فَضَائِل أَشْيَاء خصت بسواد اللَّوْن من الْحَيَوَانَات والنبات والأحجار.
(فصل)
فَمن الْحَيَوَانَات:
سَواد الْعين: وَقد ركبت الْعين [من] عشرَة أَجزَاء، وَهِي سبع طَبَقَات وَثَلَاث رطوبات، والطبقات كقشور البصل، وَمَوْضِع النّظر مِنْهَا الْأسود، وَهَذَا يدل على شرف هَذَا اللَّوْن حِين اختير لهَذَا الْعُضْو الشريف، وَقد جعلت أهداب أشغار الجفن سُودًا لِتجمع الضَّوْء.
وَمن ذَلِك الكبد: وَهِي الَّتِي تطبخ الطَّعَام وتوجهه إِلَى الْبدن بوساطة الْعرق الأجوف النَّابِت من محدودبها، ثمَّ توجه المائية إِلَى الكليتين، والرغوة الصفراوية إِلَى المرارة والرسوب السوداوي إِلَى
[ ٤١ ]
الطحال، وللكبد عروق تحذف الْغذَاء لَهَا وَيُسمى الْبَاب، وعرق يحمل الْغذَاء مِنْهَا إِلَى الْأَعْضَاء وَيُسمى الأجوف، والكبد هِيَ الَّتِي تُعْطِي الْأَعْضَاء غذاءها الَّذِي بِهِ سقِي، وَمَعَ هَذَا الشّرف هِيَ سَوْدَاء وَهَذَا يدل على شرف السوَاد حِين اختير لهَذَا الْعُضْو الْكَرِيم.
وَمن ذَلِك الْقلب: وَهُوَ أشرف مَا فِي الْبدن ووسويداؤه، فِي وسطة كالعلقة تتنزل منزلَة الدِّمَاغ من الرَّأْس.
[٧] أخبرنَا هبة الله بن مُحَمَّد قَالَ أَنا الْحسن بن عَليّ التَّمِيمِي قَالَ أَنا أَبُو بكر بن مَالك قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن أَحْمد قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ ثَنَا يحيى بن سعيد عَن زَكَرِيَّا قَالَ ثَنَا عَامر قَالَ: سَمِعت النُّعْمَان بن بشير يَقُول، سَمِعت رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - يَقُول: " إِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله، وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد كُله، أَلا وَهِي الْقلب ". أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَمن ذَلِك الشّعْر: فَإِنَّهُ إِذا كَانَ أسود كَانَ جمال الْآدَمِيّ، فَإِن ابيض زَالَ جماله.
[٨] أخبرنَا مُحَمَّد بن عمر بن يُوسُف قَالَ أنبأ مُحَمَّد بن عَليّ بن
[ ٤٢ ]
الْمُهْتَدي قَالَ أنبا عَليّ بن مُحَمَّد بن بَشرَان قَالَ أَنا الْحُسَيْن بن صَفْوَان قَالَ ثناد عبيد اللَّهِ بن مُحَمَّد الْقرشِي قَالَ ثَنَا أَبُو خَيْثَمَة قَالَ ثَنَا عَليّ بن الْحسن بن شَقِيق قَالَ ثَنَا حُسَيْن بن وَاقد قَالَ نَا أَبُو نهيك الْأَزْدِيّ عَن عَمْرو بن أَخطب قَالَ، استسقى رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - فَأَتَيْته بِإِنَاء فِيهِ شَعْرَة فرفعتها ثمَّ ناولته فَقَالَ: " اللَّهُمَّ جمله ".
قَالَ أَبُو نهيك: فرأيته بعد ثَلَاث [وَتِسْعين سنة] وَمَا فِي رَأسه ولحيته شَعْرَة بَيْضَاء.
[٩] وَقد روينَا عَن أبي قَتَادَة أَن رَسُول اللَّهِ [- ﷺ َ -] دَعَا لَهُ لَهُ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ بَارك فِي شعره وبشره ".
فَتوفي وَهُوَ ابْن سبعين سنة وَكَأَنَّهُ ابْن خمس عشرَة سنة. وَمَا زَالَت الْعَرَب تبْكي على رحيل الشَّبَاب ونزول المشيب.
