(فِيمَن ذكر أَنه كَانَ نَبيا من السودَان فَمِمَّنْ رُوِيَ أَنه كَانَ من الْأَنْبِيَاء أسود نَبِي أَصْحَاب الْأُخْدُود.)
[٣٥] فروى جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْفضل الرَّسْعَنِي فِي تَارِيخه بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: كَانَ نَبِي أَصْحَاب الْأُخْدُود حَبَشِيًّا. [وَذكر أهل التَّفْسِير: أَن الَّذين أحرقوا كَانُوا من الْحَبَشَة] .
قَالَ وهب بن مُنَبّه: كَانُوا اثْنَي عشر ألفا.
وَقَالَ ابْن السَّائِب: سبعين ألفا.
وَكَانَ السَّبَب فِي إحراقهم مَا روينَا عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ: " كَانَ ملك من الْمُلُوك قد سكر فَوَقع على أُخْته، فَلَمَّا أَفَاق قَالَ لَهَا: وَيحك، كَيفَ الْمخْرج؟ فَقَالَت لَهُ: اجْمَعْ أهل مملكتك
[ ٨٣ ]
فَأخْبرهُم أَن اللَّهِ قد أحل نِكَاح الْأَخَوَات /، فَإِذا ذهب هَذَا فِي النَّاس وتناسوه، خطبتهم تحرمه، فَفعل ذَلِك، فَأَبَوا أَن يقبلُوا ذَلِك مِنْهُ، فَبسط فيهم السَّوْط، ثمَّ جرد السَّيْف فَأَبَوا، فَخدَّ لَهُم أُخْدُودًا وأوقد فِيهِ النَّار، وَقذف من أَبى قبُول ذَلِك.
[ ٨٤ ]
(فصل)
وَقد اخْتلفُوا فِي ذِي القرنين.
فَقَالَ عبد اللَّهِ بن عَمْرو بن سعيد بن الْمسيب وَالضَّحَّاك بن مُزَاحم: كَانَ نَبيا.
[٣٦] وروينا عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ: كَانَ عبدا صَالحا من الْقُرُون الأول من ولد يافث بن نوح.
[٣٧] وَذكر جَعْفَر بن مُحَمَّد الرَّسْعَنِي فِي تَارِيخه عَن إِبْرَاهِيم عَن عَليّ ابْن أبي طَالب ﵁ قَالَ: كَانَ ذُو القرنين أسود.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي: كَانَ ذُو القرنين فِي زمن [إِبْرَاهِيم] الْخَلِيل [﵇] وَمَات فِي ذَلِك الزَّمن.
وَفِي عِلّة تَسْمِيَته بِذِي القرنين عشرَة أَقْوَال:
الأول: أَنه دَعَا قومه إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فضربوه على قرنه فَهَلَك،
[ ٨٥ ]
فغبر زَمَانا ثمَّ بَعثه اللَّهِ تَعَالَى فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ [تَعَالَى] فضربوه على قرنه الآخر فَهَلَك، فَذَلِك قرناه، قَالَه عَليّ [بن أبي طَالب] .
الثَّانِي: أَنه سمي بذلك لِأَنَّهُ سَار إِلَى مغرب الشَّمْس وَإِلَى مطْلعهَا. رَوَاهُ أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس.
وَالثَّالِث: لِأَن صفحتي رَأسه كَانَتَا من نُحَاس.
الرَّابِع: لِأَنَّهُ رأى فِي النّوم كَأَنَّهُ امْتَدَّ من السَّمَاء إِلَى الأَرْض فَأخذ بقرني الشَّمْس فَقص ذَلِك على قومه فَسُمي بِذِي القرنين.
الْخَامِس: لِأَنَّهُ ملك فَارس وَالروم.
السَّادِس: لِأَنَّهُ كَانَ فِي رَأسه شبه القرنين. رويت هَذِه الْأَقْوَال الْأَرْبَعَة عَن وهب بن مُنَبّه.
