(فِي ذكر من كَانَ يُؤثر الْجَوَارِي السود على الْبيض وَمن كَانَ يعشقهن وَمن مَاتَ من عشقهن)
[١٤٩] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ: أنبأ عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ: أَنا أَبُو عمر بن حيويه قَالَ أنبأ أَبُو بكر مُحَمَّد بن خلف الْمَرْزُبَان [قَالَ] ثَنَا عبد اللَّهِ بن عَمْرو الْبَلْخِي قَالَ نَا الزبير بن بكار قَالَ: حَدثنِي عمي مُصعب بن عبد اللَّهِ قَالَ: كَانَ عبد اللَّهِ بن أبي بكر الصّديق [﵁] يحب جَارِيَة لَهُ سَوْدَاء، وَكَانَت قد شغلت قلبه فَنَهَاهُ أَبُو بكر [﵁] عَنْهَا فتجافي لَهَا، فِي قلبه مِنْهَا شَيْء وَقَالَ:
(أحب لحبها السودَان حَتَّى أحب لحبها سود الْكلاب)
[١٥٠] [قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن حبيب قَالَ: أَخْبرنِي هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب قَالَ: كَانَ ابْن عَبَّاس يعْزل عَن جَارِيَة لَهُ سَوْدَاء] .
قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي أَحْمد بن زُهَيْر قَالَ: أَخْبرنِي مُصعب بن عبد اللَّهِ الزبيرِي قَالَ: أَخْبرنِي عبد اللَّهِ بن رَبَاح الْعجْلَاني قَالَ: إِنِّي لفي مَسْجِد
[ ٢٣٣ ]
منى إِذْ أَبْصرت بِأبي الجليد الْفَزارِيّ وَاقِفًا على جَارِيَة سَوْدَاء كَأَنَّهَا صنم، فملت إِلَيْهِ، فَقلت: مَا لي أَرَاك هَاهُنَا. قَالَ: أصوب بَصرِي وأصاعده فِي هَذِه الْجَارِيَة وأتمناها على اللَّهِ [﷿] وَأَنْشَأَ يَقُول:
(أَلا يُصِبْنِي أَجلي فأحترم أشتر من مَالِي ضناكا كالصنم)
(عريضة المعطس خشناء الْقدَم تكون أم وَلَدي وتختدم)
قَالَ مُصعب: وَكَانَ أَبُو الجليد أَعْرَابِيًا بدويا عَلامَة، فَرَأَيْت الضَّحَّاك بن عُثْمَان يروي مِنْهُ وَيَأْخُذ عَنهُ.
[١٥١] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي عبد اللَّهِ بن شبيب قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْجَعْفَرِي قَالَ حَدثنِي حَكِيم بن طَلْحَة الْفَزارِيّ قَالَ حَدثنِي سيار بن نجيح قَالَ: طلبت ابْن ميادة فَقيل لي: خرج أمس فَعرفت أَنه ذهب فِي اتِّبَاع أمة بني سهل، فغبت فِي بغائه، فَوَقَعت عَلَيْهِ فِي قرارة بَيْضَاء قد حفت بحرة سَوْدَاء، وَإِذا غنم، وَإِذا حمَار ابْن ميادة مُقَيّد، وَهُوَ مَعهَا تَحت سَمُرَة وَكَانَت الْأمة سَوْدَاء فَسلمت وَجَلَست، فَأقبل ابْن ميادة على الْأمة فَقَالَ لَهَا: أنشديهم مَا قلت فِيك فأنشدتنا:
(تمنونني مِنْك اللِّقَاء وإنني لأعْلم لَا أَلْقَاك من دون بابل)
[ ٢٣٤ ]
(إِلَى ذَاك مَا جَاءَت أُمُور وَمَا انْقَضتْ غيابة حبيك أنجاد المخايل)
(وحالت شهور الْحَج بيني وَبَينهَا وَرفع الأعادي كل حق وباطل)
(أَقُول لعذالي لما تقابلا عَليّ بلوم مثل طعن المعايل)
(فَلَا تكثرن فِيهَا الهجا فَإِنَّهَا مصلصلة من بعض تِلْكَ الصلاصل)
(من الصفر لأورها سمح دلالها وَلَيْسَت من الْبيض الْقصار الحوائل)
(وَلكنهَا رَيْحَانَة طَابَ نشرها بأجرح تندي بالضحى والأصايل)
قَالَ سيار: فَقلت: مَالك لَا تشتربها؟ فَقَالَ: إِذا يقتل حبها.