[ ٤٣ ]
قَالَ عَمْرو بن الْوَلِيد:
(أَمْسَى الشَّبَاب مودعا لما رأى نور المشيب)
(يَا لَيْت أَنا نشتري قرب الْبعيد بذا الْقَرِيب)
(لَا يبعدن عصر الشَّبَاب الرامح الْغُصْن العجيب)
(كَانَ الشَّبَاب حبيبنا كَيفَ السَّبِيل إِلَى الحبيب)
وَقَالَ دعبل:
(لَا تعجبي يَا سلم من رجل ضحك المشيب بِرَأْسِهِ فبكا)
(قد كَانَ يضْحك فِي شيبته فَمضى الشَّبَاب فَقل مَا ضحكا)
(أَيْن الشَّبَاب وأيه سلكا لَا أَيْن يطْلب ضل بل هلكا)
وَقَالَ أَبُو تَمام:
(لَا تلم من يبكي شبيبته إِلَّا إِذا لم يبكها بِدَم)
(لسنا نرَاهَا حق رؤيتها إِلَّا زمَان الشيب والهرم)
(كَالشَّمْسِ لَا تبدو فضيلتها حَتَّى تغشى الأَرْض بالظلم)
(ولرب شَيْء لَا تبينه وجدا بِهِ إِلَّا مَعَ الْعَدَم)
[ ٤٤ ]
وَقَالَ المتنبي:
(وَقد أَرَانِي الشَّبَاب الرّوح فِي بدني وَقد أَرَانِي المشيب الرّوح فِي بدلي)
[١٠] أخبرنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز قَالَ أَنا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ أَنا الْحسن بن أبي بكر قَالَ أَنا أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن يَعْقُوب قَالَ أنشدنا أَبُو طَالب الدعبلي قَالَ أنشدنا عَليّ. ابْن الجهم:
(لما رَأَتْ شيبا يلوح بمفرقي صدت صدود مفارق متجمل)
(فظلت أطلب وَصلهَا بتذلل والشيب يغمزها بِأَن لَا تفعلي)
[١١] أَنبأَنَا زَاهِر بن طَاهِر قَالَ أَنبأَنَا أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ قَالَ ثَنَا أَبُو عبد اللَّهِ الْحَاكِم قَالَ أَنْشدني نصر بن مُحَمَّد الطوسي قَالَ أَنْشدني أَبُو بكر الصنوبري:
(مَلَأت وَجههَا عَليّ عبوسا واستثارت من المآقي الأروسا)
(ورأتني أسرح العاج بالعاج فظلت تستحسن الآبنوسا)
[ ٤٥ ]
وللرضى:
(سَواد الرَّأْس سلم للغواني وَبَين الْبيض وَالْبيض الحروب)
(ودلال الشَّبَاب على الغواني فبادر قبل يعزلك المشيب)
وَله أَيْضا:
(من شَافِعِيّ وذنوبي عِنْدهَا الْكبر إِن الْبيَاض لذنب لَيْسَ يغْتَفر)
(رَأَتْ بَيَاضًا مسودا مطالعة مَا فِي للحب لَا عين وَلَا أثر)
(وَلَيْسَ كل ظلام دَامَ غيهبه يسر خابطه أَن يطلع الْقَمَر)
ولمهيار:
(وَلما توافقنا وَفِي الْوَصْل فضلَة بِقدر الْوُقُوف سَاعَة ثمَّ تَنْقَضِي)
(رَأَتْ شيبَة مَا صرحت بعوارضي فَصرحَ بالهجران كل معرض)
(وَقَالَت أشيخ قلت كهل فأطرقت وَقَالَت أَمَام الْهم إنذار منبض)
(نبا عَنْك بعد الشيب قلبِي وناظري وَمن أَيْن يصفو أسودان لأبيض)
[ ٤٦ ]
وَله:
(ذكرتها الْعَهْد على كاظمة قَالَت نسيت والفراق ينسي)
(وشعرا مبدلا بِشعر بدل فِيك بالنفار أنسي)
(هَل هُوَ إِلَّا الشيب أم مَالك لَا بُد أَن يصبح ليل الممسي)
[قَالَ الْمُؤلف ﵀:] وَقد كَانَت الْعَرَب تُؤثر ميل الشفتين فِي حق الْمَرْأَة إِلَى السوَاد لِأَنَّهُ أشهى عِنْدهم للتقبيل.
قَالَ ذُو الرمة:
(لمياء فِي شفتيها حوة لعس وَفِي اللثاث وَفِي أنيابها شنب)
[ ٤٧ ]
(فصل)
[قَالَ المُصَنّف] وَفِي النَّبَات أَشْيَاء كَثِيرَة لَا نطيل بذكرها وَمِنْهَا:
الشونيز: وَهُوَ الْمُسَمّى بِحَبَّة السَّوْدَاء، يحلل الرِّيَاح الْبَارِدَة، وَيقطع البلغم، وينقي الصَّدْر من الرطوبات اللزجة، ويقلع الثآليل والبهق، وَيقتل الديدان ويدر الطمث، ويسقى بالعسل وَالْمَاء الْحَار للحصاة فِي المثانة والكلية، ويجمد الحميات البلغمية والسوداوية، ويهرب الْهَوَام من دخانه.
[١٢] أخبرنَا عبد الْوَهَّاب الْأنمَاطِي قَالَ أنبأ أَبُو الْحُسَيْن ابْن النقور قَالَ أنبأ عِيسَى بن عَليّ الْوَزير قَالَ أنبأ الْبَغَوِيّ قَالَ ثَنَا كَامِل بن طَلْحَة قَالَ نَا لَيْث بن سعد عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي - ﷺ َ - قَالَ: " إِن فِي الْحبَّة السَّوْدَاء شِفَاء من كل دَاء إِلَّا السام ".
