(فِي ذكر طَائِفَة من فطناء السودَان والسوداوات وأذكيائهم وكرمائهم)
[٩٥] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ أنبأ أَبُو طَاهِر مُحَمَّد بن عَليّ العلاف قَالَ أنبأ أَبُو بكر أَحْمد بن سلم فِيمَا أجَاز لنا قَالَ نَا أَبُو دلف هَاشم بن مُحَمَّد بن هَارُون الْخُزَاعِيّ قَالَ نَا مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ عَن الْعُتْبِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: بَيْنَمَا سُلَيْمَان بن عبد الْملك يسير ذَات يَوْم فِي موكبه إِذْ عرض لَهُ رجل أسود عَلَيْهِ بردَان، مؤتزر بِأَحَدِهِمَا، مُرْتَد بِالآخِرَة، فَأخذ بلجام دَابَّة سُلَيْمَان، ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اتَّقِ اللَّهِ [﷿] وَاذْكُر الْأَذَان. قَالَ: وَمَا الْأَذَان؟ قَالَ الرجل: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَأذن مُؤذن بَينهم أَن لعنة اللَّهِ على الظَّالِمين﴾
فَبكى بكاء كثيرا، ثمَّ رفع رَأسه إِلَيْهِ فَقَالَ: وَيحك، وَمَا مظلمتك؟ قَالَ: ظَلَمَنِي وكيلك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْيمن وغصبني ضيعتي وأدخلها فِي ضيعتك. قَالَ: فَدَعَا سُلَيْمَان وَهُوَ مَكَانَهُ بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس، وَكتب بِيَدِهِ إِلَى وَكيله بِالْيمن
[ ١٨٠ ]
أَن ادْفَعْ إِلَى فلَان ضيعته الَّتِي غصبته إِيَّاهَا وَمثلهَا من ضيعتي وَلَا تظلم أحدا.
[٩٦] أَنبأَنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ: أنبأ عبد الْعَزِيز ابْن الْحسن الضراب قَالَ: أنبأ أبي قَالَ: نَا أَحْمد بن مَرْوَان الدينَوَرِي قَالَ: نَا إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ قَالَ ثَنَا عُثْمَان بن مُحَمَّد الْأنمَاطِي قَالَ نَا عَمْرو بن أبي قيس قَالَ: خرج عبد اللَّهِ بن جَعْفَر إِلَى حيطان الْمَدِينَة فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ نظر إِلَى أسود على بعض الْحِيطَان وَهُوَ يَأْكُل، وَبَين يَدَيْهِ كلب رابض، كلما أكل لقمه رمى للكلب مثلهَا، فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى فرغ من أكله، وَعبد الله بن جَعْفَر وَاقِف على رَأسه ينظر إِلَيْهِ، فَلَمَّا فرغ دنا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا غُلَام، لمن أَنْت؟ قَالَ: لوَرَثَة عُثْمَان بن عَفَّان. فَقَالَ: لقد رَأَيْت مِنْك عجبا، فَقَالَ لَهُ: وَمَا الَّذِي رَأَيْت من الْعجب يَا مولَايَ؟ قَالَ: رَأَيْتُك تَأْكُل فَكلما أكلت لقْمَة رميت للكلب مثلهَا. فَقَالَ لَهُ: يَا مولَايَ، هُوَ رفيقي مُنْذُ سِنِين، وَلَا بُد أَن أجعله كأسوتي فِي الطَّعَام.