السَّابِع: لِأَنَّهُ كَانَت لَهُ غديرتان من شعر. قَالَه الْحسن. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَالْعرب تسمي ضفيرتي الشّعْر غديرتين وقرنين.
الثَّامِن: أَنه كَانَ كريم الطَّرفَيْنِ من أهل بَيت ذَوي شرف.
التَّاسِع: لِأَنَّهُ انقرض فِي زَمَانه قرنان من النَّاس وَهُوَ حَيّ.
[ ٨٦ ]
الْعَاشِر: لِأَنَّهُ سلك الظلمَة والنور.
ذكر هَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ.
قَالَ مُجَاهِد: ملك الأَرْض أَرْبَعَة: مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، فالمؤمنان: سُلَيْمَان بن دَاوُد [نَبِي اللَّهِ] وَذُو القرنين، والكافران: نمْرُود، وبخت نصر.
[٣٨] أخبرنَا مُحَمَّد بن عمر الأرموي قَالَ أَنا أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُهْتَدي قَالَ نَا أَبُو حَفْص بن شاهين قَالَ نَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد الباغندي قَالَ ثَنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة قَالَ ثَنَا أَبُو أُسَامَة قَالَ حَدثنِي زَائِدَة عَن سماك بن حَرْب عَن حبيب بن حَازِم قَالَ: قَالَ رجل لعَلي [﵁] كَيفَ بلغ ذُو القرنين الْمشرق وَالْمغْرب؟
فَقَالَ عَليّ: سخر لَهُ السَّحَاب، ومدت لَهُ الْأَسْبَاب، وَبسط لَهُ النُّور. قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: كَانَ ذُو القرنين يركب فِي ألف ألف، وعَلى مقدمته سِتّمائَة ألف، وعَلى ساقته مائَة ألف. [فسبحان الْحَيّ الْبَاقِي] .
[ ٨٧ ]
(ذكر صفة بنائِهِ السد)
[٣٩] روى أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي: أَنه لما عزم ذُو القرنين على الْمسير إِلَى مطلع الشَّمْس أَخذ على طَرِيق كابل والهند وتبت فَتَلَقَّتْهُ الْمُلُوك بالتحف وَالْأَمْوَال، وانْتهى إِلَى الْحُصُون المعطلة، وَقد بقيت فِيهِ بقايا فَسَأَلُوهُ أَن يسد الرَّدْم، فَنزل مَعَه الصناع، فَاتخذ قدور [النّحاس و] الْحَدِيد الْكِبَار، والمغارف الْحَدِيد، وَأمر أَن يَجْعَل كل أَرْبَعَة من تِلْكَ الْقُدُور على حِدة، كَانَ طول كل وَاحِد خَمْسُونَ ذِرَاعا، وَأمر الصناع أَن يضْربُوا لبن الْحَدِيد فضربوها طول كل لبنة ذِرَاع وَنصف، وسمكها شبر، وبنوا السد، وَجعلُوا فِي وَسطه بَابا عَظِيما عَلَيْهِ مصراعان، كل مصراع خَمْسُونَ ذِرَاعا وَعَلِيهِ قفل نَحْو عشرَة أَذْرع، فَلَمَّا فرغ من بِنَاء السد أضرم عَلَيْهِ النَّار فَصَارَ معجونا كَأَنَّهُ حجر وَاحِد.