[ ٤٨ ]
قَالَ الزُّهْرِيّ: السام الْمَوْت، والحبة السَّوْدَاء: الشونيز. أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَمِنْهَا: ثَمَر الْأَرَاك:
[١٣] روى الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن جَابر قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِي - ﷺ َ - بمر الظهْرَان نجني الكباث، فَقَالَ: " عَلَيْك بالأسود مِنْهُ فَإِنَّهُ أطيبه ".
قَالَ الْأَصْمَعِي: النضيج من ثَمَر الْأَرَاك هُوَ الكباث، وأسوده أَشد نضجا.
وَمِنْهَا: الأبهل: وَهُوَ ثَمَر العرعر الْجبلي مختاره الْأسود، ينفع من القروح العفنة، والسدد، وأورام الأعصاب.
وَمِنْهَا: الأهليلج الْأسود: فَإِنَّهُ يسهل السَّوْدَاء، وينشف البلغم من الْمعدة، وينفع الجذام.
[ ٤٩ ]
وَمِنْهَا: بزر قطونا: أجوده أشده سوادا يسكن الكرب والحرارة.
وَمِنْهَا: الآبنوس:. يفتت حَصى المثانة وينفع الْبيَاض الْحَادِث فِي الْعين والغشاوة إِذا سحق مِنْهُ وزن دِرْهَم مَعَ دِرْهَم من السكر، وكحل بِهِ مرَارًا ولونه مستحسن.
[ ٥٠ ]
(فصل)
(وَمن الْأَحْجَار، الْحجر الْأسود)
[١٤] أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم [هبة اللَّهِ] بن الْحصين أَبُو بكر بن عبد الْبَاقِي قَالَ ثَنَا أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ قَالَ ثَنَا [أَبُو أَحْمد الغطريفي، قَالَ ثَنَا أَبُو خَليفَة قَالَ حَدثنَا] شَاذ بن فياض قَالَ ثَنَا عمر بن إِبْرَاهِيم الْعَبْدي عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ -: " الْحجر الْأسود من حِجَارَة الْجنَّة ".
[١٥] أخبرنَا أَبُو مَنْصُور القراز قَالَ أنبأ عبد الْعَزِيز بن عَليّ الْحَرْبِيّ قَالَ أنبأ أَبُو طَاهِر المخلص قَالَ ثَنَا أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي قَالَ ثَنَا إِسْحَاق بن خلدون قَالَ حَدثنِي حَفْص بن عمر الْعَدنِي قَالَ ثَنَا الحكم بن أبان عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: " الْحجر يَمِين اللَّهِ، فَمن لم يدْرك بيعَة رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - فَمسح
[ ٥١ ]
الْحجر فقد بَايع الله وَرَسُوله ".
[١٦] أخبرنَا عَليّ بن عبيد اللَّهِ وَأحمد بن الْحُسَيْن وَعبد الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد قَالُوا ثَنَا عبد الصَّمد بن الْمَأْمُون قَالَ أنبأ عَليّ بن عمر السكرِي قَالَ ثَنَا أَحْمد بن الْحسن الصُّوفِي قَالَ ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ قَالَ ثَنَا عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان قَالَ ثَنَا عبد الله بن عُثْمَان بن خَيْثَم عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: قَالَ رَسُول الله - ﷺ َ -: " ليبْعَثن هَذَا الْحجر يَوْم الْقِيَامَة لَهُ عينان يبصر بهما ولسان ينْطق بِهِ يشْهد على من استلمه بِحَق ".
قَالَ المُصَنّف [﵀: قلت:] وَالْحجر الَّذِي يُسمى المغناطيس حجر أسود وَفِيه الخصيصة العجيبة وَهُوَ اجتذاب الْحَدِيد إِلَيْهِ من غير مس. وَالْحجر الَّذِي يحك عَلَيْهِ الذَّهَب فَيظْهر سر بَاطِنه.
[ ٥٢ ]
وَالْحِجَارَة الَّتِي ينقدح بهَا النَّار أَكْثَرهَا على لون الْحَبَشَة. وَمن الْحِجَارَة الَّتِى قد عَم نَفعهَا حِجَارَة الْكحل الْمُسَمّى: بالإثمد، وَهِي حِجَارَة شَدِيدَة السوَاد.
[١٧] أخبرنَا ابْن الْحصين قَالَ أنبأ ابْن الْمَذْهَب قَالَ أَنا أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن أَحْمد قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ ثَنَا يعلى بن عبيد قَالَ نَا سُفْيَان عَن عبد اللَّهِ بن عُثْمَان عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ -. " خير أكحالكم الإثمد؛ يجلو الْبَصَر، وينبت الشّعْر ". [قَالَ المُصَنّف ﵀]: وَلَو تتبعنا مثل هَذِه الْأَشْيَاء طَال الْأَمر وَكُنَّا نذْكر الْمسك فَإِن النَّبِي - ﷺ َ - قَالَ فِي الْمسك: " هُوَ أطيب الطّيب ". وَكُنَّا نذْكر الْعود [العنبر] وَغير ذَلِك، لَكِن الْإِشَارَة تَنْبِيه على مَا ترك.
[ ٥٣ ]