطفي بهَا حرا تضمن أسراري)
(فيا مُنْتَهى سؤل المحبين كلهم أبحني مَحل الْأنس مَعَ كل زوار)
(وَلست أُبَالِي فائتا بعد فَائت إِذا كنت فِي الدَّاريْنِ يَا واحدي جَار)
قَالَ المُصَنّف: أسْند ذُو النُّون أَحَادِيث كَثِيرَة عَن مَالك وَاللَّيْث بن
[ ١٩٩ ]
سعد وسُفْيَان بن عُيَيْنَة والفضيل بن عِيَاض وَغَيرهم وَتُوفِّي بالجيزة، وَحمل فِي مركب إِلَى الْفسْطَاط خوفًا من زحمة النَّاس على الجسر، وَدفن فِي مَقَابِر أهل المعافر فِي ذِي الْقعدَة من سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ.
(أَبُو الْخَيْر التيناتي)
سكن التينات وَهِي قَرْيَة من قرى أنطاكية، وَيُقَال لَهُ: (الأقطع لِأَنَّهُ كَانَ مَقْطُوع الْيَد، وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه كَانَ فِي جبال أنطاكية يطْلب الْمُبَاح وينام فِي الْجبَال، وَأَنه عَاهَدَ اللَّهِ أَن لَا يَأْكُل من ثَمَر الْجبَال شَيْئا، إِلَّا مَا طرحته الرّيح، فَبَقيَ أَيَّامًا لم تطرح الرّيح إِلَيْهِ شَيْئا، فَرَأى يَوْمًا شَجَرَة كمثرى، فاشتهى مِنْهَا، فَلم يفعل، فأمالتها الرّيح إِلَيْهِ، فَأخذ وَاحِدَة وَاتفقَ أَن لصوصا قطعُوا هُنَالك الطَّرِيق، وجلسوا يقتسمون، فَوَقع عَلَيْهِم السُّلْطَان فَأَخذهُم وَأخذ مَعَهم فَقطعت أَيْديهم وأرجلهم، وَقطعت يَده فَلَمَّا هموا بِقطع رجله عرفه رجل فَقَالَ للأمير: أهلكت نَفسك، هَذَا أَبُو الْخَيْر، فَبكى الْأَمِير، وَسَأَلَهُ أَن يَجعله فِي حل فَفعل، وَقَالَ: أَنا أعرف ذَنبي.
[١١٧] أخبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر بن خلف قَالَ أنبأ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ قَالَ: سَمِعت مَنْصُور بن عبد اللَّهِ يَقُول: قَالَ أَبُو الْخَيْر:
[ ٢٠٠ ]
الدَّعْوَى رعونة لَا يحْتَمل الْقلب إِمْسَاكهَا فليلقها إِلَى اللِّسَان، فَتَنْطِق بهَا أَلْسِنَة الحمقى.
قَالَ: وسمعته يَقُول: دخلت مَدِينَة الرَّسُول [- ﷺ َ -] وَأَنا بفاقة فأقمت خَمْسَة أَيَّام مَا ذقت ذواقا، فتقدمت إِلَى الْقَبْر، فَسلمت على النَّبِي - ﷺ َ - وعَلى أبي بكر وَعمر، وَقلت: أَنا ضيفك اللَّيْلَة يَا رَسُول اللَّهِ، وتنحيت فَنمت خلف الْمِنْبَر، فَرَأَيْت فِي الْمَنَام النَّبِي
وَأَبُو بكر عَن يَمِينه وَعمر عَن شِمَاله، وَعلي بن أبي طَالب بَين يَدَيْهِ، فحركني عَليّ، وَقَالَ: قُم، قد جَاءَ رَسُول الله [- ﷺ َ -] فَقُمْت إِلَيْهِ وَقبلت بَين عَيْنَيْهِ، فَدفع إِلَيّ رغيفان فَأكلت نصفه، وانتبهت، وَإِذا فِي يَدي نصف رغيف.
[١١٨] أخبرنَا أَبُو بكر العامري قَالَ أنبأ ابْن أبي صَادِق قَالَ ثَنَا ابْن باكويه قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المراغي يَقُول: سَمِعت أَبَا الْخَيْر التيناتي يَقُول: بقيت بِمَكَّة سنة فَأَصَابَنِي ضرّ وفاقة فَكلما أردْت أَن أخرج إِلَى الْمَسْأَلَة هتف بِي هَاتِف يَقُول: الْوَجْه الَّذِي تسْجد لي بِهِ تبذله لغيري؟
[١١٩] أخبرنَا المحمدان ابْن نَاصِر وَابْن عبد الْبَاقِي قَالَا أنبأ أَحْمد بن الْحسن بن خيرون قَالَ: قَرَأت على أبي الْحُسَيْن عَليّ بن مَحْمُود الصُّوفِي أخْبركُم عَليّ بن الْمثنى قَالَ: سَمِعت أَبَا الْخَيْر يَقُول:
[ ٢٠١ ]
مَا بلغ أحد إِلَى حَالَة شريفة إِلَّا بملازمة الْمُوَافقَة، ومعانقة الْأَدَب وَأَدَاء الْفَرَائِض، وصحبة الصَّالِحين، وخدمة الْفُقَرَاء الصَّالِحين
[١٢٠] أخبرنَا ابْن حبيب قَالَ أنبأ ابْن أبي صَادِق قَالَ أنبأ أَبُو عبد الله الشِّيرَازِيّ قَالَ: سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد بن الْفضل يَقُول: خرجت من أنطاكية، وَدخلت تينات، وَدخلت على أبي الْخَيْر الأقطع على غَفلَة مِنْهُ بِغَيْر إِذن، فَإِذا هُوَ ينسج ربيلا بيدَيْهِ، فتعجبت، فَنظر إِلَيّ وَقَالَ: يَا عَدو نَفسه، مَا الَّذِي حملك على هَذَا؟ فَقلت: هيجان الوجد لما بِي من الشوق إِلَيْك، فَضَحِك، ثمَّ قَالَ لي: اقعد، لَا تعد فِي شَيْء من هَذَا بعد الْيَوْم، ثمَّ قَالَ: اسْتُرْ عَليّ فِي حَياتِي. فَفعلت.