[٤٠] قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي: وَبَلغنِي عَن ابْن خرداذبة قَالَ: حَدثنِي سَلام الترجمان أَن الواثق لما رأى فِي الْمَنَام أَن السد الَّذِي سَده ذُو القرنين قد انْفَتح وجهني فَقَالَ: عاينه وائتني بِخَبَرِهِ. وَضم إِلَيّ
[ ٨٨ ]
خمسين رجلا، ووصلني بِخَمْسَة آلَاف دِينَار وَأَعْطَانِي ديتي عشرَة آلَاف دِرْهَم، [وَأمر بِإِعْطَاء كل رجل معي ألف دِرْهَم]، ورزق سِتَّة أشهر، وَأَعْطَانِي مِائَتي بغل تحمل الزَّاد وَالْمَاء، فشخصنا من سر من رأى بِكِتَاب من الواثق إِلَى أبي إِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل صَاحب أرمينية فِي إنفاذها فَكتب لنا إِسْحَاق إِلَى صَاحب السرر، فَكتب لنا ذَلِك إِلَى اللاب وَكتب لنا إِلَى فيلا نشاه، فَكتب لنا إِلَى الخزر، فَأَقَمْنَا عِنْد ملك الخزر يَوْمًا وَلَيْلَة، ثمَّ وَجه مَعنا خمسين رجلا أدلاء، فسرنا من عِنْده خمْسا وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ صرنا إِلَى أَرض سَوْدَاء منتنه الرّيح، وَقد كُنَّا تزودنا قبل دُخُولهَا طيبا نشمه للرائحة الْمَكْرُوهَة فسرنا فِيهَا عشرَة أَيَّام، ثمَّ صرنا إِلَى مدن خراب، فسرنا
[ ٨٩ ]
فِيهَا سَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا، فسألنا عَن تِلْكَ المدن فخبرنا أَنَّهَا المدن الَّتِي كَانَ يَأْجُوج وَمَأْجُوج يطرقونها، فخربوها، ثمَّ صرنا إِلَى حصون بِالْقربِ من الْجَبَل الَّذِي السد فِي شعب مِنْهُ، وَفِي تِلْكَ الْحُصُون قوم يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية، مُسلمُونَ يقرؤون الْقُرْآن لَهُم كتاتيب ومساجد، فَسَأَلُونَا من أَيْن أقبلتم؟ فأخبرناهم أَنا رسل أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَقْبَلُوا يتعجبون وَيَقُولُونَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ! قُلْنَا: نعم، فَقَالُوا: شيخ هُوَ أم شَاب؟ فَقُلْنَا: شَاب، فَقَالُوا: أَيْن يكون؟ قُلْنَا: بالعراق فِي مَدِينَة يُقَال لَهَا: سر من رأى، فَقَالُوا: مَا سمعنَا بِهَذَا قطّ.
ثمَّ صرنا إِلَى جبل أملس لَيْسَ عَلَيْهِ خضراء، وَإِذا جبل مَقْطُوع بواد عرض مائَة وَخَمْسُونَ ذِرَاعا، وَإِذا عضادتان مبنيتان مِمَّا يَلِي الْجَبَل من جنبتي الْوَادي عرض كل عضادة خمس وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، الظَّاهِر من تحتهَا عشرَة أَذْرع خَارج الْبَاب، وَعَلِيهِ بِنَاء بِلَبن من حَدِيد مغيب فِي نُحَاس فِي سمك خمسين ذِرَاعا، وَإِذا دروند حَدِيد طرفاه على العضادتين طوله مائَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، قد ركب على العضادتين على وَاحِد بِمِقْدَار عشرَة أَذْرع فِي عرض خَمْسَة أَذْرع، وَفَوق الدروند بِنَاء بذلك الْحَدِيد المغيب فِي النّحاس إِلَى
[ ٩٠ ]