فَقَالَ لَهُ: فدون هَذَا الجزيل. فَقَالَ لَهُ: يَا مولَايَ، وَالله إِنِّي
[ ١٨١ ]
لأَسْتَحي من الله [﷿] أَن آكل وَعين تنظر إِلَيّ لَا تَأْكُل، ثمَّ مضى عني، فَأتى جَعْفَر وَرَثَة عُثْمَان فَنزل عِنْدهم، فَقَالَ: جِئْت فِي حَاجَة. قَالُوا: وَمَا حَاجَتك؟ قَالَ: تبيعوني الْحَائِط الْفُلَانِيّ فَقَالُوا لَهُ: قد وهبناه لَك. قَالَ: لست آخذه إِلَّا بِضعْف: فباعوه فَقَالَ لَهُم: وتبيعوني الْغُلَام الْأسود. فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا قد ربيناه وَإنَّهُ كأحدنا، فَلم يزل بهم حَتَّى باعوه، وَانْصَرف عَنْهُم. فَلَمَّا أصبح غَدا على الْغُلَام وَهُوَ فِي الْحَائِط، فَقَالَ لَهُ: أشعرت أَنِّي قد اشترتيك واشتريت الْحَائِط من مواليك؟ فَقَالَ لَهُ: بَارك الله لَك فِيمَا اشْتريت، وَلَقَد غمني مفارقتي لموَالِي أَنهم ربوني. فَقَالَ لَهُ: وَأَنت حر، والحائط ملك لَك. قَالَ: إِن كنت يَا مولَايَ صَادِقا فاشهد عَليّ أَنِّي قد أوقفته على وَرَثَة عُثْمَان بن عَفَّان، فتعجب عبد اللَّهِ بن جَعْفَر مِنْهُ وَقَالَ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ.
[٩٧] أَنبأَنَا عَليّ بن عبد اللَّهِ عَن أبي الْحسن بن الْمُهْتَدي عَن أبي حَفْص ابْن شاهين قَالَ: ثَنَا أَحْمد بن إِسْحَاق بن بهْلُول قَالَ نَا عبد اللَّهِ بن الْهَيْثَم قَالَ ثَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ: تبع رجل سَوْدَاء فَقَالَت: أما زاجر من عقل إِذا لم يكن ناه من دين. فَقَالَ: وَهل يَرَانَا إِلَّا الْكَوَاكِب؟ قَالَت: فَأَيْنَ مكوكبها؟
[٩٨] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أنبأ الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ: أنبأ أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أنبأ أَبُو عمر بن حيوية قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ نَا أَبُو سعيد الْمَدِينِيّ قَالَ نَا بعض أَصْحَابنَا قَالَ: نزل رجل من أهل الْحجاز
[ ١٨٢ ]
بِمَالك، فَسَأَلَ أبي: مَا هَذَا؟ فَقيل لَهُ: مَالك وَإِذا بَين يَدَيْهِ صبية سَوْدَاء تلقط النَّوَى فَقَالَ: قَاتل اللَّهِ الَّذِي يَقُول:
(احذر على مَاء الْعَشِيرَة والهوى على مَالك يَا لهف نَفسِي على مَالك)
وَأي شَيْء كَانَ يتعشق من مَالك، إِنَّمَا هِيَ جرة سَوْدَاء، قَالَ: تَقول الصبية: أَي بِأبي إِنَّه وَالله كَانَ لَهُ بهَا شجن لم يَك لَك.
[١٠٠] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أنبأ أَبُو الْحسن بن عبد الْجَبَّار قَالَ أنبأ أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ: أنبأ أَبُو عمر بن حيوية قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الْفضل الْكَاتِب عَن أبي مُحَمَّد العامري قَالَ: قَالَ إِسْمَاعِيل بن جَامع، كَانَ أبي يعظني فِي الْغناء ويضيق عَليّ، فهربت مِنْهُ إِلَى أخوالي بِالْيمن، فأنزلني خَالِي غرفَة لَهُ مشرفة على نهر فِي بُسْتَان، وَإِنِّي لمشرف مِنْهَا إِذا طلعت سَوْدَاء مَعهَا قربَة فَنزلت إِلَى المشرعة فَجَلَست وَوضعت قربتها وغنت:
(إِلَى اللَّهِ أَشْكُو بخلها وسماحتي لَهَا عسل مني وتبذل علقما)
(فردي مصاب الْقلب أَنْت قتلته وَلَا تتركيه هائم الْقلب مغرما)
وذرفت عَيناهَا وَاسْتقر بِي مَا لَا قوام لي بِهِ، ورجوت أَن ترده، فَلم تفعل
[ ١٨٣ ]
وملأت الْقرْبَة ونهضت، فَنزلت أعدُّوا وَرَاءَهَا، وَقلت: يَا جَارِيَة، بِأبي أَنْت وَأمي، ردي الصَّوْت. قَالَت: مَا أشغلني عَنْك. قلت: بِمَاذَا؟ قَالَت: عَليّ خراج كل يَوْم دِرْهَمَانِ. فأعطيتها دِرْهَمَيْنِ، وَجَلَست حَتَّى أَخَذته، وانصرفت ولهوت يومي ذَلِك، فَأَصْبَحت وَمَا أذكر مِنْهُ حرفا وَاحِدًا، وَإِذا أَنا بِالسَّوْدَاءِ قد طلعت، فَفعلت كفعلها الأول، إِلَّا أَنَّهَا غنت غير ذَلِك الصَّوْت ونهضت وعدوت فِي أَثَرهَا، فَقلت: الصَّوْت قد ذهب عَليّ مِنْهُ نَغمَة. قَالَت: مثلك لَا تذْهب عَلَيْهِ نَغمَة، فَتبين بعضه بِبَعْض. وأبت أَن تعيده إِلَّا بِدِرْهَمَيْنِ، فأعطيتها ذَلِك، فأعادته، فَذَكرته، فَقلت: حَسبك، قَالَت: كَأَنَّك تكاثر فِيهِ بأَرْبعَة دَرَاهِم، كَأَنِّي وَالله بك قد أصبت بِهِ أَرْبَعَة آلَاف [دِينَار] .