قَالَ الشِّيرَازِيّ: وَسمعت إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد السباك يَقُول: كُنَّا نطلع على أبي الْخَيْر التيناتي من الخوخة وَهُوَ يشق الخوص بِيَدِهِ فَإِذا خرج رَأَيْنَاهُ أقطع.
[١٢١] أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم الْجريرِي قَالَ أنبأ أَبُو طَالب العشاري قَالَ ثَنَا مبادر بن عبد اللَّهِ الرقي قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر الْمصْرِيّ يَقُول: سَمِعت فَقِيرا من أَصْحَابنَا يعرف بِالْأَنْصَارِيِّ يَقُول: دخلت على أبي الْخَيْر فناولني تفاحتين فجعلتها فِي جيبي، وَقلت: لَا أتناولهما وأتبرك بهما لموْضِع الشَّيْخ عِنْدِي، فَكَانَت تجْرِي
[ ٢٠٢ ]
عَليّ فاقات لَا أتناولهما، فأجهدتني الْفَاقَة، فأخرجت وَاحِدَة فَأَكَلتهَا، وأدخلت يَدي لأخرج الثَّانِيَة، فَإِذا التفحاحتان مكانهما فَمَا زلت آكل مِنْهُمَا حَتَّى دخلت الْموصل، فجزت على خراب، فَإِذا بعليل يُنَادي من الخراب: يَا نَاس، أشتهي تفاحة، وَلم يكن وَقت التفاح، فأخرجت التفاحتين، فناولتهما إِيَّاه فَأكل، وَخرجت روحه، فَعلمت أَن الشَّيْخ أَعْطَانِي من أجل ذَلِك العليل
[١٢٢] أَنبأَنَا ابْن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أنبأ عبد الْعَزِيز بن عَليّ قَالَ أَنا ابْن جَهْضَم قَالَ: ثَنَا بكير بن مُحَمَّد قَالَ: كنت عِنْد أبي الْخَيْر فِي جمَاعَة فتذاكروا الكرامات، فَقَالَ: كم تَقولُونَ فلَان مَشى إِلَى مَكَّة فِي لَيْلَة، أَنا أعرف عبدا حَبَشِيًّا كَانَ جَالِسا فِي جَامع أطرابلس وَرَأسه فِي جنب مرقعته فخطر لَهُ ظَبْيَة الْحرم، فَقَالَ فِي سره: يَا لَيْتَني كنت بِالْحرم، ثمَّ أمسك، فتغامز الْجَمَاعَة، وَأَجْمعُوا على أَنه ذَلِك الرجل.
توفّي أَبُو الْخَيْر بعد الْأَرْبَعين وثلاثمائة.
(مقبل الْأسود)
[١٢٣] أَنبأَنَا يحيى بن الْحسن بن الْبَنَّا قَالَ أَنبأَنَا القَاضِي أَبُو يعلى
[ ٢٠٣ ]
مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ: حكى لنا أَبُو بكر أَحْمد بن إِسْحَاق بن سكينَة الْأَزجيّ عَن أبي الْحسن بن خيرون صَاحب أبي بكر عبد الْعَزِيز قَالَ: قَالَ لي أَبُو بكر عبد الْعَزِيز: كنت مَعَ أستاذي يَعْنِي أَبَا بكر الْخلال وَأَنا غُلَام مشتد فَاجْتمع جمَاعَة يتذاكرون بعد عشَاء الْآخِرَة، فَقَالَ بَعضهم لبَعض: أَلَيْسَ مقبل - يعنون رجلا أسود كَانَ ناظورا بِبَاب حَرْب - لنا مُدَّة مَا رَأَيْنَاهُ؟ فَقَامُوا يقصدونه، وَقَالَ لي أستاذي - يَعْنِي الْخلال -: لَا تَبْرَح، احفظ الْبَاب. فتركتهم حَتَّى مضوا وأغلقت الْبَاب وتبعتهم. فَلَمَّا بلغنَا بعض الطَّرِيق، قَالَ: هُوَ ذَا أرى وَرَاءَنَا شخصا، فوقفوا، فَقَالُوا لي: من أَنْت؟ فَأَمْسَكت فَزعًا من أستاذي، فَقَالَ أحدهم لأستاذي: بِاللَّه عَلَيْك إِلَّا تركته فتركني ومضيت مَعَهم، فَدَخَلْنَا إِلَى قراح فِيهِ باذنجان، وَالْأسود قَائِم يُصَلِّي، فَسَلمُوا وجلسوا إِلَى أَن سلم، وَأخرج كيسا فِيهِ كسر يابسة وملح جريش، وَقَالَ: كلوا، فَأَكَلُوا وتحدثوا وَأخذُوا يذكرُونَ كرامات الْأَوْلِيَاء وَهُوَ سَاكِت، فَقَالَ وَاحِد من الْجَمَاعَة: يَا مقبل، قد زرناك فَمَا حَدَّثتنَا بِشَيْء فَقَالَ: أَي شَيْء أَنا، وَأي شَيْء عِنْدِي أحَدثك، أَنا أعرف رجلا لَو سَأَلَ اللَّهِ تَعَالَى أَن يَجْعَل هَذَا القراح الباذنجان ذَهَبا لفعل، فوَاللَّه مَا استتم الْكَلَام حَتَّى رَأَيْت القراح يتقد ذَهَبا، فَقَالَ لَهُ أستاذي - يَعْنِي الْخلال -: يَا مقبل: هَل لأحد سَبِيل أَن يَأْخُذ من هَذَا القراح أصلا وَاحِدًا؟ فَقَالَ: خُذ، وَكَانَ القراح مستنبتا، فَأخذ أستاذي الأَصْل فقلعه بعروقه وَجَمِيع مَا فِيهِ ذهب فَوَقَعت من الأَصْل باذنجانة صَغِيرَة وَشَيْء من الْوَرق فَأَخَذته، وبقاياه معي إِلَى يومي. قَالَ: ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ وَسَأَلَ اللَّهِ تَعَالَى فَعَاد القراح
[ ٢٠٤ ]
كَمَا كَانَ، وَعَاد مَكَانَهُ ذَلِك الأَصْل أصل باذنجان آخر.