رَأس الْجَبَل فِي ارتفاعه مد الْبَصَر، وَفَوق ذَلِك شرف حَدِيد فِي كل شرفة قرنان، ينثني كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه، وَإِذا بَاب حَدِيد عَلَيْهِ مصراعان مغلقان عرض كل مصراع خَمْسُونَ ذِرَاعا، فِي ارْتِفَاع خمسين فِي نَحْو خَمْسَة أَذْرع وقائمتاهما فِي دوارة فِي قدر الدروند وعَلى الْبَاب قفل طوله تِسْعَة أَذْرع فِي غلظ ذِرَاع فِي الاستدارة وارتفاع القفل من الأَرْض خمس وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، وَفَوق القفل بِقدر خَمْسَة أَذْرع غلق طوله أَكثر من طول القفل، وقفيز كل وَاحِد مِنْهُمَا ذراعان، وعَلى الغلق مِفْتَاح مُعَلّق طوله ذِرَاع وَنصف، وَله اثْنَتَا عشرَة دريجة، كل وَاحِدَة قدر فَرسَخ أكبر مَا يكون من هاون مُعَلّق فِي سلسلة طولهَا ثَمَان أَذْرع فِي استدارة أَرْبَعَة أشبار وَالْحَلقَة الَّتِي فِيهَا السلسلة مثل حَلقَة المنجنيق، وَعتبَة الْبَاب عشرَة أَذْرع بسط مائَة ذِرَاع سوى مَا تَحت العضادتين، وَالظَّاهِر مِنْهَا خَمْسَة أَذْرع، وَهَذَا الذِّرَاع كُله بالذراع السرداء، وَرَئِيس تِلْكَ الْحُصُون يركب فِي كل جُمُعَة فِي
[ ٩١ ]
عشرَة فوارس مَعَ كل فَارس مرزبة حَدِيد، فِي كل وَاحِدَة خَمْسُونَ وَمِائَة منا، فَيضْرب القفل بِتِلْكَ المرزبات فِي كل يَوْم مَرَّات ليسمع من وَرَاء الْبَاب الصَّوْت، فيعلموا أَن هُنَالك حفظَة، وَيعلم هَؤُلَاءِ أَنه أُولَئِكَ لم يحدثوا فِي الْبَاب حَدثا، وَإِذا ضرب أَصْحَابنَا القفل وضعُوا آذانهم فيسمعون لمن هُوَ دَاخل دويا، وبالقرب من هَذَا الْموضع حصن كَبِير يكون عشرَة فراسخ فِي عشرَة فراسخ تكسير مائَة فَرسَخ، وَمَعَ الْبَاب حصنان يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مِائَتي ذِرَاع فِي مِائَتي ذِرَاع، وعَلى بَاب هذَيْن الحصنين شجرتان، وَبَين الحصنين عين عذبة، فِي أحد الحصنين آلَة الْبناء الَّذِي بني بِهِ السد من الْقُدُور الْحَدِيد والمغارف الْحَدِيد، على كل أثفية أَربع قدور مثل قدور الصابون، وَهُنَاكَ بَقِيَّة من اللَّبن قد التزق بَعْضهَا بِبَعْض من الصدأ، واللبنة ذِرَاع وَنصف فِي سمك شبر، وسألوا من هُنَالك؟ هَل رَأَوْا أحدا من يَأْجُوج وَمَأْجُوج فَذكرُوا أَنهم رَأَوْا مرّة عددا فَوق الشّرف فَهبت ريح
[ ٩٢ ]
سَوْدَاء، فألقتهم إِلَى جانبهم، وَكَانَ مِقْدَار الرجل مِنْهُم فِي رَأْي الْعين شبْرًا وَنصفا.
قَالَ سَلام الترجمان: فَلَمَّا انصرفنا أخذتنا الأدلاء إِلَى نَاحيَة خُرَاسَان فسرنا إِلَيْهَا حَتَّى خرجنَا خلف سَمَرْقَنْد بِسبع فراسخ، وَقد كَانَ أَصْحَاب الْحُصُون زودونا مَا كفانا، ثمَّ صرنا إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر، قَالَ سَلام: فوصلني بِمِائَة ألف دِرْهَم، وَوصل كل رجل معي بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم، وأجرى للفراس خَمْسَة دَرَاهِم، وللراجل ثَلَاثَة دَرَاهِم فِي كل يَوْم إِلَى الرّيّ، فرجعنا إِلَى سر من رأى بعد خروجنا بِثمَانِيَة وَعشْرين شهرا.
قَالَ ابْن خرداذبة: فَحَدثني سَلام الترجمان بجملة هَذَا الْخَيْر، ثمَّ أمله عَليّ من كتاب كتبه للواثق.