[١٥٢] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وحَدثني إِسْحَاق بن أبان قَالَ، حَدثنِي مُحَمَّد بن سَلام قَالَ: عرض إِنْسَان أسود لامْرَأَة كَانَ لَهَا ابْن عَم يعشقها فأجابت الْأسود، فَقَالَ ابْن عَمها:
(شابت أعالي قروني وانجلى بَصرِي فَمَا أحدث عَن قمرية الْوَادي)
(نبئت أَن غرابا ظلّ محتضا قمرية فَوق أَغْصَان وأعواد)
قَالَ: وأنشدني بَعضهم:
(قَالُوا تعشقها سمراء قلت لَهُم لون الغوالي ولون الْمسك وَالْعود)
[ ٢٣٥ ]
(إِنِّي امْرُؤ لَيْسَ شَأْن الْبيض مرتفعا عِنْدِي وَلَو خلت الدُّنْيَا من السود)
قَالَ: وأنشدت لأبي الشيص فِي جَارِيَة كَانَت لَهُ سَوْدَاء وَكَانَ اسْمهَا تبر:
(لم تنصفي يَا سميَّة الذَّهَب تتْلف نَفسِي وَأَنت فِي لعب)
(يَا بنت عَم الْمسك الذكي وَمن لولاه لم يجتني وَلم يطب)
(ناسبك الْمسك فِي السوَاد وَفِي الرّيح فَأكْرم بِذَاكَ من نسب)
قَالَ: وأنشدني أَبُو مُحَمَّد العباسي لبَعْضهِم:
(أَقُول لمن عَابَ السوَاد سفاهة وللسود قوم عائبون وحسد)
(وعيب سَواد اللَّوْن إِن قيل حالك وَهَذَا سَواد الْمسك وَالْعود أسود)
(وَهَذَا سَواد الرُّكْن يشفى بلسمه ويهوى إِلَيْهِ بِالرُّكُوعِ وَيسْجد)
(وَلَوْلَا سَواد الْعين لم يكن طرفها صَحِيحا وذمت طرفها حِين ترقد)
(وَلَو علم الْمهْدي لونا يفوق لألوى بِهِ راياته حِين تعقد)
[١٥٣] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن بن الْعَبَّاس بن أبي حَاتِم قَالَ قَالَ لي أبي: كَانَ عندنَا بِالْبَصْرَةِ رجل من المهالبة يعشق زنجية كَانَت لبَعض جيراننا، فَلم يزل يدس إِلَى مولاتها حَتَّى اشْتَرَاهَا، وَكَانَت قد شغلت قلبه عَن أَهله فَعَاتَبَهُ فِي أمرهَا جمَاعَة من أَهله وإخوانه فَلم يلْتَفت إِلَى قَوْلهم.