(حَامِد الْأسود)
كَانَ زوج أُخْت إِبْرَاهِيم الْخَواص، وَكَانَ صَالحا، وَكَانَ سَافر مَعَ الْخَواص على التَّوَكُّل.
(أَبُو حَمَّاد الْأسود)
[١٢٤] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد السراج قَالَ أَبُو حَمَّاد الْأسود وَيعرف بالزنجي من أستاذي أبي الْحُسَيْن الرُّوذَبَارِي ذكر عَنهُ عَليّ بن مُحَمَّد المزين أَنه جلس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بحذاء الْكَعْبَة ثَلَاثِينَ سنة لَا يخرج إِلَّا لطهارة الصَّلَاة وَمَا رُؤِيَ أكل وَلَا شرب.
وَقَالَ أَبُو الْحسن المزين: كَانَ أَبُو حَمَّاد إِذا تُوجد يبيض، وَإِذا ذهب، وَجهه يسود.
(صُهَيْب الْأسود)
[١٢٥] أَنبأَنَا عَليّ بن عبيد اللَّهِ عَن أبي الْحُسَيْن بن الْمُهْتَدي عَن أبي حَفْص ابْن شاهين قَالَ: نَا عمر بن الْحسن قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن سيف قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ حَدثنِي ابْن أبي بكر الْمقدمِي قَالَ نَا جَعْفَر الضبعِي عتن مَالك بن دِينَار قَالَ: كَانَ بِمَكَّة عبد أسود يُقَال لَهُ صُهَيْب فَكَانَت مولاته تَقول
[ ٢٠٥ ]
لَهُ: يَا صُهَيْب قد أفسدت نَفسك عَليّ؛ أما النَّهَار فصائم، وَأما اللَّيْل فَأَنت قَائِم.
قَالَ: يَقُول: يَا مولاتي إِذا ذكرت النَّار طَار نومي، وَإِذا ذكرت الْجنَّة اشْتَدَّ شوقي.
[ ٢٠٦ ]
(فصل)
(فَأَما من لم نَعْرِف اسْمه من عباد الْقَوْم وزهادهم فَمنهمْ: عَابِد من أهل الْمَدِينَة)
[١٢٦] أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم هبة اللَّهِ بن أَحْمد الحريري قَالَ أَنبأَنَا أَبُو طَالب مُحَمَّد بن عَليّ العشاري قَالَ أَنبأَنَا يُوسُف بن عمر القواس إجَازَة قَالَ أنبأ أَبُو الْفضل الْخُرَاسَانِي قَالَ نَا سعيد بن عُثْمَان قَالَ نَا مُحَمَّد بن يحيى الْكِنْدِيّ قَالَ نَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الْمروزِي عَن أبي عبد ربه عَن مُوسَى بن جَابَان عَن أنس ابْن مَالك قَالَ: شهِدت عمر بن الْخطاب وجاءه مَمْلُوك أسود فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَلَيْسَ اللَّهِ ﷿ يَقُول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة﴾، قَالَ: بلَى. قَالَ: فَإِنِّي أَخُوك، فَقُمْ معي لحَاجَة لتعينني عَلَيْهَا، فَوَثَبَ عمر فَوضع يَده فِي يَد الْأسود، فَانْطَلق بِهِ إِلَى خص لَهُ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أما خشيت اللَّهِ ﷿ أَن تأوي إِلَى ظلّ، وَأَنا فِي سملة بالية قذرة أتزر بِبَعْضِهَا وأفترش بَعْضهَا، وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَا أحللتك حَتَّى أتعلق بك يَوْم الْقِيَامَة، فَيَأْخُذ لي مِنْك الْحق بِمَا أغفلتني فَصَرَخَ عمر، وَوضع التُّرَاب على رَأسه، وَجعل يَقُول: واعمراه، ثكلت عمر أمه، يَا أسود الْعَفو. فَبكى الْأسود وَقَالَ: قد غفرت لَك فَأمر لَهُ عمر بكسوة وَنَفَقَة، فَقَالَ: أما الْكسْوَة فأقبلها مِنْك، وَأما النَّفَقَة فَلَا حَاجَة لي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عمر: وَلم؟ قَالَ: أَخَاف
[ ٢٠٧ ]
إِن أَمْسَكت الدَّرَاهِم أَن أفتتن بحبها، فودعه عمر، ثمَّ جهد بعد ذَلِك فِي طلبه وَسَأَلَ عَنهُ، فَلم يدر أَيْن سلك.