وَقد روى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَن ذَا القرنين لَقِي إِبْرَاهِيم الْخَلِيل [عَلَيْهِ
[ ٩٣ ]
السَّلَام] بِمَكَّة فَسلم عَلَيْهِ واعتنقه.
وَفِي حَدِيث آخر أَنه سمع بإبراهيم فَنزل فَمشى إِلَيْهِ، وَقَالَ: مَا كنت لأركب فِي بلد فِيهِ إِبْرَاهِيم.
وروى أَرْبَاب السّير: أَن ذَا القرنين أَمر بِبِنَاء مدن كَثِيرَة مِنْهَا، الدهرسية، وجهدان، وسيرل، وبرج الْحِجَارَة، وَلما بلغ الْهِنْد بنى مَدِينَة: سرنديب، وَأَن أَرْبَاب الْحساب قَالُوا لَهُ: إِنَّك لَا تَمُوت إِلَّا على أَرض [من] حَدِيد وسماء من خشب. وَكَانَ يدْفن كنوز كل أَرض بهَا، وَيكْتب ذَلِك بمقداره وموضعه فَبلغ بابل فرعف فَسقط عَن دَابَّته فبسطت
[ ٩٤ ]
لَهُ درع، فَنَامَ عَلَيْهِ، فآذته الشَّمْس فأظلوه بترس فَنظر فَقَالَ: هَذِه أَرض من حَدِيد وسماء من خشب، فأيقن بِالْمَوْتِ فَمَاتَ وَهُوَ ابْن ألف وسِتمِائَة سنة.
[ ٩٥ ]
(فصل)
[قَالَ المُصَنّف ﵀] وَقد اخْتلفُوا فِي لُقْمَان: فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِنَّه كَانَ حكيما وَلم يكن نَبيا.
وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: بل كَانَ نَبيا.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَ لُقْمَان أسود، وَقَالَ غَيره: كَانَ حَبَشِيًّا لرجل قصار من بني إِسْرَائِيل اشْتَرَاهُ بِثَلَاثِينَ دِينَارا، وَإِن مَوْلَاهُ أمره يَوْمًا بِذبح
[ ٩٦ ]
شَاة وأوصاه أَن يخرج مِنْهَا أطيب مضغتين فِيهَا فَأخْرج اللِّسَان وَالْقلب، ثمَّ إِن مَوْلَاهُ قَالَ لَهُ بعد مُدَّة: اذْبَحْ لنا شَاة، وَأخرج أَخبث مضغتين فِيهَا، فَأخْرج مِنْهَا اللِّسَان وَالْقلب، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: مَا فِي الشَّاة أطيب من قَلبهَا ولسانها [إِذا طابا]، وَلَا أَخبث مِنْهُمَا - إِذا خبثا -[وَكَذَلِكَ ابْن آدم لَيْسَ شَيْء أحسن من قلبه وَلسَانه وَلَا أَخبث مِنْهُمَا إِذا خبثا] .
وَقَالَ الْحسن: اعتزل لُقْمَان النَّاس فَنزل فِيمَا بَين الرملة وَبَيت الْمُقَدّس لَا يخالطهم.