[ ٢٣٦ ]
[١٥٤] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي إِسْحَاق بن أبان عَن الْعُتْبِي أَنه قَالَ فِي جَارِيَة سَوْدَاء كَانَت لَهُ:
(ثكلتها أَن لم يكن وَجههَا أحسن عِنْدِي من رُجُوع الشَّبَاب)
قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأنْشد لأبي عَليّ الْبَصِير:
(أسكرتني سكرا بِغَيْر شراب وَأَتَتْ إِذْ أَتَت بِأَمْر عُجاب)
(لم ترجع بِآيَة من كتاب اللَّهِ حَتَّى نسيت أم الْكتاب)
(لم يعبها اسْتِحَالَة اللَّوْن عِنْدِي إِنَّهَا صبغة كلون الشَّبَاب)
قَالَ: وأنشدني بعض أهل الْأَدَب:
(أَهْدَت لقلبك صبوة وَفَسَادًا ولجفن عَيْنك عِبْرَة وسهادا)
(من كَانَ يرغب فِي الْبيَاض لحسنه فَأَنا الْمعَارض بالبياض سوادا)
(لَا ينفذ القرطاس فِي حاجاته حَتَّى تنمق ساحتيه مدادا)
(نَفسِي الْفِدَاء لَك خود طفلة سَوْدَاء أقربت الْفُؤَاد بعادا)
[١٥٥] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي الْحَارِث قَالَ: قَالَ الْمَدَائِنِي: اتخذ الفرزدق على النوار جَارِيَة زنجية فأحبها فَولدت لَهُ جَارِيَة، وَكَانَ يُحِبهَا
[ ٢٣٧ ]
ويمدح الزنج.
[١٥٦] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وحَدثني مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ حَدثنِي بعض الشاميين عَن أبي زيد الدِّمَشْقِي قَالَ: حَدثنِي جَعْفَر بن زِيَاد الشَّامي قَالَ: هوى رجل منا جَارِيَة سَوْدَاء فلامه أَهله على ذَلِك، وَقَالُوا: عشقت سَوْدَاء! فَأَنْشَأَ يَقُول:
(يكون الْخَال فِي خد قَبِيح فيكسره الملاحة والجمالا)
(فَكيف يلام إِنْسَان على من يرَاهُ كُله فِي الْعين خالا)
[١٥٧] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وأنشدني أَحْمد بن حبيب [لأبي حَفْص] الشطرنجي فِي دَنَانِير جَارِيَة يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي وَكَانَت سَوْدَاء:
(أشبهك الْمسك وأشبهته قَائِما فِي لَونه قَاعِدَة)
(لاشك إِذْ لونكما وَاحِد أنكما من طِينَة وَاحِدَة)
[١٥٨] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَحدثنَا مُحَمَّد التَّمِيمِي عَن أبي الْحسن الْمَدِينِيّ قَالَ: كَانَ ليزِيد بن مُعَاوِيَة جَارِيَة سَوْدَاء وَكَانَ يُحِبهَا، فَخَلا بهَا يَوْمًا وَعلمت امْرَأَته، فَأَتَت الْموضع فَمَال إِلَيْهَا وَترك السَّوْدَاء واستحى مِنْهَا.
[ ٢٣٨ ]
قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَسمعت بعض أهل الْأَدَب يَقُول: بَلغنِي أَن رجلا عوتب فِي سَوْدَاء كَانَ يُحِبهَا فَقَالَ: وَالله مَا صلحت إِلَّا أَن تقطع خيلانا فِي خدود القيان.
[١٥٩] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأخْبرنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي عَن أَبِيه قَالَ: اعْترض الْفضل بن الرّبيع جواري، وَكَانَ فِيهِنَّ جَارِيَة سَوْدَاء، وَكَانَ لَهَا لِسَان وبنان وحلاوة وشكل، فَوَقَعت بِقَلْبِه فكلمها، فَرَأى سرعَة جوابها، فَزَاد إعجابا، فاشتراها.
قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وأنشدني أَحْمد بن جَعْفَر الْكَاتِب لبَعْضهِم:
(أحب الْجَوَارِي الْأدم من أجل تكْتم وَمن أجلهَا أَحْبَبْت من كَانَ أسودا)
(فجئني بِمثل الْمسك أطيب رَاحَة وجئني بِمثل اللَّيْل أطيب مرقدا)
قَالَ: وأنشدني أَبُو عبد الله الأسباطي:
(ألم تَرَ أَن الْمسك مِنْهُ حصية بِمَال وَأَن الْملح وقر بدرهم)
(وَأَن سَواد الْعين فِي الْعين نورها وَمَا لبياض الْعين نور فيفهم)
قَالَ: وأنشدت لإسماعيل بن أبي هَاشم مولى آل الزبير:
(جَارِيَة مجدولة من الْحَبَش فِي وَجههَا آثَار كي ونمش)
(كَأَنَّهَا غُصْن تثنى يَوْم طش )
[ ٢٣٩ ]
وَله أَيْضا:
(نوبية طيبَة الأردان تخطر فِي حلَّة أرجوان)
(كَأَنَّهَا غُصْن من الأغصان )
قَالَ: وأنشدت لِابْنِ الجهم حب أَدَم النِّسَاء من سنة الظّرْف على أَنه جمال الْقُلُوب:
(كَيفَ يهوى الْفَتى الظريف وصال الْبيض شُبُهَات المشيب)
(وأصل الْأدم مشبهات سَواد الْعين والمسك فِي نعيم وَطيب)
(مشبهات السوَاد والمسك تفديكن نَفسِي من نائبات الخطوب)
[١٦٠] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: كَانَ لمُحَمد بن عبد الْملك الْأَسدي جَارِيَة سَوْدَاء فأحبها وَولدت لَهُ.
قَالَ: وَأخْبرنَا أَبُو الْفضل الأيادي قَالَ: وحَدثني الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل الْعَتكِي قَالَ أنبأ الصَّقْر بن عبد اللَّهِ الْمَكِّيّ قَالَ: كَانَ عندنَا بِمَكَّة رجل يُقَال لَهُ: الحسام بن قدامَة مشتهرا بحب السود، وَكَانَ إخوانه يلومونه على ذَلِك وَلَا يرجع، وَكَانَت لَهُ فِيهِنَّ أشعار كَثِيرَة فَمِنْهَا:
(لَا تلوما فلات حِين ملامة أزهق الْحبّ نَفسه والمستهامة)
(فتنته بشكلهن الْجَوَارِي والجواري فِي شكلهن غَرَامَة)
[ ٢٤٠ ]
(يَا جواري حَدثنِي بحياتي هَل عليكن فِي هلاكي قسَامَة)
(صَاح إِن القيان غير امتراء سَوف يقتلنني وَرب الْقِيَامَة)
(فَإِذا مت فاجمعوا الحرميات وصفراء مولدات الْيَمَامَة)
(والثقال الحقائب الْمَدَنِيَّات ذَوَات المضاحك البسامة)
(ثمَّ قومُوا على الْحجُون فصيحوا يَا قَتِيل القيان يَا بن قدامَة)
[١٦١] قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان: وَأَخْبرنِي أَبُو الْفضل الأيادي عَن أبي دَاوُد المصاحفي قَالَ: كَانَت للنضر بن شُمَيْل جَارِيَة سَوْدَاء قد أدبها وخرجها وفرحها، وَكَانَت فصيحة، وَكَانَ يمِيل إِلَيْهَا ويحبها، قَالَ: فَقَالَت لي يَوْمًا - وَقد ذاكرتها بالشعر -: الغ عَن هَذَا، فَإِنَّهُ حرفه كُله، وَالله مَا زَالَ بيتنا قفرا مَا كَانَ فِيهِ:
(عفت الديار محلهَا فمقامها وآذنتنا بَينهَا أَسمَاء)
وأشباههما حَتَّى أبدلنا اللَّهِ [﷿] بذلك فخصبت رحلنا وَأمن بيتنا فَجعلت أعجب من تَخْلِيصهَا وجودة تمييزها.