قَالَ ابْن جَامع: فَبينا أَنا أُغني الرشيد وَبَين يَدَيْهِ أكيسة، فِي كل كيسى ألف دِينَار، إِذْ قَالَ: من أطربني فَلهُ كيس، فغن لي صَوتا. فغنيته، فَرمى إِلَيّ بكيس، ثمَّ قَالَ: أعد. فأعدته، فَرَمَانِي بكيس، وَقَالَ: أعد. فأعدته، فَرَمَانِي بكيس، فتبسمت، فَقَالَ: مِم تضحك؟ قَالَت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، [إِن] لهَذَا الصَّوْت حَدِيث أعجب مِنْهُ، فَحَدَّثته الحَدِيث
[ ١٨٤ ]
فَضَحِك وَرمى إِلَيّ الْكيس الرَّابِع، وَقَالَ: لَا نكذب قَول السَّوْدَاء، فَرَجَعت بأَرْبعَة آلَاف.
قَالَ ابْن خلف: وَذكر الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: أتيت جَرِيرًا فَقلت: أَخْبرنِي أَي بَيت هجيتم كَانَ أَشد عَلَيْكُم؟ قَالَ قَوْله:
(أَنْت قرارة كل مدفع سوءة وَلَك سَائِلَة يسيل قَرَار)
وعَلى رَأسه جَارِيَة سَوْدَاء حلوة فَقَالَت: كَذبك وَالله، أصعب مَا هجي بِهِ قَوْله:
(لَيْسَ الْكِرَام بناحليك آبَاءَهُم حَتَّى يرد إِلَى عَطِيَّة نعثل)
فَقَالَ جرير: صدقت الخبيثة.
[١٠١] قَالَ ابْن خلف: وحَدثني حمدون بن عبد اللَّهِ قَالَ: حَدثنِي أَبُو حشيشة قَالَ: كَانَت بدل أحسن النَّاس وَجها، وَكَانَت أستاذة كل محسن ومحسنة، وَكَانَت صفراء مدينية، وَكَانَت أروى النَّاس للغناء، وَكَانَت لجَعْفَر بن مُوسَى الْهَادِي فَوضعت لمُحَمد بن زبيدة، فَبعث إِلَى جَعْفَر يسْأَله أَن يُرِيد إِيَّاهَا فأبي، فزاره مُحَمَّد فِي منزله فَسمع مَا لم يسمع مثله،
[ ١٨٥ ]
قَالَ: يَا أخي، بِعني هَذِه الْجَارِيَة، فَقَالَ: يَا سَيِّدي، لَيْسَ مثلي من بَاعَ جَارِيَة. قَالَ: فهبها لي. قَالَ: هِيَ مُدبرَة. قَالَ: فاحتال لَهُ مُحَمَّد حَتَّى أسكره، فَنَامَ جَعْفَر، وَأمر مُحَمَّد بِبَدَل فَحملت مَعَه فِي حراقته، فَانْصَرَفت بهَا، فَلَمَّا انتبه جَعْفَر سَأَلَ عَن بدل، فَأخْبر خَبَرهَا فَسكت، وَبعث إِلَيْهِ مُحَمَّد من الْغَد، فَجَاءَهُ وَبدل جالسة تغنيه، لم يقل شَيْئا، فَلَمَّا أَرَادَ جَعْفَر الِانْصِرَاف قَالَ مُحَمَّد: أوقروا حراقة ابْن عمي دَرَاهِم. قَالَ: فأوقرت، فَكَانَ مبلغ ذَلِك المَال عشْرين ألف ألف، وَبقيت بدل فِي دَار مُحَمَّد بن زبيدة إِلَى أَن حدث عَلَيْهِمَا حدث.