(عَابِد آخر مدنِي)
[١٢٧] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر الْحَافِظ قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد بن السراج قَالَ أنبأ أَبُو الْقَاسِم عبيد اللَّهِ بن عمر بن شاهين قَالَ نَا أبي قَالَ ثَنَا أَحْمد بن سعد بن إِبْرَاهِيم الزُّهْرِيّ قَالَ نَا عبيد اللَّهِ بن عمر قَالَ نَا صَالح بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر قَالَ: كَانَت لي سَارِيَة فِي مَسْجِد رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ -، ثمَّ جِئْت فتساندت إِلَى ساريتي فجَاء رجل أسود تعلوه صفرَة متزر بكساء وعَلى رقبته كسَاء أَصْغَر مِنْهُ، فَتقدم إِلَى السارية الَّتِي بَين يَدي. فَكنت خَلفه، فَقَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ جلس فَقَالَ: أَي رب خرج أهل حرم بَيْتك يستسقون فَلم تسقهم، فَأَنا أقسم عَلَيْك لما سقيتهم. قَالَ ابْن الْمُنْكَدر: فَمَا وضع يَده حَتَّى سَمِعت الرَّعْد، ثمَّ جَاءَت السَّمَاء بِشَيْء من الْمَطَر أهمني الرُّجُوع إِلَى أَهلِي، فَلَمَّا سمع الْمَطَر حمد اللَّهِ محامدا لم أسمع بِمِثْلِهَا قطّ. قَالَ: ثمَّ قَالَ: وَمن أَنا؟ وَمَا أَنا حَيْثُ اسْتُجِيبَ لي، وَلَكِن عذت بحَمْدك وعذت بطولك، ثمَّ قَامَ فتوشح بكسائه الَّذِي كَانَ متزرا بِهِ، وَألقى الكساء الآخر الَّذِي كَانَ على ظَهره فِي رجلَيْهِ، ثمَّ قَامَ فَلم يزل قَائِما يُصَلِّي حَتَّى إِذا أحس الصُّبْح سجد وأوتر، وَصلى رَكْعَتي الصُّبْح، ثمَّ أُقِيمَت صَلَاة الصُّبْح، فَدخل مَعَ النَّاس فِي الصَّلَاة وَدخلت مَعَه، فَلَمَّا سلم الإِمَام قَامَ فَخرج، وَخرجت خَلفه حَتَّى انْتهى إِلَى بَاب الْمَسْجِد، فَخرج يرفع ثَوْبه يَخُوض المَاء، فَخرجت خَلفه رَافعا ثوبي أخوض
[ ٢٠٨ ]
المَاء، فَلم أدر أَيْن ذهب، فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الثَّانِيَة صليت الْعشَاء فِي مَسْجِد رَسُول الله - ﷺ َ - وَجئْت إِلَى ساريتي فتوسدت إِلَيْهَا، وَجَاء فَقَامَ فتوشح بكسائه وَألقى الكساء الآخر الَّذِي كَانَ على ظَهره فِي رجلَيْهِ وَقَامَ يُصَلِّي، فَلم يزل قَائِما حَتَّى إِذا خشِي الصُّبْح، سجد، ثمَّ أوتر، ثمَّ صلى رَكْعَتي الْفجْر، وأقيمت الصَّلَاة، فَدخل مَعَ النَّاس فِي الصَّلَاة فَدخلت مَعَه، فَلَمَّا سلم الإِمَام خرج من الْمَسْجِد، وَخرجت خَلفه، فَجعل يمشي، وَأتبعهُ حَتَّى دخل دَارا قد عرفتها من دور الْمَدِينَة، وَرجعت إِلَى الْمَسْجِد، فَلَمَّا طلعت الشَّمْس وَصليت خرجت حَتَّى أتيت الدَّار فَإِذا أَنا بِهِ قَاعد يخرز، وَإِذا هُوَ أسكاف، فَلَمَّا رَآنِي عرفني وَقَالَ: أَبَا عبد اللَّهِ، مرْحَبًا، لَك حَاجَة؟ تُرِيدُ أَن أَن أعمل لَك خفا؟ فَجَلَست فَقلت: أَلَسْت صَاحِبي بارحة الأولى؟ فاسود وَجهه وَصَاح وَقَالَ: يَا ابْن الْمُنْكَدر، مَا أَنْت وَذَاكَ، وَغَضب فَفَزِعت وَالله مِنْهُ، وَقلت: أخرج من عِنْده الْآن. فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة صليت الْعشَاء الْآخِرَة فِي مَسْجِد رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ -، ثمَّ أتيت ساريتي فتساندت إِلَيْهَا فَلم يَجِيء. قَالَ: قلت: إِنَّا لله، مَا صنعت؟ فَقَالَ: فَلَمَّا أَصبَحت جَلَست فِي الْمَسْجِد حَتَّى طلعت الشَّمْس، ثمَّ خرجت حَتَّى أتيت الدَّار الَّتِي كَانَ فِيهَا فَإِذا بَاب الدَّار مَفْتُوح وَإِذا لَيْسَ فِي الْبَيْت شَيْء، فَقَالَ لي أهل الدَّار: يَا أَبَا عبد اللَّهِ، مَا كَانَ بَيْنك وَبَين هَذَا أمس؟ قلت: مَا لَهُ؟ قَالُوا: لما خرجت من عِنْده أمس بسط كساءه فِي وسط الْبَيْت، ثمَّ لم يدع فِي بَيته جلدا وَلَا قالبا إِلَّا وَضعه فِي كسائه، ثمَّ حمله، فَلم ندر أَيْن ذهب؟ قَالَ ابْن الْمُنْكَدر: فَمَا تركت فِي الْمَدِينَة دَارا أعلمها إِلَّا وَقد طلبته فِيهَا فَلم أَجِدهُ.
[ ٢٠٩ ]
(عَابِد آخر)
[١٢٨] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أنبأ أَبُو طَالب مُحَمَّد بن عَليّ بن يُوسُف الْوَاعِظ قَالَ أنبأ أَبُو الْحسن عبد السَّلَام بن عبد الْملك بن حبيب قَالَ ثَنَا جَعْفَر بن أَحْمد بن سِنَان قَالَ نَاصِر بن عَليّ قَالَ حَدثنِي الْأَصْمَعِي عَن أبي مودود عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر قَالَ: أَبْطَأَ الْمَطَر سنة فَجئْت إِلَى الْمَسْجِد فَإِذا رجل أسود عِنْد الْمِنْبَر وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ اسقنا السَّاعَة، فَرعدَت وأبرقت، فَقَالَ: يَا رب لَيْسَ هَذَا أُرِيد، ثمَّ مطرَت، فَقَامَ: واتبعته حَتَّى أَتَى دَار آل حزم، فَأَتَيْته فعرضت عَلَيْهِ دَرَاهِم فأبي، فَقلت: هَذَا أَوَان الْحَج فَتخرج معي؟ فَقَالَ: هَذَا من الْخَيْر، وَلَك فِيهِ أجر، فَخرج معي.