[١٦٢] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أنبأ الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار قَالَ أنبأ
[ ٢٤١ ]
أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ أنبأ ابْن حيويه قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن خلف قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو بكر الْقرشِي قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن بكير عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: كَانَ أَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج يتَمَثَّل بِهَذَا الْبَيْت:
(فَمن يَك معجبا ببنات كسْرَى فَإِنِّي معجب ببنات حام)
قَالَ مُحَمَّد بن خلف: وَأَخْبرنِي بعض أهل الْأَدَب قَالَ: كَانَ إِسْمَاعِيل بن جَامع قد تزوج بالحجاز جَارِيَة سَوْدَاء مولاة لقوم يُقَال لَهَا مَرْيَم، فَلَمَّا صَار من الرشيد بالموضع الَّذِي صَار بِهِ اشتاق إِلَى السَّوْدَاء، فَقَالَ يذكرهَا، وَيذكر الْموضع الَّذِي كَانَ يألفها بِهِ، ويجتمعان فِيهِ -:
(هَل لَيْلَتي بفضاء الحصحاص عايدة فِي قبَّة ذَات أشراج وأزرار)
(تسمو مجامرهما بالمندلي كَمَا تسمو بجنابه أَفْوَاج إعصار)
(الْمسك يَبْدُو إِلَيْنَا من غلائلها والعنبر الْورْد تذكيه على النَّار)
(وَمَرْيَم بَين أتراب منعمة طورا وطورا تغنيني بأوتار)
فَقَالَ لَهُ الرشيد - وَقد سمع شعره -: وَيلك، من مريمك هَذِه الَّتِي قد وصفتها صفة الْحور الْعين؟ قَالَ: زَوْجَتي، فوصفها كلَاما أَضْعَاف مَا وصفهَا شعرًا. فَأرْسل الرشيد إِلَى الْحجاز فَإِذا هِيَ سَوْدَاء طمطانية ذَات مشافر فَقَالَ لَهُ: وَيلك، هَذِه مَرْيَم الَّتِي مَلَأت الدُّنْيَا بذكرها؟ قَالَ: يَا
[ ٢٤٢ ]
سَيِّدي، إِن عمر بن عبد اللَّهِ ابْن أبي ربيعَة يَقُول:
(فتضاحكن وَقد قُلْنَ لَهَا حسن فِي كل عين من تود)
[١٦٣] أَنبأَنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ أنبأ أَبُو الْحُسَيْن بن عبد الْجَبَّار قَالَ أَنبأَنَا الْحسن بن عَليّ قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن الْعَبَّاس قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن خلف قَالَ: حَدثنِي إِسْحَاق بن مُحَمَّد الْكُوفِي قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن سَلام الجُمَحِي قَالَ: قَالَ أَبُو السَّائِب الْمدنِي: كَانَت بِالْمَدِينَةِ قينة، وَكَانَت من أَجود النَّاس غناء، فاشتراها رجل من بني هَاشم، وَكَانَت تهوى غُلَاما أسود من أهل الْمَدِينَة، فَقَالَ لَهَا مَوْلَاهَا يَوْمًا: غَنِي، فأنشأت تَقول:
(إِذا شَاب الغرب نسيت ليلِي وهيهات المشيب من الْغُرَاب)
(أحب لحبها السودَان حَتَّى أحب لحبها سود الْكلاب)
فَقَالَ الْمولى: وَالله مَا أَنا بأسود، فَمن عنيت؟ قَالَت: فلَانا قَالَ: أتحبيه؟ فَقَالَت: إِي وَالله، قَالَ: فَلَا عذر فِي حَبسك عَنهُ، وهيئت أحسن تهيئة، ثمَّ بعث بهَا إِلَيْهِ.