[١٠٢] قَالَ ابْن خلف: وحَدثني أَبُو عبد اللَّهِ التَّمِيمِي قَالَ: حَدثنِي أَبُو الوضاح الْبَاهِلِيّ عَن أبي مُحَمَّد الربذي قَالَ: قَالَ عبد اللَّهِ ابْن عمر بن عَتيق: خرجت أَنا وَيَعْقُوب بن حمدي بن كاسب قافلين من مَكَّة، فَلَمَّا كُنَّا بودان لَقينَا جَارِيَة من أهل ودان، فَقَالَ لَهَا يَعْقُوب: يَا جَارِيَة، مَا فعلت نعم؟ فَقَالَت: سل نَصِيبا. فَقَالَ: قَاتلك اللَّهِ، مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قطّ أحد ذهنا وَلَا أحضر صَوَابا وَإِنَّمَا أَرَادَ يَعْقُوب قَول نصيب فِي نعم - وَكَانَ ينزل ودان:
(أيا صَاحب الخيمات من بطن أرثد إِلَى النّخل من ودان مَا فعلت نعم)
(أسائل عَنْهَا كل ركب لقيتهم وَمَالِي بهَا من بعد مكتنا علم)
[ ١٨٦ ]
[١٠٣] أخبرتنا شهدة بنت أَحْمد بن الْفرج قَالَ أنبأ جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ: أنبأ القاضيان أَبُو الْحُسَيْن النوري وَأَبُو الْقَاسِم التنوخي قَالَا: أَنا أَبُو عمر بن حيوية قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن خلف قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن الْفضل قَالَ: أَخْبرنِي أبي قَالَ أنبأ القحدمي قَالَ: دخل ذُو الرمة الْكُوفَة، فَبَيْنَمَا هُوَ يسير فِي بعض شوارعها على نجيب لَهُ إِذْ رأى جَارِيَة سَوْدَاء واقفة على بَاب دَار فأستحسنها، وَوَقعت بِقَلْبِه فَدَنَا إِلَيْهَا فَقَالَ: يَا جَارِيَة، اسْقِنِي مَاء. فأخرجت إِلَيْهِ كوزا فَشرب، وَأَرَادَ أَن يمازحها ويستدعي كَلَامهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا أحر ماؤك! فَقَالَت: لَو شِئْت لأقبلت على عنوت شعرك، وَتركت حر مائي وبرده. فَقَالَ لَهَا: وَأي شعري لَهُ عنت؟
فَقَالَت: أَلَسْت ذُو الرمة؟ قَالَ: بلَى: قَالَت:
(فَأَنت الَّذِي شبهت عَنْزًا بقفرة لَهَا ذَنْب فَوق استها أم سَالم)
(جعلت لَهَا قرنين فَوق جبينها وطبيين مسودين مثل المحاجم)
(وساقين إِن سمكًا مِنْك تبركا فخدك يَا غيلَان مثل المياسم)
(أيا ظَبْيَة الوعسانين جلاجل وَمن النقا أَأَنْت أم سَالم؟)
[ ١٨٧ ]
قَالَ: نشدتك بِاللَّه أَلا أخذت رَاحِلَتي هَذِه وَمَا عَلَيْهَا، وَلم تظهري هَذَا وَلَا تذكري لأحد مَا جرى. [وَنزل عَن رَاحِلَته، فَدَفعهَا إِلَيْهَا، وَذهب ليمشي فدفعتها، وضمنت أَلا تذكر لأحد مَا جرى]
