(فِي ذكر كبار مُلُوك الْحَبَشَة)
سيدهم النَّجَاشِيّ الَّذِي هَاجَرت إِلَى بَلَده الصَّحَابَة، وَكتب إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - فَأسلم
وملوك الْحَبَشَة كلهم يتسمى بالنجاشي كَمَا يتسمى مُلُوك فَارس بكسرى.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: اسْم النَّجَاشِيّ: أَصْحَمَة، وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ: عَطِيَّة.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا النَّجَاشِيّ اسْم الْملك كَقَوْلِك: هِرقل وَقَيْصَر، قَالَ: وَلست أَدْرِي أَبَا الْعَرَبيَّة أم وفَاق وَقع بَين الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا؟
[ ١٠٤ ]
والناجشي هُوَ الناجش، والنجش استثارة الشَّيْء، وَمِنْه قيل للزائد فِي ثمن السّلْعَة: ناجش ونجاش.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: بعث رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - عَمْرو بن أُميَّة إِلَى النَّجَاشِيّ، وَكتب مَعَه:
" بِسم اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم. من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى النَّجَاشِيّ ملك الْحَبَشَة: إِنِّي أَحْمد إِلَيْك اللَّهِ الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن، وَأشْهد أَن عِيسَى بن مَرْيَم روح اللَّهِ وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم البتول الطّيبَة، فَحملت بِعِيسَى، وَإِنِّي أَدْعُوك إِلَى اللَّهِ وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن تتبعني فتؤمن بِالَّذِي جَاءَنِي؛ فَإِنِّي رَسُول اللَّهِ، وَقد بعثت إِلَيْكُم ابْن عمي جَعْفَر، وَمَعَهُ نفر من الْمُسلمين، وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى ".
فَكتب النَّجَاشِيّ إِلَى رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ -:
[ ١٠٥ ]
بِسم اللَّهِ الرَّحْمَن. إِلَى مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - من النَّجَاشِيّ: سَلام عَلَيْك يَا نَبِي اللَّهِ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاته الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الَّذِي هَدَانِي إِلَى الْإِسْلَام. . أما بعد، فقد بَلغنِي كتابك يَا رَسُول اللَّهِ، فَمَا ذكرت من أَمر عِيسَى فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِن عِيسَى بن مَرْيَم [﵇] مَا يزِيد على مَا ذكرت ثفروقا إِنَّه كَمَا قلت، وَقد عرفنَا مَا بعثت بِهِ إِلَيْنَا، وَقد قدم ابْن عمك وَأَصْحَابه، وَأشْهد أَنَّك رَسُول اللَّهِ، وَقد بَايَعْتُك وبايعت ابْن عمك، وَأسْلمت على يَدَيْهِ لله رب الْعَالمين، وَقد بعثت إِلَيْك ابْني، وَإِن شِئْت أَن آتِيك فعلت يَا رَسُول اللَّهِ، فَإِنِّي أشهد أَن مَا تَقول حق، وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاته ".
قَالَ ابْن إِسْحَاق: فَذكر لي [أَنه] بعث ابْنه فِي سِتِّينَ من الْحَبَشَة] فِي سفينة] فَغَرقُوا.
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ عَن أشياخه: كَانَ أول رَسُول بَعثه رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - عَمْرو بن أُميَّة إِلَى النَّجَاشِيّ، وَكتب إِلَيْهِ كتابين يَدعُوهُ فِي أَحدهمَا إِلَى الْإِسْلَام وَيَتْلُو عَلَيْهِ
[ ١٠٦ ]
الْقُرْآن وَأخذ كتاب رَسُول اللَّهِ فَوَضعه على عَيْنَيْهِ، وَنزل عَن سَرِيره فَجَلَسَ على الأَرْض تواضعا، ثمَّ أسلم وَشهد شَهَادَة الْحق، وَقَالَ: لَو كنت أَسْتَطِيع أَن آتيه لأتيته، وَكتب إِلَى رَسُول اللَّهِ [- ﷺ َ -] بإجابته وتصديقه وإسلامه.
وَفِي الْكتاب الآخر يَأْمُرهُ أَن يُزَوجهُ أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان، وَكَانَت قد هَاجَرت إِلَى الْحَبَشَة مَعَ زَوجهَا، وَأمره فِي الْكتاب أَن يبْعَث إِلَيْهِ بِمن قبله من أَصْحَابه ويحملهم، فَفعل ذَلِك.