[١٦٤] قَالَ ابْن خلف: وَأخْبرنَا أَبُو حَاتِم السجسْتانِي قَالَ أنبأ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى قَالَ: كَانَ ابْن الدمينة يتتبع أمة سَوْدَاء لبَعض الْحَيّ، فعذله أَهله وعشيرته على ذَلِك، فَأَبت نَفسه إِلَّا اتباعها فشكوا ذَلِك مِنْهُ إِلَى
[ ٢٤٣ ]
أَمِير الْمُؤمنِينَ فحبسه، فَأَقَامَ فِي الْحَبْس شهرا.
[١٦٥] قَالَ ابْن خلف: وأنشدني أَبُو عبد اللَّهِ بن أبي مُحَمَّد لبَعض شعراء أهل الْبَصْرَة.
(قَالُوا الْبيَاض على علاته حسن كَمَا السوَاد على علاته سمج)
(هَل تُوصَف الْعين فِي تغير لحظتها إِن لم تحسنها الأجفان والدعج)
(أَو يشرق الدّرّ فِي الأجياد مبسما حَتَّى يكون مدَار اللبة السبج)
(يَا نفس صبرا على حر الْهوى أبدا مَا بعد ذَا الْحبّ إِلَّا الْمَوْت والفرج)
[١٦٦] قَالَ ابْن خلف: وَحدثنَا عبد الرَّحْمَن بن بشير قَالَ: أنبأ مُحَمَّد بن إِسْحَاق المسيني قَالَ نَا الْفَروِي عَن الْمَاجشون قَالَ: كَانَت جليدة السَّوْدَاء صَبِيحَة مُتَقَدّمَة فِي الصباحة حلوة فرآها مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن عَمْرو بن عُثْمَان فَوَقَعت فِي نَفسه، فَأرْسل يخطبها سرا، فَأَبت إِلَّا النِّكَاح الظَّاهِر، وَقَالَت: لَا أكون إِلَّا عارا على السودَان. فتسلى عَنْهَا.
[١٦٧] قَالَ ابْن خلف: وَأَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ حَدثنِي أَحْمد بن مُوسَى قَالَ: دخلت على مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن الْمهْدي - وَقد قعد مَعَ جواريه فاحتشمت، فَقَالَ لي: لَا
[ ٢٤٤ ]
تحتشم، ثمَّ قَالَ لي: بِاللَّه من ترى أعشق من هَؤُلَاءِ؟ فَنَظَرت إِلَى سَوْدَاء كَانَت فِيهِنَّ فَقلت: هَذِه. فَتقدم فَقعدَ إِلَى جنبها. فوَاللَّه مَا بَرحت حَتَّى بَكَى من عَشِقَهَا.
[١٦٨] أخبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أَنا أَبُو الْحسن بن عبد الْجَبَّار قَالَ أنبأ الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن الْعَبَّاس قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن خلف قَالَ: ذكر بعض الروَاة عَن الْعمريّ قَالَ: كَانَ أَبُو عبد اللَّهِ الحبشاني يعشق صفراء العلاقمية - وَكَانَت سَوْدَاء - فاشتكى من حبها وضني حَتَّى صَار إِلَى حد الْمَوْت، فَقَالَ بعض أَهلهَا لمولاتها: لَو وجهت صفراء إِلَى أبي عبد اللَّهِ الحبشاني، فَلَعَلَّهُ أَن يعقل إِذا رَآهَا، فَفعلت، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ قَالَت: كَيفَ أَصبَحت يَا أَبَا عبد اللَّهِ؟ قَالَ: بِخَير مالم تبرحي. قَالَت: مَا تشْتَهي؟ قَالَ: قربك. قَالَت: فَمَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: حبك، قَالَت: فتوصي بِشَيْء؟
قَالَ: أوصِي بك إِن قبلوا مني فَقَالَت: إِنِّي أُرِيد الِانْصِرَاف. قَالَ: فتعجلي ثَوَاب الصَّلَاة عَليّ. فَقَامَتْ فَانْصَرَفت، فَلَمَّا رَآهَا مولية تنفس الصعداء، وَمَات من سَاعَته.
[ ٢٤٥ ]