(عَابِد أسود من أهل مَكَّة)
[١٢٩] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ ثَنَا جَعْفَر بن أَحْمد بن السراج قَالَ أنبأ عبد الْعَزِيز بن الْحسن بن إِسْمَاعِيل الضراب قَالَ ثَنَا أبي قَالَ ثَنَا أَحْمد ابْن مَرْوَان الْمَالِكِي قَالَ نَا سُلَيْمَان بن الْحسن قَالَ ثَنَا أبي قَالَ: قَالَ ابْن الْمُبَارك: قدمت مَكَّة فَإِذا النَّاس قد قحطوا من الْمَطَر وهم يستسقون فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، فَكنت فِي النَّاس مِمَّا يَلِي بَاب بني شيبَة، إِذْ أقبل غُلَام أسود
[ ٢١٠ ]
عَلَيْهِ قطعتا خيش قد ائتزر بِإِحْدَاهُمَا، وَألقى الْأُخْرَى على عَاتِقه، فَصَارَ فِي مَوضِع خَفِي إِلَى جَانِبي فَسَمعته يَقُول: إلهي، أخلقت الْوُجُوه كَثْرَة الذُّنُوب ومساوئ الْأَعْمَال، وَقد منتعنا غيث السَّمَاء لتؤدب الخليقة بذلك، فأسألك يَا حَلِيمًا ذَا أَنَاة، يَا من لَا يعرف عباده مِنْهُ إِلَّا الْجَمِيل، اِسْقِهِمْ السَّاعَة السَّاعَة. قَالَ: فَلم يزل يَقُول: السَّاعَة السَّاعَة حَتَّى اسْتَوَت بالغمام وَأَقْبل الْمَطَر من كل مَكَان، وَجلسَ مَكَانَهُ يسبح، وَأخذت أبْكِي، فَقَامَ فتبعته حَتَّى عرفت مَوْضِعه فَجئْت إِلَى الفضيل بن عِيَاض فَقَالَ لي: مَا لي أَرَاك باكيا؟ فَقلت: سبقنَا إِلَيْهِ غَيرنَا، فتولاه دُوننَا. قَالَ: وَمَا ذَاك؟ فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، فصاح وَسقط، وَقَالَ: وَيحك يَا ابْن الْمُبَارك، خذني إِلَيْهِ. قلت: قد ضَاقَ الْوَقْت وسأبحث عَن شَأْنه. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد صليت الْغَدَاة، وَخرجت أُرِيد الْموضع فَإِذا شيخ على الْبَاب قد بسط لَهُ وَهُوَ جَالس فَلَمَّا رَآنِي عرفني، فَقَالَ: مرْحَبًا بك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، حَاجَتك. فَقلت لَهُ: احتجت إِلَى غُلَام أسود، فَقَالَ: نعم، عِنْدِي عدَّة فاختر أَيهمْ شِئْت، فصاح: يَا غُلَام. فَخرج غُلَام جلد، فَقَالَ: هَذَا مَحْمُود الْعَاقِبَة أرضاه لَك. فَقلت: لَيْسَ هَذَا حَاجَتي، فَمَا زَالَ يخرج وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى أخرج إِلَيّ الْغُلَام، فَلَمَّا بصرت بِهِ بدرت عَيْنَايَ، فَقَالَ: هَذَا؟ قلت: نعم، فَقَالَ: لَيْسَ إِلَيّ بَيْعه سَبِيل،
[ ٢١١ ]
قلت: وَلم؟ قَالَ: قد تبركت بموضعه فِي الدَّار، وَذَلِكَ أَنه لَا يرزؤني شَيْئا، قلت: وَمن أَيْن طَعَامه؟ قَالَ: يكْسب من فتل الشريط نصف دانق وَأَقل وَأكْثر فَهُوَ قوته، فَإِن بَاعه فِي يَوْمه وَإِلَّا طوى ذَلِك الْيَوْم.
وَأَخْبرنِي الغلمان عَنهُ: أَنه لَا ينَام هَذَا اللَّيْل الطَّوِيل، وَلَا يخْتَلط بِأحد مِنْهُم، مهتم بِنَفسِهِ، وَقد أحبه قلبِي، فَقلت لَهُ: انْصَرف إِلَى سُفْيَان الثَّوْريّ والفضيل بَين عِيَاض بِغَيْر قَضَاء حَاجَة؟ فَقَالَ: إِن ممشاك عِنْدِي كَبِير، خُذْهُ بِمَا شِئْت. قَالَ: فاشتريته، فَأَخَذته نَحْو دَار الفضيل بن عِيَاض، فمشيت سَاعَة فَقَالَ لي: يَا مولَايَ، قلت: لبيْك. قَالَ: لَا تقل لي لبيْك، فَإِنَّهُ العَبْد أولى بِأَن يُلَبِّي من الْمولى. قلت: حَاجَتك يَا حَبِيبِي؟ قَالَ: أَنا ضَعِيف الْبدن لَا أُطِيق الْخدمَة، وَقد كَانَ لَك فِي غَيْرِي سَعَة، قد أخرج إِلَيْك من هُوَ أجلد مني. فَقلت: لَا يراني اللَّهِ وَأَنا استخدمك، وَلَكِن أَشْتَرِي لَك منزلا وأزوجك وأخدمك أَنا بنفسي. قَالَ: فَبكى. فَقلت لَهُ: مَا يبكيك؟ قَالَ: أَنْت لم تفعل بِي هَذَا إِلَّا وَقد رَأَيْت بعض متصلاتي بِاللَّه ﷿، وَإِلَّا فَلم اخترتني من بَين أُولَئِكَ الغلمان؟ فَقلت لَهُ: لَيْسَ بك حَاجَة إِلَى هَذَا. فَقَالَ: سَأَلتك بِاللَّه إِلَّا اخترتني فَقلت: بإجابة دعوتك. فَقَالَ: إِنِّي أحسبك
[ ٢١٢ ]