ذكر أَمر رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - النَّجَاشِيّ أَن يُزَوجهُ أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان بن حَرْب.
كَانَت أم حَبِيبَة قد خرجت إِلَى أَرض الْحَبَشَة مَعَ زَوجهَا عبيد اللَّهِ بن جحش فَتَنَصَّرَ هُوَ هُنَاكَ وَثبتت [هِيَ] على الْإِسْلَام.
[٤٣] فأنبأنا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي عَن الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي قَالَ ثَنَا أَبُو عمر بن حيوية قَالَ أَنا ابْن مَعْرُوف قَالَ نَا ابْن الْفَهم قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ أَنا مُحَمَّد بن عمر قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن عَمْرو بن زُهَيْر عَن إِسْمَاعِيل بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ قَالَ: قَالَت أم حَبِيبَة: رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن عبيد اللَّهِ
[ ١٠٧ ]
ابْن جحش زَوجي بأسوء صُورَة وأشوهها فَفَزِعت، فَقلت: تَغَيَّرت وَالله حَاله، فَإِذا هُوَ يَقُول حِين أصبح: يَا أم حَبِيبَة، إِنِّي نظرت فِي الدّين فَلم أر دينا خيرا من النَّصْرَانِيَّة، وَكنت قد دنت بهَا ثمَّ دخلت فِي دين مُحَمَّد، ثمَّ قد رجعت إِلَى النَّصْرَانِيَّة، فَقلت: وَالله مَا خير لَك، وأخبرته بالرؤيا الَّتِي رَأَيْت فَلم يحفل بهَا، وأكب على الْخمر حَتَّى مَاتَ. فَأرى فِي الْمَنَام كَأَن آتِيَا يَقُول: يَا أم الْمُؤمنِينَ، فَفَزِعت فَأَوَّلتهَا أَن رَسُول الله - ﷺ َ - يَتَزَوَّجنِي.
قَالَت: فَمَا هُوَ إِلَّا أَن انْقَضتْ عدتي فَمَا شَعرت إِلَّا برَسُول النَّجَاشِيّ على أتان يسْتَأْذن، فَإِذا جَارِيَة لَهُ يُقَال لَهَا: أَبْرَهَة كَانَت تقوم على ثِيَابه ودهنه، فَدخلت عَليّ فَقَالَت: إِن الْملك يَقُول [لَك]: إِن رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - كتب إِلَيّ أَن أزَوجك، فَقلت: بشرك اللَّهِ بِخَير يَقُول لَك الْملك وكلي من يزوجك، فَأرْسلت إِلَى خَالِد بن سعيد ابْن العَاصِي فَوَكَّلَتْهُ، وَأعْطيت أَبْرَهَة سِوَارَيْنِ من فضَّة، وخدمتين كَانَتَا فِي رجْلي، وخواتيم فضَّة كَانَت فِي أَصَابِع رجْلي سُرُورًا بِمَا بشرت، فَلَمَّا كَانَ الْعشي أَمر النَّجَاشِيّ جَعْفَر بن أبي طَالب وَمن هُنَاكَ من الْمُسلمين فَحَضَرُوا، فَخَطب النَّجَاشِيّ
[ ١٠٨ ]
[﵁] وَقَالَ: الْحَمد لله الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، وَأَن الَّذِي بشر بِهِ عِيسَى بن مَرْيَم ﷺ، أما بعد
فَإِن رَسُول الله - ﷺ َ - كتب إِلَيّ أَن أزَوجهُ أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان، فأجبت إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ، وَقد أصدقهَا أَربع مائَة دِينَار، ثمَّ سكب الدَّنَانِير بَين يَدي الْقَوْم.
فَتكلم خَالِد بن سعيد فَقَالَ: الْحَمد للَّهِ، أَحْمَده وَأَسْتَعِينهُ وأستغفره، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ، أما بعد فقد أجبْت إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ وَزَوجته أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان، فَبَارك الله لرَسُول اللَّهِ - ﷺ َ -، وَدفع الدَّنَانِير لخَالِد بن سعيد فقبضها، ثمَّ أَرَادوا أَن يقومُوا فَقَالَ: اجلسوا فَإِن سنة الْأَنْبِيَاء إِذا تزوجوا أَن يُؤْكَل طَعَام على التَّزْوِيج، فدعي بِطَعَام فَأَكَلُوا، ثمَّ تفَرقُوا.