[٤١] حَدثنَا الْمُبَارك بن عَليّ الصَّيْرَفِي لفظا قَالَ أَنا أَحْمد بن الْحُسَيْن بن قُرَيْش قَالَ أَنا إِبْرَاهِيم بن عمر الْبَرْمَكِي قَالَ أَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الدقاق قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن سُلَيْمَان قَالَ ثَنَا عبد الْملك بن مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ قَالَ نَا ابْن عَائِشَة قَالَ ثَنَا سعيد بن عَامر قَالَ حَدثنِي حسن أَبُو جَعْفَر قَالَ: كَانَ لُقْمَان الحبشي عبدا لرجل جَاءَ بِهِ إِلَى السُّوق ليَبِيعهُ قَالَ: فَكَانَ كلما جَاءَ إِنْسَان يَشْتَرِيهِ، قَالَ لَهُ لُقْمَان: مَا تصنع بِي؟ قَالَ: أصنع بك كَذَا وَكَذَا، قَالَ: حَاجَتي إِلَيْك أَن لَا تشتريني حَتَّى جَاءَ رجل فَقَالَ: مَا تصنع بِي؟ قَالَ:
[ ٩٧ ]
أصيرك بوابا على بَابي، قَالَ: أَنْت اشترني، فَاشْتَرَاهُ، وَجَاء بِهِ إِلَى دَاره، [قَالَ: قَالَ:] وَكَانَ لمَوْلَاهُ ثَلَاث بَنَات يبغين فِي الْقرْيَة، وَأَرَادَ أَن يخرج إِلَى ضَيْعَة لَهُ فَقَالَ: إِنِّي قد أدخلت إلَيْهِنَّ طعامهن وَمَا يحتجن إِلَيْهِ فَإِذا خرجت فأغلق الْبَاب واقعد من وَرَائه وَلَا تفتحه حَتَّى أجيء. قَالَ: فخرجن إِلَيْهِ كَمَا كن يخْرجن، فَقُلْنَ لَهُ: افْتَحْ الْبَاب، فَأبى عَلَيْهِنَّ فشججنه، فَغسل الدَّم وَجلسَ فَلَمَّا قدم لم يُخبرهُ، ثمَّ عَاد مَوْلَاهُ بعد الْخُرُوج فَقَالَ: إِنِّي قد أدخلت إلَيْهِنَّ مَا يحتجن إِلَيْهِ فَلَا تفتحن الْبَاب فَلَمَّا خرج خرجن إِلَيْهِ فَقُلْنَ لَهُ: افْتَحْ فَأبى فشججن ورجعن فَجَلَسَ [يبكي] فَلَمَّا جَاءَ الْمولى لم يُخبرهُ بِشَيْء. قَالَ: فَقَالَت الْكَبِيرَة: وَمَا بَال هَذَا العَبْد الحبشي أولى بِطَاعَة اللَّهِ [﷿] مني ﴿وَالله لأتوبن، فتابت. فَقَالَت الصُّغْرَى: وَمَا بَال هَذَا العَبْد الحبشي وَهَذِه الْكُبْرَى أولى بِطَاعَة الله مني﴾ وَالله لأتوبن، فتابت:
[ ٩٨ ]
فَقَالَت الْوُسْطَى: مَا بَال هَاتَانِ وَهَذَا العَبْد الحبشي أولى بِطَاعَة اللَّهِ ﷿ مني! وَالله لأتوبن. قَالَ: فَقُلْنَ غواة الْقرْيَة: مَا بَال هَذَا العَبْد الحبشي وَبَنَات فلَان أولى بِطَاعَة اللَّهِ ﷿ منا فتبن إِلَى اللَّهِ ﷿، فَكُن عوابد الْقرْيَة.