إِن شَاءَ اللَّهِ [تَعَالَى] رجلا صَالحا. إِن لله ﷿ خيرة من خلقه لَا يكْشف شَأْنهمْ إِلَّا لمن أحب من عباده، وَلَا يظْهر عَلَيْهِم إِلَّا من ارتضى، ثمَّ قَالَ لي: ترى أَن تقف عَليّ قَلِيلا، فَإِنَّهُ قد بقيت عَليّ رَكْعَات من البارحة. قلت: هَذَا منزل الفضيل قريب. قَالَ: لَا، هَاهُنَا أحب إِلَيّ، أَمر اللَّهِ [﷿] لَا يُؤَخر. فَدخل من بَاب الباعة إِلَى الْمَسْجِد فَمَا زَالَ يُصَلِّي حَتَّى إِذا أَتَى عَليّ مَا أَرَادَ الْتفت إِلَيّ وَقَالَ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، هَل من حَاجَة؟ قلت: وَلم؟ قَالَ: لِأَنِّي أُرِيد الإنصراف. قلت إِلَى أَيْن؟ قَالَ: إِلَى الْآخِرَة. قلت: لَا تفعل، دَعْنِي أسر بك. فَقَالَ لي: إِنَّمَا كَانَت تطيب الْحَيَاة حَيْثُ كَانَت الْمُعَامَلَة بيني وَبَينه تَعَالَى، فَأَما إِذا اطَّلَعت عَلَيْهَا أَنْت فسيطلع عَلَيْهَا غَيْرك فَلَا حَاجَة لي فِي ذَلِك. ثمَّ خر لوجهه فَجعل يَقُول: إلهي، اقبضني السَّاعَة السَّاعَة. فدنوت مِنْهُ فَإِذا هُوَ قد مَاتَ. فوَاللَّه مَا ذكرته [قطّ] إِلَّا طَال حزني [عَلَيْهِ]، وصغرت الدُّنْيَا فِي عَيْني.
(عَابِد أسود بغدادي)
[١٣٠] أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور الْحَافِظ قَالَ أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن أَحْمد قَالَ أَنبأَنَا أَبُو عبد اللَّهِ بن بطة العكبري قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن
[ ٢١٣ ]
الْحُسَيْن قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد الطشي قَالَ: حَدثنِي أَبُو جَعْفَر السقا قَالَ: خرجت يَوْمًا من بَيْتِي فِي وَقت مطير فَإِذا أسود مطروح على مزبلة مَرِيض فجررته فأدخلته إِلَى بَيْتِي، فَلَمَّا أمسينا دَعَاني، فَقَالَ: يَا أَبَا جَعْفَر، لَا تفْسد مَا صنعت، اقعد عِنْدِي، وفاح الْبَيْت برِيح الْمسك وَصَارَ ريح جبتي وكسائي وجرتي وكوزي وكل شَيْء فِي الْبَيْت ريح الْمسك. قَالَ: فَقَالَ: اقعد عِنْدِي، ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ: هَكَذَا لَا تضيق عَليّ جلسائي. قَالَ: فَسَمعته يَقُول: أيدك اللَّهِ أيدك اللَّهِ ارْفُقْ بِي يَا مولَايَ قَالَ: ثمَّ خرجت نَفسه. قَالَ: قلت: أبيع كسائي، أبيع جبتي، وأشتري لَهُ كفنا. قَالَ: فطرق بَابي قريب من سبعين إنْسَانا كل يَقُول: يَا أَبَا جَعْفَر: مَاتَ عنْدك إِنْسَان يحْتَاج إِلَى كفن.
(عَابِد أسود بَصرِي)
[١٣١] أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي قَالَ أنبأ حمد بن أَحْمد قَالَ أنبأ أَبُو نعيم أَحْمد بن عبد اللَّهِ قَالَ أَنا أَبُو الْأَزْهَر ضَمرَة بن حَمْزَة الْمَقْدِسِي فِي كِتَابه. وحَدثني عَنهُ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: ثَنَا عبد الله بن سعيد الْهَاشِمِي قَالَ نَا أبي قَالَ نَا عبد اللَّهِ بن إِدْرِيس عَن مَالك بن دِينَار قَالَ: احْتبسَ علينا الْمَطَر بِالْبَصْرَةِ فخرجنا يَوْمًا بعد يَوْم نستسقي فَلم نر أثر الْإِجَابَة،
[ ٢١٤ ]
فَخرجت أَنا وَعَطَاء السّلمِيّ وثابت الْبنانِيّ وَمُحَمّد بن وَاسع وحبِيب الْفَارِسِي وَصَالح المري فِي آخَرين حَتَّى صرنا إِلَى الْمصلى بِالْبَصْرَةِ فاستسقينا، فَلم نر أثر الْإِجَابَة، وَانْصَرف النَّاس، وَبقيت أَنا وثابت [الْبنانِيّ] فِي الْمصلى، فَلَمَّا أظلم اللَّيْل بِالسَّوَادِ إِذا أَنا بأسود دَقِيق السَّاقَيْن، عَظِيم الْبَطن عَلَيْهِ مئزران من صوف، فجَاء إِلَى مَاء، فتمسح ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ خفيفتين، ثمَّ رفع طرفه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ: سَيِّدي، إِلَيّ كم تردد عِبَادك فِيمَا لَا ينْقصك، أنفد مَا عنْدك؟ أَقْسَمت عَلَيْك بحبك لي إِلَّا مَا سقيتهم غيثك السَّاعَة السَّاعَة. فَمَا أتم الْكَلَام حَتَّى تغيمت السَّمَاء، وأخذتنا كأفواه الْقرب، فَمَا خرجنَا حَتَّى خضنا المَاء، فتعجبنا من الْأسود فتعرضت لَهُ فَقلت: أما تَسْتَحي مِمَّا قلت؟ قَالَ: وَمَا قلت؟ فَقلت: قَوْلك بحبك لي، وَمَا يدْريك أَنه يحبك. فَقَالَ: تَنَح عَن همتي يَا من اشْتغل عَنهُ بِنَفسِهِ، أَيْن كنت أَنا حِين خصني بتوحيده ومعرفته؟ أَتَرَى خصني بذلك إِلَّا لمحبته. ثمَّ بَادر يسْعَى، فَقلت: ارْفُقْ بِنَا فَقَالَ: أَنا مَمْلُوك عَليّ فرض من من طَاعَة مالكي الصَّغِير فَدخل دَار نخاس، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أتيت على النخاس فَقلت لَهُ: عنْدك غُلَام تبيعنيه للْخدمَة؟ قَالَ: نعم، عِنْدِي مائَة غُلَام، فَجعل يخرج إِلَيّ وَاحِدًا بعد وَاحِد،