قَالَت أم حَبِيبَة: فَلَمَّا وصل إِلَيّ المَال أرْسلت إِلَى أَبْرَهَة الَّتِي بشرتني فَقلت لَهَا: إِنِّي كنت أَعطيتك مَا أَعطيتك يَوْمئِذٍ وَلَا مَال بيَدي، فَهَذِهِ خَمْسُونَ دِينَارا فخذيها واستعيني بهَا، فَأَبت وأخرجت حَقًا فِيهِ كل مَا
[ ١٠٩ ]
كنت أعطيتهَا فَردته عَليّ وَقَالَت: عزم عَليّ الْملك أَن لَا أرزأك شَيْئا، وَأَنا الَّتِي أقوم على ثِيَابه ودهنه، وَقد اتبعت دين مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ، وَأسْلمت لله رب الْعَالمين، وَقد أَمر الْملك نِسَاءَهُ يبْعَثْنَ إِلَيْك بِكُل مَا عِنْدهن من الْعطر قَالَت: فَلَمَّا كَانَ الْغَد جَاءَتْنِي بِعُود وَوَرس وَعَنْبَر وَزِيَاد كثير، فَقدمت بذلك كُله على رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ -، وَكَانَ يرَاهُ عَليّ وَعِنْدِي فَلَا يُنكره، ثمَّ قَالَت أَبْرَهَة: حَاجَتي إِلَيْك أَن تقرئي على رَسُول الله - ﷺ َ - مني السَّلَام، وتعلميه أنني اتبعت دينه. قَالَت: وَكَانَت الَّتِي جَهَّزْتنِي، وَكَانَت كلما دخلت عَليّ تَقول: لَا تنسي حَاجَتي إِلَيْك، فَلَمَّا قدمت على رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - أخْبرته كَيفَ كَانَت الْخطْبَة، وَمَا فعلت بِي أَبْرَهَة فتبشر وَأَقْرَأْته السَّلَام مِنْهَا فَقَالَ " وَعَلَيْهَا السَّلَام وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاته ".
قَالَ عبد اللَّهِ بن أبي بكر بن حزم: وَكَانَ ذَلِك [فِي] سنة سبع.
قَالَ الزُّهْرِيّ: وجهزها النَّجَاشِيّ وَبعث مَعهَا شُرَحْبِيل بن حَسَنَة.
وَلما بلغ أَبُو سُفْيَان تَزْوِيج رَسُول اللَّهِ أم حَبِيبَة قَالَ: ذَلِك الْفَحْل لَا يقرع أَنفه.
[ ١١٠ ]
قَالَ الزُّهْرِيّ: فَلَمَّا قدم أَبُو سُفْيَان بن حَرْب الْمَدِينَة جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - فَكَلمهُ أَن يزِيد فِي هدنة الْحُدَيْبِيَة، فَلم يقبل عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ فَقَامَ فَدخل على ابْنَته أم حَبِيبَة، فَلَمَّا ذهب ليجلس على فرَاش النَّبِي - ﷺ َ - طوته دونه، فَقَالَ: يَا بنية أرغبت بِهَذَا الْفراش عني أم بِي عَنهُ، فَقَالَت: بل هُوَ فرَاش رَسُول اللَّهِ
، وَأَنت امْرُؤ نجس مُشْرك. فَقَالَ: يَا بنية لقد أَصَابَك بعدِي شَرّ.
قَالَت عَائِشَة [﵂]: دعتني أم حَبِيبَة عِنْد مَوتهَا فَقَالَت: قد كَانَ يكون بَيْننَا مَا بَين الضرائر، فغفر اللَّهِ لي وَلَك، فَقلت: غفر اللَّهِ لَك ذَلِك كُله وَتجَاوز، وحللك من ذَلِك، فَقَالَت: سررتيني، سرك اللَّهِ، وَأرْسلت إِلَى أم سَلمَة فَقَالَت لَهَا مثل ذَلِك.
وَتوفيت سنة أَربع وَأَرْبَعين فِي خلَافَة مُعَاوِيَة.