[٤٢] أَنبأَنَا يحيى بن ثَابت بن بنْدَار قَالَ أَنا أبي قَالَ أَنا الْحسن ابْن الْحُسَيْن بن دَوْمًا قَالَ أَنا مُحَمَّد بن جَعْفَر الباقرجي قَالَ أَنا الْحسن بن عَليّ الْقطَّان قَالَ أَنا إِسْمَاعِيل بن عِيسَى الْعَطَّار قَالَ ثَنَا إِسْحَاق بن بشر الْقرشِي قَالَ أَنا عبد اللَّهِ بن زِيَاد عَن مَكْحُول: أَن لُقْمَان كَانَ عبدا أسود، وَكَانَ قد أعطَاهُ اللَّهِ الْحِكْمَة وَكَانَ لرجل من بني إِسْرَائِيل اشْتَرَاهُ بِثَلَاثِينَ مِثْقَالا وَنصف وَكَانَ مَوْلَاهُ يلْعَب بالنرد يخاطر عَلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ على بَابه نهر جَار، فلعب يَوْمًا بالنرد على أَن من قمر صَاحبه شرب المَاء الَّذِي فِي النَّهر كُله أَو افتدى مِنْهُ، فقهر سيد لُقْمَان فَقَالَ لَهُ سيد لُقْمَان: اشرب مَا فِي النَّهر وَإِلَّا فافتد مِنْهُ، فَقَالَ: سلني الْفِدَاء، فَقَالَ: عَيْنَيْك أفقؤهما وَجَمِيع
[ ٩٩ ]
مَا تملك، قَالَ: أمهلني يَوْمًا، قَالَ: لَك ذَلِك. فأمسى كئيبا حَزينًا إِذْ جَاءَ لُقْمَان وَقد حمل حزمة من حطب على ظَهره فَسلم وَوضع مَا مَعَه، وَقَالَ لسَيِّده: مَالِي أَرَاك كئيبا حَزينًا؟ فَأَعْرض عَنهُ، فَأَعَادَ القَوْل فَأَعْرض عَنهُ، فَأَعَادَ فَأَعْرض، فَقَالَ لَهُ: أَخْبرنِي فَلَعَلَّ لَك عِنْدِي فرج [فَأخْبرهُ] قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: إِذا قَالَ الرجل لَك: اشرب مَا فِي النَّهر، فَقل لَهُ: أشْرب مَا بَين ضفتي النَّهر أَو الْمَدّ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَك: مَا بَين الضفتين، فَقل لَهُ: احْبِسْ عني الْمَدّ حَتَّى أشْرب مَا بَين الضفتين، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع [ذَلِك] وَتَكون قد خرجت مِمَّا ضمنت لَهُ فَعرف الرجل أَنه قد صدقه، فطابت نَفسه، فَلَمَّا أصبح الرجل جَاءَ فَقَالَ لَهُ: ف لي بشرطي، فَقَالَ لَهُ: نعم، أشْرب مَا بَين الضفتين أَو الْمَدّ؟ فَقَالَ: لَا، مَا بَين الضفتين، قَالَ: فاحبس عني الْمَدّ، قَالَ كَيفَ أستطع! فخصمه قَالَ: فَأعْتقهُ مَوْلَاهُ، فَأكْرمه اللَّهِ.
وَكَانَ يخْتَلف إِلَى دَاوُد يقتبس مِنْهُ [الْحِكْمَة] فَاخْتلف إِلَيْهِ سنة. وَدَاوُد يتَّخذ درعا وَلَا يسْأَله مَا هَذَا؟ وَلَا يُخبرهُ دَاوُد حَتَّى فرغ مِنْهَا، فصبها دَاوُد على نَفسه فَقَالَ حِين رأى ذَلِك: الصمت حكم.
[ ١٠٠ ]
قَالَ الْقرشِي: وَأخْبرنَا خَالِد بن النَّضر عَن مَكْحُول: أَن أول مَا سمع دَاوُد [﵇] من حِكْمَة لُقْمَان أَنه رأى النَّاس يَخُوضُونَ وَهُوَ سَاكِت، فَقَالَ دَاوُد: أَلا تَقول يَا لُقْمَان كَمَا يَقُول النَّاس؟ فَقَالَ: لَا خير فِي الْكَلَام إِلَّا بِذكر اللَّهِ ﷿ وَلَا فِي السُّكُوت إِلَّا فِي الفكرة فِي الْمعَاد، وَإِن صَاحب الدّين قد فكر، فعلته السكينَة، وشكر فتواضع، وقنع، فاستغنى، وَرَضي فَلم يهتم، وخلع الدُّنْيَا فنجا من الشرور، ورفض الشَّهَوَات فَصَارَ حرا، وَانْفَرَدَ، فَكفى الأحزان، وَطرح الْحَسَد، فظهرت الْمحبَّة، واستكمل الْعقل وَأبْصر الْعَاقِبَة، فأمن الندامة، فَالنَّاس مِنْهُ فِي رَاحَة، وَهُوَ من نَفسه فِي تَعب، فَقَالَ دَاوُد: صدقت يَا لُقْمَان، وأعجب بِهِ وشاع ذكره بالحكمة، وَاجْتمعَ بعد ذَلِك النَّاس إِلَيْهِ يقتبسون مِنْهُ ويسمعون مِنْهُ الْحِكْمَة.