[ ٢١٥ ]
وَأَنا أَقُول: غير هَذَا. إِلَى أَن قَالَ: مَا بَقِي عِنْدِي أحد فَلَمَّا خرجنَا إِذا بالأسود قَائِم فِي حجرَة خربة فَقلت: بِعني هَذَا. فَقَالَ: هَذَا غُلَام مُشَوه لَا همة لَهُ إِلَّا الْبكاء. فَقلت: وَذَلِكَ أريده، فَدَعَاهُ وَقَالَ لي: خُذْهُ بِمَا شِئْت بعد أَن تبرئني من عيوبه. فاشتريته بِعشْرين دِينَارا، فَلَمَّا خرجنَا قَالَ: يَا مولَايَ، لم اشتريتني؟ قلت: لنخدمك نَحن. قَالَ: وَلم ذَاك؟ قلت: أَلَيْسَ أَنْت صاحبنا البارحة فِي الْمصلى؟ قَالَ: وَقد اطَّلَعت على ذَلِك؟ فَجعل يمشي حَتَّى دخل مَسْجِدا فصلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ قَالَ: إلهي وسيدي سر كَانَ بيني وَبَيْنك أظهرته للمخلوقين، أَقْسَمت عَلَيْك إِلَّا قبضت روحي السَّاعَة. فَإِذا هُوَ ميت، فبقبره نستسقي ونطلب الْحَوَائِج إِلَى يَوْمنَا هَذَا.
(عَابِد آخر أسود بَصرِي)
[١٣٢] أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ أنبأ أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الْجَبَّار قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْفَتْح قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ الدقاق قَالَ نَا الْحُسَيْن بن صَفْوَان قَالَ نَا أَبُو بكر الْقرشِي قَالَ حَدثنَا جدي أَبُو السكن الطَّائِي قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن هَارُون بن مُسلم. قَالَ: وحَدثني عبد الْوَاحِد
[ ٢١٦ ]
ابْن زيد قَالَ: خرجت إِلَى نَاحيَة الخريبة فَإِذا إِنْسَان أسود مجذوم قد تقطعت كل جارحة لَهُ بالجذام وَعمي وأقعد، وَإِذا صبيان يرمونه بِالْحِجَارَةِ قد دموا وَجهه، فرأيته يُحَرك شفتين، فدنوت مِنْهُ لأسْمع مَا يَقُول: فَإِذا هُوَ يَقُول: يَا سَيِّدي، إِنَّك لتعلم أَنَّك إِن قرضت لحمي بِالْمَقَارِيضِ ونشرت عِظَامِي بالمناشير مَا ازددت لَك إِلَّا حبا، فَاصْنَعْ بِي مَا شِئْت.
(عَابِد أسود من عبادان)
[١٣٣] أخبرنَا أَبُو بكر بن حبيب قَالَ أنبأ أَبُو سعد بن أبي صَادِق قَالَ أَنا ابْن باكويه قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو عبد اللَّهِ الشِّيرَازِيّ قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الْخيرَات الْمَعْرُوف بالعسقلاني قَالَ: كَانَ بعبادان رجل زنجي مفلفل الشّعْر يأوي الخرابات، فَحملت معي شَيْئا وطلبته، فَلَمَّا وَقع بَصَره عَليّ تَبَسم، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْض، فَرَأَيْت حوالي إِلَى حَيْثُ أرى دَرَاهِم ودنانير تلمع، ثمَّ قَالَ لي: هَات مَا مَعَك. فناولته، وهربت وهالني أمره.
[ ٢١٧ ]
(عَابِد آخر لَقِي بطرِيق مَكَّة)
[١٣٤] أخبرنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز قَالَ أنبأ أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن أَحْمد بن رزق قَالَ أنبأ أَحْمد بن سلمَان الْفَقِيه قَالَ ثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا قَالَ حَدثنِي مشرف بن أبان قَالَ: سَمِعت صَالح بن عبد الْكَرِيم قَالَ: رَأَيْت غُلَاما أسود فِي طَرِيق مَكَّة عِنْد ميل يُصَلِّي، فَقلت لَهُ: عبد أَنْت؟ قَالَ: نعم. قلت: فَعَلَيْك ضريبة؟ قَالَ: نعم. قلت: أَفلا أكلم مَوْلَاك أَن يضع عَنْك. قَالَ: وَمَا الدُّنْيَا كلهَا فأجزع من ذلها. قَالَ: فاشتريته فأعتقته فَقعدَ يبكي، وَقَالَ لي: أعتقتني؟ قلت: نعم. قَالَ: أعتقك الله يَوْم الْقِيَامَة، وَقعد يبكي وَيَقُول: اشْتَدَّ عَليّ الْأَمر، فناولته دَنَانِير فَأبى أَن يَأْخُذهَا، قَالَ: فحججت بعد ذَلِك بِأَرْبَع سِنِين. فَسَأَلت عَنهُ، فَقَالُوا: غَابَ عَنَّا، فمذ غَابَ قحطنا، وَصَارَ إِلَى جدة.