ذكر إِعْلَام رَسُول اللَّهِ - ﷺ َ - النَّاس بِمَوْت النَّجَاشِيّ وَصلَاته عَلَيْهِ.
[ ١١١ ]
توفّي النَّجَاشِيّ فِي رَجَب سنة تسع من الْهِجْرَة.
[٤٤] وَأخْبرنَا ابْن الْحصين قَالَ أَنا ابْن الْمَذْهَب قَالَ أَنا أَبُو بكر ابْن مَالك قَالَ ثَنَا عبد اللَّهِ بن أَحْمد قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ ثَنَا يحيى عَن مَالك قَالَ حَدثنِي الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ:
نعى لنا رَسُول الله - ﷺ َ - النَّجَاشِيّ الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخرج إِلَى الْمصلى، فَصف أَصْحَابه خَلفه، فَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا.
قَالَت عَائِشَة [﵂]: لما مَاتَ النَّجَاشِيّ كُنَّا نتحدث أَنه لَا يزَال يرى على قَبره نور.
[ ١١٢ ]
(ذكر ملك كَبِير من مُلُوك الْحَبَشَة)
[٤٥] أخبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر الْحَافِظ قَالَ أَنا مَحْفُوظ بن أَحْمد قَالَ أَنا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الجازري قَالَ ثَنَا الْمعَافى بن زَكَرِيَّا قَالَ ثَنَا الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ ثَنَا الْفضل بن الْعَبَّاس الربعِي قَالَ حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن عِيسَى بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور قَالَ سَمِعت عمي سُلَيْمَان بن أبي جَعْفَر يَقُول: كنت وَاقِفًا على رَأس الْمَنْصُور لَيْلَة وَعِنْده إِسْمَاعِيل بن عَليّ وَصَالح بن عَليّ وَسليمَان بن عَليّ وَعِيسَى بن عَليّ فتذاكروا زَوَال ملك بني أُميَّة، وَمَا صنع بهم عبد اللَّهِ، وَقتل مَا قتل مِنْهُم بنهر أبي فطرس، فَقَالَ الْمَنْصُور: أَلا من عَلَيْهِم ليروا من دولتنا مَا رَأينَا من دولتهم وَيرغبُوا إِلَيْنَا كَمَا رغبنا إِلَيْهِم، فقد لعمري عاشوا سعداء وماتوا فُقَرَاء، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل بن عَليّ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن فِي حَبسك عبد اللَّهِ بن مَرْوَان بن مُحَمَّد، وَقد كَانَت لَهُ قصَّة عَجِيبَة مَعَ ملك النّوبَة، فَابْعَثْ إِلَيْهِ فسله عَنْهَا، فَقَالَ: يَا مسيب، عَليّ بِهِ، فَأخْرج فَتى مُقَيّدا بِقَيْد ثقيل وغل ثقيل، فَمثل بَين يَدَيْهِ، وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاته، فَقَالَ: يَا عبيد اللَّهِ، رد السَّلَام أَمن. وَلم
[ ١١٣ ]
تسمح لَك نَفسِي بذلك بعد، وَلَكِن اقعد، فجاؤوا بوسادة فثنيت فَقعدَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ: قد بَلغنِي أَنه كَانَت لَك قصَّة عَجِيبَة مَعَ ملك النّوبَة، فَمَا هِيَ؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لَا وَالَّذِي أكرمك بالخلافة مَا أقدر على النَّفس من ثقل الْحَدِيد، وَلَقَد صدئ قيدي مِمَّا أرشش عَلَيْهِ من الْبَوْل، وأصب عَلَيْهِ المَاء فِي أَوْقَات الصَّلَاة، فَقَالَ: يَا مسيب، أطلق