قَالَ الْقرشِي: وَحدثنَا ابْن سمْعَان عَن زيد بن أسلم أَن لُقْمَان لما ظَهرت حكمته للنَّاس جَاءَهُ رجل من عُظَمَاء بني إِسْرَائِيل فَقَالَ لَهُ: يَا لُقْمَان، ألم تكن عبدا نوبيا لفُلَان؟ قَالَ: بلَى، قَالَ: فَمن أَيْن بلغت هَذِه الْمنزلَة؟ قَالَ: صدق الحَدِيث، وتركي مَالا يعنيني.
[ ١٠١ ]
قَالَ الْقرشِي: وَحدثنَا ابْن سمْعَان عَن مَكْحُول عَن كَعْب أَن لُقْمَان قَالَ لِابْنِهِ: يَا بني، إِن الدُّنْيَا بَحر عريض، وَقد هلك فِيهِ عَالم كثير، فَإِن اسْتَطَعْت أَن تجْعَل سفينتك فِيهَا الْإِيمَان بِاللَّه، وشراعها التَّوَكُّل على اللَّهِ، وزادك فِيهَا التَّقْوَى، فَإِن نجوت فبرحمة اللَّهِ، وَإِن هَلَكت فبذنوبك.
قَالَ: وَحدثنَا عُثْمَان بن عَطاء عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ: يَا بني، رح من الدُّنْيَا باليسير، وَلَا تنافس فِي نعيمها؛ فَإِن الْقَلِيل يَكْفِيك مِنْهَا، إِن خير الْعلم مَا نفع، يَا بني، أعلم النَّاس أَشَّدهم خشيَة.
قَالَ الْقرشِي: وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن أدهم: بَلغنِي أَن لُقْمَان لما حَضرته الْوَفَاة بَكَى، فَقَالَ لَهُ ابْنه: يَا أبه، مَا يبكيك؟ قَالَ: يَا بني، لَيْسَ على الدُّنْيَا أبْكِي، وأنما أبْكِي على مَا أَمَامِي: شقة بعيدَة، ومفازة سحيقة، وَعقبَة كؤود، وَزَاد قَلِيل، وَحمل ثقيل، فَمَا أَدْرِي أيحط ذَلِك الْحمل حَتَّى أبلغ الْغَايَة، أَو يبْقى عَليّ، فأساق مَعَه إِلَى نَار جَهَنَّم؟ ﴿﴾ ثمَّ مَاتَ.
قَالَ: وَبَلغنِي أَن قبر لُقْمَان مَا بَين مَسْجِد الرملة وَمَوْضِع سوقها
[ ١٠٢ ]
الْيَوْم، وفيهَا قُبُور سبعين نَبيا مَاتُوا بعد لُقْمَان كلهم فِي يَوْم وَاحِد من الْجُوع؛ أخرجهم بَنو إِسْرَائِيل فألجأوهم إِلَى الرملة، ثمَّ أحاطوا بهم فماتوا كلهم جوعا [﵈] .
(فصل)
[قَالَ المُصَنّف]: وكما ضرب النَّاس الْمثل بحكمة لُقْمَان ضربوا الْمثل بنومة عبود وَكَانَ عبود أسود حطابا فَبَقيَ فِي محطبه أسبوعا لم ينم، ثمَّ انْصَرف فَنَامَ أسبوعا، فَضرب بِهِ الْمثل لمن ثقل نَومه.
قَالَ الشَّرْقِي بن قطامي: تماوت عبود على أَهله، وَقَالَ: اندبوني لأعْلم كَيفَ تندبوني إِذا مت، فسجينه وندبنه فَإِذا هُوَ قد مَاتَ.
[ ١٠٣ ]