[١٠٤] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي طَاهِر قَالَ: أَنبأَنَا عَليّ بن المحسن عَن أَبِيه قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد الْكَاتِب قَالَ: حَدثنِي بعض الْأَشْرَاف بِالْكُوفَةِ أَنه كَانَ بهَا رجل جني يعرف بالأدرع شَدِيد الْقلب جدا قَالَ: وَكَانَ فِي خرابات الْكُوفَة شَيْء يظْهر للمجتازين فِيهِ نَار تطول تَارَة وتقصر أُخْرَى، يَقُولُونَ: هَذَا غولة ويفزع مِنْهُ النَّاس، فَخرج الأدرع لَيْلَة رَاكِبًا فِي بعض شَأْنه، فَقَالَ لي الأدرع: فَاعْترضَ لي السوَاد وَالنَّار فطال الشَّخْص فِي وَجْهي، فأنكرته، ثمَّ رجعت إِلَى نَفسِي، فَقلت: إِمَّا شَيْطَان أَو غولة فَهُوَ مين، وَلَيْسَ إِلَّا إِنْسَان، فَذكرت اللَّهِ [تَعَالَى] وَصليت على نبيه [ﷺ]، وجمعت عنان الْفرس وقنعته وطرحته على الشَّخْص فازداد طوله وَعظم الضَّوْء فِيهِ، فنفر الْفرس فمنعته، فَطرح نَفسه عَلَيْهِ، فقصر الشَّخْص حَتَّى صَار على قدر قامة، فَلَمَّا كَاد الْفرس يخالطه ولى هَارِبا
[ ١٨٨ ]
فحركت خَلفه، فَانْتهى إِلَى خربة فَدَخلَهَا، فَدخلت خَلفه، فَإِذا هُوَ قد نزل سردابا فِيهَا، فَنزلت عَن فرسي وشددته، وَنزلت وسيفي مُجَرّد، فحين حصلت فِي السرداب، أحسست بحركته يُرِيد الْفِرَار مني، فطرحت نَفسِي عَلَيْهِ، فَوَقَعت يَدي على بدن إِنْسَان، فقبضت عَلَيْهِ فَأَخْرَجته فَإِذا هُوَ جَارِيَة سَوْدَاء، فَقلت: أَي شَيْء أَنْت وَإِلَّا قتلتك السَّاعَة؟ قَالَت: قبل كل شَيْء إنسي أَنْت؟ أوجني؟ فَمَا رَأَيْت أقوى قلبا مِنْك [قطّ] فَقلت: أَي شَيْء أَنْت؟ قَالَت: أمة لآل فلَان - قوم من الْكُوفَة - أبقت مِنْهُم مُنْذُ سِنِين، فتغربت فِي هَذِه الخربة، فولد لي الْفِكر أَن أحتال بِهَذِهِ الْحَال، وأوهم النَّاس أَنِّي غولة حَتَّى لَا يقرب الْموضع أحد، وأعترضه لَيْلًا للأحداث، فيفزعونه، وَرُبمَا رمى أحدهم منديلا أَو إزارا، فَآخذهُ، وأبيعه نَهَارا، فأقتاته أَيَّامًا.
قلت: فَمَا هَذَا الشَّخْص الَّذِي يطول وَيقصر، وَالنَّار الَّتِي تظهر؟ قَالَت: كسَاء معي طَوِيل أسود فَأخْرجهُ من السرادب، وقصبات مهندمة أَدخل بَعْضهَا فِي بهض فِي الكساء وأرفعة فَيطول، فَإِذا أردْت تَقْصِيره رفعت من الأنابيب وَاحِدَة وَاحِدَة فتقصر، وَالنَّار فَتِيلَة شمع معي فِي يَدي، لَا
[ ١٨٩ ]
أخرج إِلَّا رَأسهَا مِقْدَار مَا يضيء الكساء، فأرتني الشمعة والكساء والأنابيب ثمَّ قَالَت: قد وَالله جَازَت هَذِه الْحِيلَة نيفا وَعشْرين سنة، واعترضت فرسَان الْكُوفَة وشجعانها، فَمَا أقدم عَليّ أحد غَيْرك، وَلَا رَأَيْت أَشد قلبا مِنْك. فحملها الأدرع إِلَى الْكُوفَة فَردهَا على مواليها، وَكَانَت تحدث بِهَذَا الحَدِيث، وَلم ير بعد ذَلِك أثر غولة، فَعلم أَن الحَدِيث حق.
[ ١٩٠ ]