عَنهُ حديده. ثمَّ قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلما قصد عبد اللَّهِ بن عَليّ إِلَيْنَا كنت [أَنا] الْمَطْلُوب من بَين الْجَمَاعَة، لِأَنِّي كنت ولي عهد أبي من بعده فَدخلت إِلَى خزانَة فاستخرجت مِنْهَا عشرَة آلَاف دِينَار، ثمَّ دَعَوْت عشرَة من غلماني وحملت كل وَاحِد على دَابَّة، وَدفعت إِلَى كل غُلَام ألف دِينَار وأوقرت خَمْسَة أبغل، وشددت فِي وسطي جوهرا لَهُ قيمَة مَعَ ألف دِينَار، وَخرجت هَارِبا إِلَى بلد النّوبَة، فسرت فِيهَا ثَلَاثًا، فَوَقَعت إِلَى مَدِينَة خراب فَأمرت الغلمان فعدلوا إِلَيْهَا فكسحوا مِنْهَا مَا كَانَ قذرا، ثمَّ فرشوا بعض تِلْكَ الْفرش، ودعوت غُلَاما لي كنت أَثِق بعقله فَقلت: انْطلق إِلَى الْملك فأقرئه مني السَّلَام، وَخذ مِنْهُ الْأمان، وابتع لي ميرة. قَالَ: فَمضى فَأَبْطَأَ حَتَّى سُؤْت ظنا، ثمَّ أقبل وَمَعَهُ رجل آخر، فَلَمَّا أَن دخل كفر لي، ثمَّ قعد بَين يَدي فَقَالَ لي: الْملك يقْرَأ
[ ١١٤ ]
عَلَيْك السَّلَام، وَيَقُول لَك: من أَنْت؟ وَمَا جَاءَ بك إِلَى بلادي؟ أمحارب لي، أم رَاغِب إِلَيّ، أم مستجير بِي؟ قلت: ترد على الْملك السَّلَام، وَتقول: أما محَارب لَك فمعاذ اللَّهِ، وَأما رَاغِب فِي دينك فَمَا كنت لأبغي بديني بَدَلا، وَأما مستجير بك فلعمري، قَالَ: فَذهب ثمَّ رَجَعَ إِلَيّ فَقَالَ: إِن الْملك يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام، وَيَقُول لَك: أَنا صائر إِلَيْك غَدا، فَلَا تحدثن فِي نَفسك حَدثا وَلَا تتَّخذ شَيْئا من ميرة، فَإِنَّهَا تَأْتِيك وَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ، فَأَقْبَلت الْميرَة، فَأمرت غلماني فرشوا ذَلِك الْفرش كُله، وَأمرت بفرشة ففرش لَهُ ولي مثله، [وَأَقْبَلت] من غَد أرقب مَجِيئه، فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِك أقبل غلماني يحْضرُون وَقَالُوا: إِن الْملك قد أقبل، فَقُمْت بَين شرفتين من شرف الْقصر أنظر إِلَيْهِ فَإِذا أَنا بِرَجُل قد لبس بردين ائتزر بِأَحَدِهِمَا وارتدى بِالْآخرِ حاف راجل، وَإِذا عشرَة مَعَهم الحراب، ثَلَاثَة يقدمونه وَسَبْعَة خَلفه، وَإِذا الرجل الموجه إِلَى جنبه، فاستصغرت أمره، وَهَان عَليّ لما رَأَيْته فِي تِلْكَ الْحَال، وسولت لي نَفسِي قَتله، فَلَمَّا قرب من الدَّار إِذا أَنا بسواد عَظِيم، فَقلت: مَا هَذَا السوَاد؟ فَقيل: الْخَيل توافي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ زهاء عشرَة آلَاف عنان،
[ ١١٥ ]
فَكَانَت موافاة الْخَيل إِلَى الدَّار وَقت دُخُوله، فأحدقوا بهَا فَدخل إِلَيّ، فَلَمَّا نظر إِلَيّ قَالَ لِترْجُمَانِهِ: أَيْن الرجل؟ فَأَوْمأ الترجمان إِلَيّ فَلَمَّا نظر إِلَيّ وَثَبت إِلَيْهِ فأعظم ذَلِك، وَأخذ بيَدي فقبلها ووضعها على صَدره، وَجعل يدْفع مَا على الْفسْطَاط بِرجلِهِ، فتشوش الْفرش، فَظَنَنْت أَن ذَلِك يجلونه أَن يطأوا على مثله، حَتَّى انْتهى إِلَى الْفرش، فَقلت لِترْجُمَانِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لم لم يقْعد على الْموضع الَّذِي وطئ لَهُ؟ فَقَالَ: قل لَهُ: إِنِّي ملك، وكل ملك حَقه أَن يكون متواضعا لِعَظَمَة اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ رَفعه اللَّهِ تَعَالَى ثمَّ أقبل ينكت بِأُصْبُعِهِ فِي الأَرْض طَويلا، ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ لي: كَيفَ سلبتم هَذَا الْملك وَأخذ مِنْكُم وَأَنْتُم أقرب النَّاس إِلَى نَبِيكُم؟ فَقلت: جَاءَ من هُوَ أقرب قرَابَة إِلَى نَبينَا - ﷺ َ - فسلبنا وقتلنا وطردنا، فَخرجت إِلَيْك مستجيرا بِاللَّه ﷿ ثمَّ بك. قَالَ: فَلم كُنْتُم تشربون الْخمر وَهِي مُحرمَة عَلَيْكُم فِي كتابكُمْ؟ فَقلت: فعل ذَلِك عبيد وَأَتْبَاع وأعاجم دخلُوا فِي ملكنا من غير رَأينَا. قَالَ: [فَلم] كُنْتُم تَرْكَبُونَ على الديباج وعَلى دوابكم الذَّهَب وَالْفِضَّة، وَقد حرم ذَلِك عَلَيْكُم؟ قلت: عبيد وَأَتْبَاع وأعاجم دخلُوا فِي مملكتنا. قَالَ:
[ ١١٦ ]
فَلم كُنْتُم إِذا خَرجْتُمْ إِلَى صيد تقحمتم على الْقرى وكلفتم أَهلهَا مَا لَا طَاقَة لَهُم بِهِ بِالضَّرْبِ الوجيع، ثمَّ لَا يقنعكم ذَلِك حَتَّى تموشوا زُرُوعهمْ فتفسدوها فِي طلب دراج قِيمَته نصف دِرْهَم، أَو فِي فِي عُصْفُور قِيمَته لَا شَيْء، وَالْفساد محرم عَلَيْكُم فِي دينكُمْ؟ قلت: عبيد وَأَتْبَاع قَالَ: لَا، وَلَكِنَّكُمْ استحللتم مَا حرم اللَّهِ وأتيتم مَا نهاكم عَنهُ فسلبكم اللَّهِ [تَعَالَى] الْعِزّ، وألبسكم الذل، وَللَّه فِيكُم نقمة لم تبلغ غايتها بعد، وَإِنِّي أَتَخَوَّف أَن تنزل النقمَة بك إِذا كنت من الظلمَة فتشملني مَعَك، فَإِن النقمَة إِذا نزلت عَمت وشملت، فَاخْرُج بعد ثَلَاث، فإنني إِن أخذتك بعْدهَا أخذت جَمِيع مَا مَعَك وقتلتك وَقتلت جَمِيع من مَعَك.
ثمَّ وثب فَخرج فأقمت ثَلَاثًا وَخرجت إِلَى مصر، فأخذني وليك فَبعث بِي إِلَيْك وَهَا أَنا إِذا وَالْمَوْت أحب إِلَيّ من الْحَيَاة، فهم أَبُو جَعْفَر بِإِطْلَاقِهِ،
[ ١١٧ ]
فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل بن عَليّ: فِي عنقِي بيعَة لَهُ قَالَ: فَمَا ترى؟ قَالَ: ينزل فِي دَار من دُورنَا وَيخرج عَلَيْهِ مَا يخرج على مثله. قَالَ: فَفعل ذَلِك بِهِ، فوَاللَّه مَا أَدْرِي أمات فِي حَبسه أم أطلقهُ الْمهْدي.
[ ١١٨ ]
(ملك آخر)
[٤٦] روى أَبُو الْقَاسِم النَّخعِيّ قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن يُوسُف قَاضِي صنعاء قَالَ: كتب إِلَيّ ملك الزنج فَكَانَ فِي آخر كِتَابه:
(لَا أسأَل النَّاس عَن مَا فِي نُفُوسهم مَا فِي ضميري لَهُم من ذَاك يَكْفِينِي)
(وَلَا أَقُول لعرس الْجَار فِي لطف فِي غَفلَة من عُيُون الْحَيّ أرويني)
(لَا أَبْتَغِي وصل من يَبْغِي مفارقي وَلَا أَلين لمن لَا يَبْتَغِي ليني)
(وَالله لَو كرهت كفي مصاحبتي يَوْمًا لَقلت لَهَا من ساعدي بيني)
(ثمَّ الْتفت إِلَى الْأُخْرَى وَقلت لَهَا مهلا عَلَيْك وَإِلَّا مثلهَا كوني)
[ ١١٩ ]