(عَابِد آخر)
[١٣٥] أخبرنَا أَحْمد بن أَحْمد المتوكلي قَالَ أنبأ أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ أنبأ عَليّ بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْبَزَّاز قَالَ أنبأ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ قَالَ نَا أَحْمد بن مُحَمَّد الطوسي قَالَ نَا دَاوُد بن رشيد قَالَ: حَدثنِي
[ ٢١٨ ]
الصبيح والمليح شابان كَانَا يتعبدان بِالشَّام سميا: الصبيح والمليح لحسن عبادتهما - قَالَ: جعنا يَوْمًا فَقلت لصاحبي أَو قَالَ لي: اخْرُج بِنَا إِلَى الصَّحرَاء الْعليا نرى رجلا نعلمهُ بعض دينه لَعَلَّ اللَّهِ أَن ينفعنا بِهِ، فَلَمَّا ضجرنا استقبلنا أسود على رَأسه حزمة حطب، فَدَنَوْنَا مِنْهُ، فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، من رَبك؟ فَرمى بالحزمة عَن رَأسه وَجلسَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: لَا تقولا لي من رَبك؟ - وَلَكِن قولا لي: أَيْن مَحل الْإِيمَان من قَلْبك؟ فَنَظَرت إِلَى صَاحِبي وَنظر إِلَيّ صَاحِبي، ثمَّ قَالَ: سلا، سلا؛ فَإِن المريد لَا تَنْقَطِع مسَائِله. فَلَمَّا رآنا لَا نجيز جَوَابا قَالَ: اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن لَك عبادا كلما سألوك أَعطيتهم فحول حزمتي هَذِه ذَهَبا. فرأيناها قضبان ذهب يلتمع، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن لَك عبادا الخمول أحب إِلَيْهِم من الشُّهْرَة فَردهَا حطبا. فَرَجَعت وَالله حطبا. ثمَّ حملهَا على رَأسه وَمضى، فَلم نجسر أَن نمنعه.
(عَابِد آخر)
[١٣٦] أخبرنَا عبد الْوَهَّاب بن الْمُبَارك قَالَ أنبأ أَبُو الْحسن بن عبد الْجَبَّار قَالَ أنبأ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ الْخياط قَالَ نَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ أنبا ابْن صَفْوَان قَالَ: ثَنَا أَبُو بكر الْقرشِي قَالَ نَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ:
[ ٢١٩ ]
حَدثنِي رجل من آل أبي بكرَة عَن مَيْمُون بن سياه قَالَ: كنت أَنا وخَالِد الربعِي وَنَفر من أَصْحَابنَا نذْكر اللَّهِ [﷿]، فَوقف علينا رجل أسود فَقَالَ: هَل ذكرْتُمْ الْمَوْت فِيمَا كُنْتُم فِيهِ؟ قَالَ: قُلْنَا: إِنَّا لنذكره كثيرا، وَمَا ذَكرْنَاهُ يَوْمنَا هَذَا. قَالَ: فَبكى، وَقَالَ: لقد غفلتم مَا لَا يغفلكم، ونسيتم مَا يحصي عَلَيْكُم الأنفاس لقدومه عَلَيْكُم. قَالَ: ثمَّ مَال ليسقط، وسانده رجل من الْقَوْم فَخرجت نَفسه، وَأَنا أنظر إِلَيْهِ. قَالَ: فَنَظَرْنَا فَلم نجد أحدا نعرفه، فغسلناه وحنطناه وكفناه ودفناه.
(عَابِد من عباد السواحل)
[١٣٧] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ نَا عبد الْعَزِيز بن الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل الضراب قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ نَا أَحْمد ابْن مَرْوَان الْمَالِكِي قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَالَ: سَمِعت أَحْمد بن مَحْبُوب يَقُول: حَدثنِي جدي قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن أدهم يَقُول: دخلت حصنا من حصون السَّاحِل وَأَنا مجتاز، وَقد أخذتني السَّمَاء فَدخلت
[ ٢٢٠ ]
إِلَى أتون وَقلت: أقعد سَاعَة حَتَّى يهدأ الْمَطَر فَإِذا أسود يُوقد فِيهِ فَسلمت وَقلت لَهُ: تَأذن لي إِلَى أَن يسكن الْمَطَر؟ فَأَوْمأ إِلَيّ أَن ادخل، فَدخلت فَجَلَست حذاءه، فَجعلت أنظر إِلَيْهِ وَلَا ُأكَلِّمهُ، وَهُوَ يُوقد وَلَا يكلمني، ويحرك شَفَتَيْه ويلتفت يَمِينا وَشمَالًا لَا يفتر، فَلَمَّا أصبح أقبل عَليّ فَقَالَ: لَا تلمني إِن لم أحسن ضيافتك وَأَقْبل عَلَيْك؛ إِنِّي عبد مَمْلُوك، وَقد وكلت بِمَا ترى، فَكرِهت أَن أشتغل عَن مَا وكلت بِهِ. قلت: فَمَا كَانَ التفاتك يَمِينا وَشمَالًا لَا تفتر؟
قَالَ: خوفًا من الْمَوْت، وَقد علمت أَنه نَازل بِي، وَلَكِن لم أعلم من أَيْن يأتيني؟ وَلَا مَتى يأتيني؟ فَقلت: فَمَا تحرّك شفتيك؟ قَالَ: أَحْمد اللَّهِ وأهلله وأسبحه لِأَنَّهُ بَلغنِي عَن النَّبِي - ﷺ َ - أَنه قَالَ لبَعض أَصْحَابه: اعْمَلْ، لَا يَأْتِيك الْمَوْت إِلَّا وَلِسَانك رطب من ذكر اللَّهِ ﷿.
قَالَ إِبْرَاهِيم: فَبَكَيْت وَصحت صَيْحَة، وَقلت: برز عَلَيْك الْأسود يَا إِبْرَاهِيم.
[ ٢٢١ ]